يوميات “الأزهر”.. الجامعة بين الحصار الأمني والغضب الطلابي
 
 

صفوف من جنود الأمن المركزي متراصة على جانبي البوابة الرئيسية، تنطبع على وجوههم ملامح الجد والتوتر، بالإضافة إلى 40 تشكيلًا من سيارات ومدرعات الأمن المركزي تحيط الجامعة من الجهات الأربع، كل هذا بخلاف عناصر من أفراد الأمن الإداري، وأفراد الأمن التابعين لشركة «فالكون» الذين ينتشرون أمام البوابات الالكترونية لفحص الطلاب وتفتيشهم ذاتيًا.

مشهدٌ يومي في جامعة الأزهر، يأتي ضمن مشاهد متعددة يعيشها الطلاب، تحولت معها الجامعة إلى  ثكنة عسكرية وبؤرة للمواجهات بين الطلاب وقوات الأمن، والتى تشهد على آخرها صور لمجموعة من الفتيات تصرخن صرخات غاضبة بعد اعتقالهن وسط الحرم الجامعي الأسبوع الماضي.

ارتباط موقع الجامعة بعدد من المنشآت العسكرية المجاورة لها كان أحد العوامل التي حولتها لثكنة عسكرية، حيث يقع المقر الرئيسي لجهاز الأمن الوطني في أحد جوانبها، وخلفها وبمواجهة مدينتها الجامعية يوجد قسم مدينة نصر الذي تنتهى فيه رحلة الكثير من المشاركين في التظاهرات. وعلى بعد عشرات الأمتار يوجد ميدان رابعة العدوية المجاور لعدد من المنشآت العسكرية الهامة، فضلًا عن قيمته المعنوية الخاصة التى اكتسبها منذ فض الاعتصام الذى احتواه.

التحصينات لم تشمل محيط الجامعة والكليات داخلها فقط، لكنها امتدت إلى المدينة الجامعية المجاورة التي تم عزلها عن الجامعة تمامًا، من خلال إقامة أسوار خرسانية تحيط بالجامعة، وتعلية أسوار المدينة، ووضع أسلاك شائكة عليها، ووضع بوابات إلكترونية على مداخلها، وتكثيف تواجد الأمن الإداري وشرطة الحراسة داخلها.

جامعة الأزهر تعد الجامعة الوحيدة التي يمتلك رئيسها حق فصل الطلاب وعزل أعضاء هيئة التدريس والعاملين ممن يشارك فى التظاهرات، أو يُخرب منشآت الجامعة، أو يحاول تعطيل الدراسة، وذلك على خلفية تعديل الرئيس عبدالفتاح السيسي في أواخر الشهر الماضي أحكام القانون رقم 103 لسنة 1961 بشأن إعادة تنظيم الأزهر والهيئات التي يشملها، وهو ما لا ينطبق على الجامعات الأخرى لعدم تبعية مجلس جامعة الأزهر للمجلس الأعلى الجامعات أو وزير التعليم العالي.

محمد ناجي، الباحث في برنامج الحرية الأكاديمية والحقوق الطلابية بمؤسسة حرية الفكر والتعبير ومسئول موقع المرصد الطلابي، يُرجع ارتفاع وتيرة المواجهات في جامعة الأزهر مقارنة بالجامعات  الأخرى إلى خلفية مناهج التعليم الدينية داخل الجامعة، وتواجد قاعدة شعبية كبيرة للمنتمين لجماعة الإخوان المسلمين داخلها، والذين يصل عددهم إلى ضعف نظرائهم في الجامعات الأخرى، وأيضًا بسبب توافد أعداد كبيرة من الطلاب القادمين من الأقاليم عليها، بالإضافة إلى نفوذ حركة «طلاب ضد الانقلاب»، المنتمية لجماعة الاخوان المسلمين، فيها.

«طلاب ضد الانقلاب» هى أكثر الحركات فاعلية وتنظيمًا داخل الجامعة، وهى التي تولت تنظيم كافة الفاعليات المناهضة للسلطة الحالية بشكل دوري منذ ظهورها في أعقاب عزل الرئيس السابق محمد مرسي من منصبه، وتباينت فاعلياتها، التي أخذت السمت الديني في بعض شعاراتها، ما بين التظاهر إلى العصيان المدني ومواجهة قوات الشرطة بدرجات متفاوتة من العنف المضاد.

محمود الأزهري، المتحدث باسم «طلاب ضد الانقلاب»، هو شاب وافد من محافظة الاسكندرية، يدرس في السنة النهائية في كلية الهندسة جامعة الأزهر، وبسبب التشديد الأمنى يجد صعوبة بالغة في تحركاته، للحد الذي جعل التواصل معه عن طريق الهاتف أشبه بمهمة مستحيلة، ولذلك تواصلت معه «مدي مصر» عبر skype.

