Define your generation here. Generation What
التعليم الأساسي: عبء الطبقة الوسطى
 
 

منذ سنوات مضت، عملت ياسمين حامد جاهدة لتوفير المال من أجل زواجها، ولكن مع بلوغ ابنتها “جنة” سن دخول المدارس، أدركت حامد أن رحلة التوفير ستبدأ من جديد.

تزوجت حامد بعد قصة حب جمعتها بابن عمها استمرت سبعة أعوام، وقررت بعد زواجها الانقطاع عن العمل كسكرتيرة والتفرغ لمنزلها، ولكنها لم تستطع التمسك بهذا القرار لمدة طويلة. تقول مفسرة: “لقد اكتشفت أن أمامي رحلة “تحويش” أخرى بانتظاري أنا وزوجي، الآن لدينا طفلة تود الذهاب للمدرسة”.

مثل الكثيرين من أبناء جيلها، قررت حامد ألا ترسل ابنتها لمدرسة حكومية، بعد أن تدهورت جودة التعليم الرسمي المصري بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة. قالت منظمة اليونيسيف في تقريرها عن مصر إن الكثير من العوامل تؤثر سلبا على جودة التعليم المصري، أهمها عوامل اقتصادية، اجتماعية، جندرية، وجغرافية. كما جاءت مصر في الترتيب الأخير (148) في جودة التعليم الأساسي في تقرير التنافسية العالمي لعام 2014.

ولكن المدارس الخاصة الكبرى في مصر ربما ليست الخيار الأمثل لمن هم في مثل ظروف حامد، حيث تتخطى المصاريف السنوية لهذه المدارس الـ 25000 جنيه سنويا. تعاني حامد مثل الكثير من أبناء الطبقة المتوسطة في مصر اليوم، حيث لا تستطيع إيجاد مدرسة توفر لصغيرتها المستوى التعليمي الذي تتمناه بمقابل جيد ومعقول.

يكون البديل الوحيد المتاح أمام هؤلاء هو نوع معين من مدارس اللغات الخاصة التي يختلف مستوى مصاريفها المدرسية حسب السعة الاستيعابية للفصول، ونوع المناهج التي يتم تدرسيها. تتراوح المصاريف السنوية لهذه المدارس من ثلاثة آلاف جنيه في السنة وصولًا إلى عشرين ألف جنيه إذا كانت هذه المدارس تقدم مناهجا شبيهة بمناهج المدارس الدولية.

حاليًا، ارتضت حامد بالحاق “جنة” بمدرسة لغات خاصة، حيث القدرة الاستيعابية للفصل الواحد لا تتخطى الثلاثين طالبا، مقارنة بقدرة استيعابية لفصول المدارس الحكومية قد تصل إلى سبعين أو تسعين طالبا في الفصل الواحد. تتشابه المناهج اللتي تتلقاها “جنة” مع تلك المناهج في المدارس الحكومية، ولكن يتم تدريسها باللغة الإنجليزية.

تصل مصاريف مدرسة “جنة” السنوية إلى خمسة آلاف جنيه، وهو المبلغ الذي ستعمل حامد مع زوجها المحاسب على توفيره سنويًا بشق الأنفس. ما زالت حامد تنظر بعين التشكك للمستقبل، تقول: “لا أعرف كيف سيكون الأمر حينما تصل للمرحلة الإبتدائية، ولا يمكنني حتى التفكير في ما سأفعل حينما تبلغ المرحلة الثانوية”.

بدورها، تعيش نجوى مصطفى، صحفية، معاناة مشابهة لمعاناة حامد. فمرتبها الشهري من عملها في جريدة أسبوعية بالكاد يكفي، الأمر الذي دفعها للعمل في وكالة أنباء دولية، قبل أن تقرر العمل في وظيفة ثالثة لتوفير نفقات تعليم ابنها باسل. بدأ كفاح مصطفى وزوجها مهندس الصوت حينما بلغ باسل الخامسة من عمره: “إلحاقه بمدرسة حكومية لم يكن أصلا خيارًا يمكن أن نفكر فيه”.

