Define your generation here. Generation What

هوامش على دفتر أحلام مهزومة: أروى وزينب.. وأنا

منذ بضعة أشهر تسيطر أروى صالح على تفكيري وتقفز سطور من كتابها “المُبتسرون – دفاتر واحدة من جيل الحركة الطلابية” إلى رأسي أكثر من أي وقت مضى. أفكر في اللحظة التي يمكن أن يقرر فيها إنسان تحويل هزائمه الكثيفة إلى قرار واحد يمكن أن يعده انتصار: الرحيل، أو كما قالت في كتاب المبتسرون “الهروب إلى حيث لا يوجد كل هذا العنف والقسوة والتعقيد”.

حين أغرق خبر انتحار زينب مهدي مواقع التواصل الاجتماعي، هرعت أعيد قراءة نسخة إلكترونية من “المُبتسرون”.

“في انهياري المهول، مش بس شيء أصيل، إنما حتى جسارة”، تقول أروى في رسالة كانت كتبتها عام 1988 لشخص لم تُعرفّه، ثم أرفقتها كملحق طبق الأصل في نهاية كتابها. تحكي للصديق المجهول تفاصيل مشاعرها عن عالم كامل يلفظها، وعن ثقل الهزائم التي تحملها على “كتفين وحيدين”. تحكي أروى عن رفضها “تلصيم” ثقوب حياتها بحلول مزيفة أو حتى “باستمرار يمليه العجز عن مواجهة العالم عاريا”.

(المساعدة في بناء مجتمع مدني قوي – المشاركة – مراقبة الانتخابات – الأنشطة النسوية – المشاركة (مرة أخرى) – الابتكار)، تلك كلمات وردت في “الهدف” الذي كتبته زينب لسيرتها الذاتية، التي نشرت صورة ضوئية منها مع العديد من الصور لزينب في ظروف مختلفة: وهي ترتدي حجاب، وهي تحمل ملصقًا لصورة المرشح الرئاسي لحزب مصر القوية، وهي بلا حجاب تلقي كلمة من على منصة، وهي بلا حجاب وترفع “علامة رابعة”.. وفي كل أحوالها الواردة في الصور كانت زينب تبتسم.

“اللحظة التي تفقد فيها الحياة الطعم بالنسبالي أكيد مش هاخاف من الموت”،  تقول أروى في رسالة ثانية إلى نفس الصديق المجهول، والتي كانت كتبتها هذه المرة من منفاها الاختياري المؤقت في إشبيلية، وتسرد له كيف أنها للمرة الأولى ـ وهي في الرابعة والثلاثين ـ  تتأمل مفهوم الموت، وتداعبها فكرة أنها حين تصل لمرحلة معينة من العجز يمكن أن تنتحر.

ستختار أروى العبور إلى الموت بعد سنوات من كتابة تلك الرسالة، وشهور من نشر كتابها “المبتسرون”.

***

“تعبت.. استهلكت.. مفيش فايدة”.

قلت للطبيب النفسي أن شعور عملاق باللا جدوى يبدو كأنه يبتلع كل شيء: لا جدوى العمل العام الذي أحيا كل حواسي على مدار الأعوام الأربعة الماضية، لا جدوى وظيفتي الجديدة التي كنت أحبها.. ولا جدوى وظيفتي القديمة التي لم أكن أحبها، لا جدوى مشاريع علاقات عاطفية جديدة قد تحمل نهايات ينهزم فيها الحب كسابقاتها. قلت له إن استيقاظي كل صباح صار أمرًا مرهقًا. سألني إن كانت فكرة أن أنهي حياتي تقفز إلى ذهني، وأجبت بأني أجبن من ذلك كثيرًا، إلا أنني أقل تشبثًا بالحياة من أي وقت مضى.. ما عاد لديّ الكثير من أسباب البقاء.. قلت أيضًا أن الموت “خيار مش وحش”.