يرفض الأزهري تأكيد أو نفي الرواية المنتشرة عن حقيقة انتمائه لجماعة الإخوان المسلمين، ويفسر ذلك قائلًا: “الحركة ليس لها علاقة بتيارات سياسية أو أيدولوجية محددة، هى حركة طلابية تحاول انتزاع حقوق الطلاب”.

يحكي الأزهري عن الظروف الأمنية التي تحول بينه وبين ممارسة حياته بشكل طبيعي، “منذ 11 شهر لم أبت في منزلى ليلة.. وكذلك لا أتواجد فيه في هذه الأيام بتاتًا، أذهب للجامعة لكن ليس بصورة دائمة، أحرص على الأخذ بالأسباب في بعض الإجراءات، كعدم تواجدي في منزلي أو التواصل مع أهلي عن طريق التليفون، وكذلك لا أتواصل به مع الأصدقاء. أستخدم التليفون للضرورة فقط، وقد لا أستخدمه لشهور. كما أني حريص نوعًا ما في تحركاتي وفي اختيار الأماكن التي أذهب لها.. كل هذا بسب القمع”.

داخل شقة مستأجرة في أحد الأحياء الفقيرة بمنطقة شرق القاهرة، حضرت «مدى مصر» أحد الاجتماعات الطارئة لـ«طلاب ضد الانقلاب»، والذى عُقد لبحث تداعيات اعتقال أعداد كبيرة من طالبات الأزهر.

 بعد مفاوضات جمعت خمسة أعضاء ينتمون للحركة، لتحديد مكان الاجتماع الذي يضمن سلامتهم بعيدًا عن أعين أجهزة الأمن، استقروا على تلك الشقة التى تتصدرها منضدة عليها عدد من الكتب الدينية، ومنشورات عن النضال الطلابي ومرجعية وجذور اختياراتهم السياسية والاجتماعية، بينما يحتل حوائطها صورًا لعدد ممن لقوا حتفهم خلال فض اعتصام رابعة العدوية.

على بعد أمتار من جامعة الأزهر يقع ميدان رابعة العدوية، بينما تجاور منصة احتفالات أكتوبر الشهيرة بوابتها الرئيسية، كلٌ من الميدان والمنصة شهد وقوع أعداد كبيرة من مناصري الرئيس السابق محمد مرسي، وهو ما يعتبره المنتمون لـ«طلاب ضد الانقلاب» دافعًا قويًا للحركة، يقول الأزهري: “كان لرابعة العدوية دور كبير في تحفيز الطلاب في المشاركة في الفاعليات، وذلك لقربها من الجامعة، كما كان لمجزرة المنصة أثرها على الطلاب عندما استُخدمت مبانى الجامعة في قتل المصريين العُزّل”.

داخل الشقة التي احتضنت الاجتماع يتأكد (م. س.)، أحد أعضاء الحركة، من اكتمال عدد الحضور، يسكت لبرهة لقراءة الفاتحة على أرواح الطلاب وكل شهداء الانقلاب العسكري قبل بدء الاجتماع. يستطلع الحاضرون خلال هذا الاجتماع آليات مواجهة تداعيات الأحداث الأخيرة لاقتحام جامعة الأزهر للمرة السابعة خلال العام الدراسي الحالي، الذي بدأت فيه الدراسة بشكل فعلي من شهر تقريبًا، وكذلك يدرسون محاولة إيجاد مأوى للطلاب الوافدين من محافظات مختلفة والمهددين بالاعتقال خاصة مع عد فتح المدن الجامعية”.

كان التشديد الأمني والحصار المفروض من قبل إدارة الجامعة على المدن الجامعية الخاصة بجامعة الأزهر دافعًا لعدم إقامة الأزهري بها وانتقاله لإحدى الشقق المستأجره، يقول: “على مدار العام الماضي كانت المدينة الجامعية نقطة انطلاق الكثير من فعاليات الطلاب صباحًا ومساءً، وكانت مصدرًا يهز أركان الانقلاب في جميع الأوقات، وهى إلى الآن مغلقة ولم تستقبل أحد لخوف الأجهزة من فاعلياتنا”.