في المقابل، فكرت مصطفى فى إلحاقه بمدرسة تجريبية لا تتعدى قيمة مصاريفها السنوية الثلاثمائة جنيه، لكن حتى ميزة التعليم الحكومي من خلال اللغات الأجنبية لم تميزه عن نظيره الحكومي بدون تعليم اللغات. تقول: “سمعت عن مدارس المستقبل، وهي مدارس شبيهة بالتجريبية ولكنها أكثر تنافسية. يتم دفع ثلاثة آلاف جنيه فقط في العام مع تدريس اللغات وطاقة استيعابية أقل للفصول، ولكنها تقبل الأطفال في مرحلة الحضانة من سن الست سنوات”.

تعتقد مصطفى أن هذه بداية متأخرة جدا لطفلها الصغير، الذي قد يضطر لآداء الخدمة العسكرية حينما يكبر، “لا أريده أن يضيع المزيد من سنوات عمره”. عملية البحث المرهقة انتهت بتسجيل باسل في مدرسة تقدم مناهجا قريبة من مناهج المدارس الدولية بأقل التكاليف الممكنة لمثل هذا النوع من المدارس. تقول مصطفى: “أضطررت لدفع 15000 ألف جنيه سنويا. كنت أعمل بوظيفة واحدة، الآن أعمل بثلاثة وظائف وزوجي بوظيفتين حتى يمكننا توفير نفقات تعليم باسل. ما زال أمامنا أخته الصغرى التي ستلتحق بالتعليم قريبا”.

أما سهير محمد، التي تعمل مديرة تعاقدات بشركة هندسية كبرى، فلديها ابنتان في المرحلة الإعدادية والثانوية، تضطر لدفع 25000 جنيه لكل منهما سنويا في مدرسة تُدَّرِس مناهجا قريبة من المناهج الدولية. ولكن حقيقة أنها تدفع أموالًا أكثر من مصطفى وحامد لا تجعلها أكثر رضا عن مستوى تعليم صغيرتيها.

تشرح ذلك قائلة: “لا أشعر أنهما تتلقيان تعليمًا محترمًا، أعتقد أن مفهوم التعليم في مصر في حد ذاته أصبح فاسدًا جدًا”. وبينما ترى محمد أن التعليم الذي تتلقاه ابنتاها ليس “التعليم المثالي”، إلا أنها تحاول جاهدة أن توفر لهما تعليمًا جيدًا في حدود إمكاناتها، تضيف: “هذا ما يمكنني توفيره بعد سنوات من العمل الجاد أنا وزوجي”.

لم يعد التعليم عبئًا فقط على هؤلاء الذين وصل أبناؤهم لسن دخول المدرسة، لكنه أيضا الشاغل الأكبر لهؤلاء الذين لم يصل ابناؤهم بعد لهذه المرحلة العمرية. مصطفى الجندي، الذي لم يبلغ ابنه الصغير يوسف العامين ونصف العام بعد، يفكر ليل نهار في أزمة تعليمه. يقول الجندي: “خططت أنا وزوجتي أننا لن ننجب أكثر من طفلين، اشتركت بالفعل في جمعيات مع زملائي لتوفير نفقات تعليم ابني منذ الآن. أوفر الكثير من راتبي الشهري لأجل هذا الغرض وهو ما يضعني في مشاكل مالية جمة في نهاية كل شهر”.

التعليم الجيد يعني لحامد بضعة امتيازات قليلة: “أريد لابنتي أن تجلس في فصل سعته القصوى ثلاثين طالبا، لا سبعين أو ثمانين. أريدها أن تتحدث الإنجليزية بطلاقة، أريدها أن تتعلم المهارات التي حاربتُ أنا لتعلمها بعد تخرجي لمدة طويلة”.

حامد والكثير من أبناء طبقتها الإجتماعية يرون أن خيار المدارس الخاصة يقلل من مشاكل التعليم الرسمي، الذي وصفته اليونيسيف بالنظام التعليمي “ذي الأساليب التعليمية التقليدية الجامدة التي لا تشجع المشاركة، والعقاب البدني الذي يطبق على الجميع”.

