Define your generation here. Generation What

كلمة السر.. قمة مصر الاقتصادية

في مسرحية “علي بابا” الشهيرة، يبدو البطل وكأنه قد وجد ضالته في كلمة السر “افتح يا سمسم” التي ستمهد له الطريق إلى ثروات طائلة تضمن له حياة مترفة طوال عمره، وبالرغم من أن الحياة الواقعية أكثر تعقيدًا من مسرح الأطفال، إلا أن الحكومة تبدو أيضًا وكأنها قد وجدت ضالتها في مؤتمر “قمة مصر الاقتصادية”، وكأنه كلمة السر لحل كل المشكلات الاقتصادية الراهنة.

بدأت الوعود بحلحلة كل الضغوط الاقتصادية الراهنة منذ الأيام الأولى للإطاحة بالرئيس السابق محمد مرسي. فنسبة مهمة من الجماهير التي خرجت تطالب بعزله كانت ساخطة بسبب أزمات الطاقة وضعف فرص العمل، وجاء أول الوعود بتحسن الأحوال على لسان محمد البرادعي، نائب رئيس الوزراء آنذاك، الذي قال إن الخليج وعد مصر بـ 35 مليار دولار، وأن إعادة ضبط الأمن وإجراء بعض الإصلاحات الاقتصادية كفيلين بوضع الاقتصاد على المسار الصحيح.

اختفى البرادعي عن الساحة السياسية، أما المليارات الخليجية فتدفقت ولكن في صورة مساعدات وليس استثمارات.

وبينما كانت الاضطرابات السياسية تتصاعد بسبب حدة وتيرة التظاهرات المؤيدة لمرسي وهجمات التنظيمات المتطرفة على قوات الأمن والجيش، وهي التداعيات التي جعلت بيئة الاستثمار غير ممهدة على الاطلاق، تظهر بيانات البنك المركزي عن تلك الفترة، أعني العام الذي تلا عزل مرسي وسبق انتخاب عبدالفتاح السيسي، عدم قدرة السلطة على جذب استثمارات بفارق كبير مقارنةً بما قبل 30 يونيو. فإجمالي صافي الاستثمارات في العام المالي الذي تلا تلك الأحداث بلغ 4.1 مليار دولار، مقارنة بـ 3.7 مليار دولار في عام حكم الإخوان.

واللافت للنظر أن الإمارات التي تصدرت التحالف الخليجي المؤيد لسلطة ما بعد 30 يونيو تراجعت تدفقاتها الاستثمارية إلى مصر في العام التالي لعزل مرسي من 480 مليون دولار في 2012-2013 إلى 401 مليون دولار في 2013-2014.

ولكن العاهل السعودي أطلق دعوة عقب الإعلان عن فوز السيسي بأول انتخابات رئاسية بعد 30 يونيو، لتنظيم مؤتمر يجمع كل الشركاء الراغبين في مساعدة الاقتصاد المصري، وهي الفكرة التي تلقفتها الحكومة المصرية بحماس وطورتها لتصبح دعوة لمؤتمر اقتصادي ضخم “قمة مصر الاقتصادية”، يرُوِج لمشروعات عملاقة في السوق المصرية أمام شركات خليجية وأجنبية ومؤسسات تمويل دولية.

الحديث عن المؤتمر اكتسب اهتمامًا في ظل التراجع القوي للمساعدات الخليجية بعد انتخاب السيسي، فأضخم تلك المساعدات جاء في صورة اتفاق تجاري مع الإمارات، وليس منحة لا ترد، يتعلق بتدبير منتجات بترولية بنحو 9 مليارات دولار ترد مصر قيمتها بشروط مُيَسَرة. وأصبحت الحكومة ترُوِج لملفين أساسيين في كل الملتقيات الاقتصادية التي أعقبت انتخاب السيسي: أولهما إجراءات إعادة هيكلة الدعم التي بدأها السيسي في أول موازنة يعتمدها كرئيس للجمهورية، والملف الثاني متعلق بالمؤتمر الذي دعا إليه العاهل السعودي واعتبرته الإدارة المصرية نقطة انطلاق لاستعادة ثقة الاستثمارات الأجنبية، التي كان صافي تدفقاتها إلى مصر قبل ثورة يناير يتعدي 6 مليارات دولار.

وانشغلت التقارير الصحفية بمتابعة ميعاد المؤتمر (الذي انتهت الحكومة إلى تحديده في مارس المقبل) ومن سينظمه، وكيف تروج له الحكومة حتى في اجتماعات الخريف بواشنطن، ولكن لم يطرح الكثيرون أسئلة حول مدى قدرة هذه القمة على جذب الاستثمارات بالفعل، والأهم مدى قدرة تلك الاستثمارات على تقليل سخط المصريين.