صرفني الطبيب مؤكدًا أنني لا أحتاج علاجًا من النوع الذي يمكن أن يقدمه، وأنني ـ ككثيرين ـ أعاني من ضغوط متزايدة وإحباط شديد ومرارة تركة قلب كسير.. وعليّ التعامل وحدي مع كل ذلك دفعة واحدة.

أنا مثل أروى “أحمل كثير من الهزائم على كتفين وحيدين”.

تبدو زينب ـ التي لم أعرفها ـ مثقلة أيضًا بهزائم تحملها على كتفين وحيدين.

يصف أحد أصدقاء زينب كيف أنها كانت محبطة ويائسة كما وصفت مشاعرها بنفسها قبل الرحيل: “تعبت.. استهلكت.. مفيش فايدة.. مفيش عدل وأنا مدركة ده.. ومفيش نصر جاي، بس بنضحك على نفسنا عشان نعرف نعيش”. كانت أيضًا بلا عمل، تتحمل نتاج اختيارات أزعم أنها اتخذتها على مدار الأعوام الأربعة الماضية حين فُتحت الأبواب للسعي وراء الأحلام، ولا طاقة لها بالعودة عنها تفاديًا لمزيد من الهزائم. ربما يجتاحها أيضًا حنين إلى أيام كانت الحياة فيها أقل تعقيدا.. كان سقف الأحلام أقل ارتفاعا، ولكن السقوط من سماء الأحلام كان أقل مأساوية.. أيام لم تحمل كثير من السعادة، لكنها أيضا لم تحمل هذا الخليط القاتل من العجز والغربة والخيبات. ربما تشتاق لدفء صديقات قديمات “مش هيقبلوها خلاص من بعد ما خلعت الحجاب” على حد وصف إحدى صديقاتها.

***

“على امتداد العمر كان يحميني ويصونني من السقوط يقين يربطني بالبشر”، تقول أروى.

أغادر الطبيب النفسي إلى حفنة من الأصدقاء لا زالت تُقدر حجم المأساة. نتحدث لغة مشتركة ونحاول أن نساند بعضنا البعض لتجاوز أزمة أن نبقى نحن بعد أن فني كل شيء، وغادر الكثير من الأصدقاء الآخرين: إما غادروا الوطن، وإما غادروا الحياة، وإما غادروا دوائر تفاعلنا المشتركة. نضحك سوية من مأساتنا بعد أن صرنا مثل طائفة منبوذة تتكلم لغة غريبة لا يفهمها سوى أبناء الطائفة.

“كأن قدرتي على الاستمرار بعد الصدمات، كانت هي القدرة على تجديد الوهم”، تقول أروى.

مستمرون نحن بشكل أو بآخر، يعين بعضنا البعض على “تجديد الوهم”، ولكن الحياة كما كنا نعرفها في الأعوام الأربعة الماضية انتهت. وانتهت أيضًا قدرتنا على التعاطي مع الحياة كما كنا نعرفها قبل الطوفان الذي أيقظ كل شيء: التمرد والصدق والشغف والأحلام العريضة بتغيير كل شيء. ذلك الطوفان الذي رفعنا إلى السماء السابعة ثم هوى بنا من القمة إلى السفح دفعة واحدة. بشكل ما غادرتنا هذه الحياة/الحلم دون أن نغادرها نحن. يحاول كلٌ منا إيجاد طريق ما يكفل إما “تجديد الوهم” أو “الهروب إلى حيث لا يوجد كل هذا العنف والقسوة والتعقيد”.

هل زينب الأكثر أم الأقل شجاعة؟ هل هي الأكثر أم الأقل حظا؟.. لا أعرف.

ربما هي “ضاقت بها السبل فلم تجد إلا الله ملجأ فاقتصرت الطرق إليه… الله وحده يعلم قصتها”، كما كتبت إحدى صديقاتها.

(قررت أروى مغادرة الحياة في يونيو 1997 وهي في أربعينياتها، وقررت زينب مغادرة الحياة في نوفمبر 2014 وهي بعد في عشرينياتها).

اعلان
 
 
حنان البدوي