محمد التي تلقت تعليمها بمدرسة خاصة، ترى أن حتى جودة التعليم بالمدارس التي التحقت بها في الماضي تدهورت كثيرًا، تضيف: “لا أعرف ما الذي حدث، ولكنني أعتقد أن احتياجاتنا وأسلوب حياتنا قد تغيرا، كما أن متطلبات سوق العمل تغيرت كذلك”.

في المقابل، يرى الجندي أن المدارس الخاصة ذات المناهج الدولية هي الحل الوحيد، بعد خبرته الشخصية السيئة مع التعليم الحكومي، يحكي الجندي تجربته الخاصة قائلا: “تخرجت من كلية التجارة بجامعة عين شمس لأكتشف بعد تخرجي أنني درست مواد ليس لها تطبيق حقيقي في الواقع. على سبيل المثال درست مادة محاسبة حكومية، وهي معنية بدراسة كيف تجري الحكومة حساباتها. عند تخرجي عرفت أن الحكومة غيرت من أساليب عملها وأن هذه الطريقة القديمة قد عفا عليها الزمن”.

يضيف الجندي: “لا أريد لابني أن يتعلم موادًا ليس لها وجود، لا أريد له أن يدفع آلاف الجنيهات ليتعلم اللغة الإنجليزية بعد تخرجه مثلما فعلت”.

توقعات الآباء والأمهات في تعليم ابنائهم تختلف من عائلة لأخرى، لكن التكاليف الاقتصادية الباهظة المرتبطة بالتعليم في الطبقة المتوسطة المصرية تجعلهم يميلون إلى الواقعية في ترتيب أولويات التعليم بالنسبة لأبنائهم.

فريدة مقار، الباحثة في تاريخ التعليم ترى أن التعليم في مصر قد تحول إلى سلعة، وتحول من آداة هامة للإبداع واكتشاف الذات إلى الطريق الوحيد للحصول على فرصة عمل أفضل. أصبح التعليم، طبقا لمقار، مجرد وسيلة للوصول لمكانة أعلى، وهي مفارقة هامة جدًا خاصةً لأبناء الطبقة المتوسطة.

تقول مقار: “أصبحت العلاقة بين الطالب والمدرسة علاقة مادية بحتة، لم يعد التعليم حقا، أصبح عقدا”. وترى أن التعليم تحول لعقد تجاري عندما تخلت الدولة عن دورها في دعم التعليم. وتشير في هذا الصدد إلى إنفاق الدولة على التعليم الذي تراجع بشكل ملحوظ. تنفق الدولة اليوم قرابة الـ 94.5 مليار جنيه على التعليم سنويا، وهو ما يقارب 12% من جملة الإنفاق العام و4% من الناتج الإجمالي المحلي.

وتضيف مقار شارحة: “إنفاق حكومي أقل على التعليم مع الزيادة السكانية، يعني بالطبع تدهورًا في مستوى التعليم وجودته. الناس الآن في حاجة لتعلم لغات جيد، يريدون تعلم مهارات الحاسب الآلي والمهارات الناعمة مثل مهارات القيادة والإدارة والإتصال للحصول على فرص عمل أفضل. هذه الامتيازات غير موجودة أصلا بالتعليم الحكومي”.

حينما جاء التعليم الخاص لملء هذه الفراغ، أصبح فرصة للربح والاستثمار أكثر من كونه فرصة حقيقة لعلاج عيوب التعليم الحكومي.

أبية فتحي، مديرة مدارس “الحياة الدولية” استطاعت ملء الفراغ الذي تركه التعليم الحكومي في مصر، تحديدًا من حيث تقليل القدرة الاستيعابية للفصول وجودة المواد التي يتم تدريسها، ولكنها أيضا ترى أن التعليم الخاص أصبح سلعة تجارية هو الآخر، وإن كانت تلوم في هذا الصدد منظومة التعليم بشكل أكبر.

وتقول: “التعليم لم يعد وسيلة للإبداع، ولكن وسيلة لأن تحتل مرتبة أفضل اجتماعيا، يجب أن تكون طبيبًا أو مهندسًا لكي تعيش حياة أفضل. لو أن هذه هي الثقافة السائدة، بالطبع سيتحول التعليم إلى سلعة، سواء في التعليم الحكومي أو الخاص”.

اعلان
 
 
مي شمس الدين