المخاطر السياسية في مصر لا تزال تقلق مجتمع الأعمال الدولي، فبالرغم من هدوء حركة الاحتجاجات، تحت وطأة العقوبات الجنائية التي فرضها قانون تنظيم التظاهر، تأخر مثلًا تشكيل البرلمان، ولا تزال أعمال العنف من الجماعات المتطرفة مستمرة.

كما أن تفاقم المديونية، حيث بلغ إجمالي الدين المحلي لأجهزة الموازنة إلى الناتج الإجمالي 85.1% حتي يونيو الماضي، يُشعِر المراقبين لمصر بأن المؤسسات المصرفية المُقرضة للحكومة، والتي تعد من أكثر المؤسسات الاقتصادية قدرة على الربح في الوقت الحالي، يواجهها خطر مستمر من احتمالية دخول الحكومة في أزمة مالية تؤثر عليها بالتبعية.

وفي ظل المخاطر الاقتصادية والسياسية الجارية اكتفت مؤسسة التصنيف الائتماني «موديز» بتثبيت تصنيفها السيادي لمصر وليس تحسينه، الأمر الذي أغضب وزير المالية المصري للغاية، أو هكذا بدا الأمر في بيان رسمي أصدرته المالية تشير فيه إلى أن التحسن الاقتصادي في مصر لم ينعكس في تقرير «موديز».

أما على مستوى العلاقات الثنائية، فلا شك أن العلاقة مع الولايات المتحدة، أكبر مستثمر أجنبي في مصر، تبدو الآن أكثر قربًا مما كانت عليه عقب خلع مرسي، ربما يعكس ذلك زيارة وزير الخزانة الأمريكي لمصر وحديثه عن رغبة بلاده في مساعدة الحكومة المصرية، ويعكسها أيضًا زيارة وفد ضخم من الشركات الأمريكية للاطّلاع على فرص الاستثمار في مصر، وهو الوفد الذي اهتمت الحكومة، كالمعتاد، بإقناعه بالمشاركة في القمة الاقتصادية واطلاعه على حزمة التيسيرات التي ستشرعها بالتزامن مع تلك القمة لإزالة كل العوائق الممكنة أمام الاستثمارات.

ولكن خطوات القُرب الأمريكية لمصر على الصعيد الاقتصادي، لم تكن بعيدة عن الجدل السياسي في الولايات المتحدة، فصحيفة «واشنطن بوست» هاجمت في افتتاحية لها زيارة وفد الأعمال الأمريكي لمصر، معتبرة إياها دعمًا للنظام المصري الذي ترى أنه معادٍ للديمقراطية.

ومن جهة أُخرى، يرى بعض المحللين أن مزيد من تقييد الحريات في مصر سيضع البلاد على طريق الاستقرار، الأمر الذي سيجتذب الاستثمارات التي لا تبحث إلا عن مصالحها، ويضربون المثل دائمًا بالنموذج الصيني الذي حقق تقدمًا اقتصاديًا مذهلًا تحت نظام حكم معادٍ للحريات ولا يرحب بالمظاهرات والانتقادات لممارساته، ولكن هذا التحليل يُغفِل أن حالة الغليان الاجتماعي التي عاشتها مصر منذ ثورة يناير كان المُحَفز الأساسي لها هو تردي الأوضاع الاقتصادية، فهل تنجح الاستثمارات الأجنبية في تحسين أحوال الناس؟، بفرض أننا نجحنا في زيادة معدلاتها.

بيانات وزارة الاستثمار تقول لنا أن نمط الاستثمارات الأمريكية في مصر في العام الأخير لم يكن في مصلحة القاعدة العريضة من المصريين، فالنسبة الأكبر منها كانت موجهة للقطاع المالي وقطاع الخدمات، واللذان لا تتسم أنشطتهما في كثير من الأحيان بالتشغيل الكثيف للعمالة.

وبفرض أننا عُدنا إلى حالة 2010، فهل استطاعت الاستثمارات الأجنبية الوافرة حينها أن تُحسِّن من أحوال المصريين؟

على سبيل المثال، يقول تقريرٌ للبنك الدولي، تحت عنوان “الاستثمار في أوقات الاضطرابات”، أن أكبر استثمارات جديدة خرجت من الإمارات العربية المتحدة إلى دول المنطقة في فترة معظمها كان تحت حكومة رئيس وزراء مبارك الأخير، من 2003-2012، ذهبت إلى مصر. نستطيع أن نُخمِّن بسهولة لماذا لم تنجح الاستثمارات الإماراتية في عهد مبارك في تقليل سخط المصريين في ظل توجه نسبة مهمة منها إلى قطاعات آثارها التنموية محدودة كنشاط إنشاء العقارات الفاخرة.

التعلق بالقمة الاقتصادية في لحظة يبدو فيها المستقبل مليء بالضباب أمر مُقلق، فحتى إن استطاعت القمة تحقيق هدفها لجذب الاستثمارات، ماذا بعد؟

اعلان