لا تنعقد اجتماعات «طلاب ضد الانقلاب» بشكل دوري، حيث يجري تحديدها في ضوء الظروف التي تضمن سلامة كافة الأعضاء وبقائهم بعيدًا عن أعين الأجهزة الأمنية التي تلاحقهم بحملات اعتقال مستمرة ينتج عنها أحيانًا حالات إخفاء قسرى لبعض الطلاب. يقول (م. س.): “نترك أحد الأعضاء خارج الشقة لتأمين التحركات وإبلاغنا عند اشتباهه في أي تحرك لرصد الاجتماع، خصوصًا بعد اتجاه الجامعة إلى زرع جواسيس لها منذ العام الماضي، سواء في الجامعة أو في المدينة الجامعية، لتحصل على معلومات عن المتظاهرين”.

يصف الأزهري مشاهد من الحملات الأمنية المستمرة قائلًا: “بشكل عام، الملاحقات الأمنية للطلاب ومداهمة المنازل لم تتوقف لحظة، فمنذ بداية العام الدراسي وحتى الآن تمت مداهمة أكثر من 2500 منزل من منازل الطلاب وقيادات الحراك الطلابي، أما منزلى فقد تم مداهمته مرتين لكني لم أكن متواجدًا هناك”.

في وسط الاجتماع يدق جرس الشقة دون سابق إنذار، يسير (م. س.) عبر الغرفة على أطراف أصابعه ليتأكد من هوية القادم غير المُنتَظَر، ينظر عبر العين السحرية ويسأل: من أنت؟، ليأتيه الرد بأنه محصل الكهرباء، فيطمأن هو ورفاقه الذين اجتاحهم التوتر للحظات.

حين يسمعون الأذان يقطعون اجتماعهم لصلاة المغرب، يؤمهم أحدهم ويتمهل في الركعة الأخيرة، يتهدج صوته وهو يدعو إلى مقاتلة المنافقين ويترجي ربه لنيل الشهادة وأن يلهمهم الصبر والمقدرة على مواجهة الباطل وتحقيق النصر”.

بعد الصلاة تصلهم إشارة من زميلهم المتواجد خارج الشقة عن شكّه فى أن أحد الأفراد يراقب مقر اجتماعهم، وسط توترهم يعلنون إنهاء الاجتماع مضطرين، ثم يبدأون في مغادرة الشقة واحدًا تلو الآخر متسترين بالظلام الذي بدأ يسدل ستاره.

يرى ناجي ضرورة التزام طرفي المشكلة بالحل السياسي كمخرج للأزمة الدائرة، وأن تدرك إدارة الجامعة أن الحلول الأمنية وقرارت الفصل التي شملت أعدادًا كبيرة خلال العام الماضي لن تُجدي مع هذه التظاهرات.

الدكتور عبدالحي عزب، الذي تم تعيينه مطلع العام الجاري رئيسًا لجامعة الأزهر، قال في تصريحات صحفية: “هنخلع عين اللى يرفع دماغه ويسيء لمصر”، وقال أيضًا: “طلاب الإخوان خَوَنة.. وبسببهم هَقفل كل الكليات”. وربما يكون خطاب التهديد هذا والإجراءات الأمنية كاشفان عن أحد المشاهد غير المرئية في الجامعة، من تعمد تغييب الحل السياسي باعتباره مصدرًا للخطر في حد ذاته.

يعتبر الأزهري أن الحملات الأمنية المستمرة والحصار المفروض من جانب قوات الأمن دافعان للصمود  والاستمرار في تنظيم الفاعليات، يقول: “كل هذه الإجراءات لم توقفنا لحظة عن فضح هذا النظام والمطالبة بحقوق الطلاب، لدينا غاية وهدف رئيس وهو إسقاط الانقلاب العسكري.. ونُدرج تحت هذه الغاية مجموعة من الأهداف، كالإفراج عن الطلاب المعتقلين، وعودة جميع الطلاب المفصولين، وفك الحصار المفروض على الجامعة، ومحاسبة من قتل أو تسبب في قتل الطلاب داخل الحرم الجامعى وخارجه. أنا لم ولن أفكر في الخروج من مصر وسنستمر في سعينا في سبيل نهضتنا، وفي سبيل إسقاط هذا النظام الظالم الذى اغتصب السلطة وقتل المصريين. وفي سبيل حريتنا وحرية هذا البلد حتى إن كنا سنرويه بدمائنا، وليس فقط إن كنا سنُعتَقَل”.

بدوره، يؤكد ناجي أن حركة «طلاب ضد الانقلاب» أثبتت خلال الفترات الماضية قدرتها على مواجهة قوات الأمن من خلال الاستمرارية في تنظيم التظاهرات وإحداث ردود أفعال قوية على ممارسات قوات الأمن العنيفة، والتصدي لهذلك العنف بعنف مماثل، لكنه يشير إلى أن هذه المعركة الدائرة بين الجانبين ستستمر على المدى البعيد ولن يخرج منها أحد رابحًا.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن