Define your generation here. Generation What
جواهر السينما المصرية: زوجة رجل مهم
 
 

في أحد مشاهد فيلم “زوجة رجل مهم” يقدّم ضابط متحمس إفطاراً لزوجته الحامل في فراشها، ثم يميل على بطنها المنتفخ محادثاً ولده الذي يناديه باسم “حضرة الظابط أشرف”.. “حالاً وظفّته وسمّيته؟”، تسأله الزوجة، فيجيبها: “ضروري أطلّعه ظابط.. الظباط هما اللي بيحكموا العالم، إمبارح والنهاردة وبكرة”.

في أماكن أخرى، شهد العام ١٩٩١ سقوط سور برلين ونهاية عهد كان يمثّل حلماً وفكرة، ولكن وبالنسبة لمحمد خان ولمصر بأسرها فقد كان رحيل الزعيم جمال عبدالناصر في العام ١٩٧٠ هو نهاية المرحلة وفجر عهد جديد. وقد كان جديرًا بإبراز انتهاكات العهد الساداتي الوليد أن يعكس كل ما لم تكن عليه الحقبة الناصرية.

لقد أخرج محمد خان فيلم “زوجة رجل مهم” عام ١٩٨٧ وكتب السيناريو له رؤوف توفيق، وعالج فيه التأثيرات النفسية والمجتمعية للسلطة. ينجح الفيلم في التقاط لحظة اصطدام الفاشية الجشعة بالرومانسية المتفائلة، وذلك من خلال تتبع مسار علاقة غرامية.

هشام (أحمد زكي) ضابط أمن دولة تطغى ميوله الانتهازية والقمعية على أحداث الفيلم، أما منى (ميرفت أمين) فامرأة شابة حالمة نشأ جيلها بين أغاني عبدالحليم حافظ وحلم القومية الذي يرفض أن يموت. إن لخان باع طويل في توظيف المرأة في لعب دور المؤشر لميول المجتمع في أفلامه، إذ يستقي المُشاهد استيعابه لمجريات الأمور من خلال انفعالاتهن ورؤيتهن.

ولا يحيد فيلم “زوجة رجل مهم” عن ذلك الدرب، وهو الأمر الذي ينم عنه عنوان الفيلم نفسه. تعكس منى التحوّلات التي يشهدها زوجها، من ضابط صغير في إحدى القرى وصولًا إلى رتبة عقيد في جهاز مباحث أمن الدولة بمديرية أمن القاهرة. تكشف انفعالات وجهها عن تكشّف طبيعة زوجها الفاسدة أمام عينيها، وشخصيته النرجسية التي تقسّم العالم إلى “أنا” و”الآخر”، ونقتفي ذلك ابتداء من غرام المراهقة مرورًا بدهشة الاكتشاف والضجر من الرتابة وأخيرًا وصولًا إلى اليأس والانهيار.

يغري هشام منى في البدء بنفوذه وثقته بنفسه. ترغب منى في أن تعيش حكاية، أو بالأحرى أغنية عاطفية لعبدالحليم، والذي نشاهد معها مقاطعًا له وهو يغني في المشاهد الافتتاحية.

تقود هشام ميوله التطلّعية إلى بناء علاقة وطيدة مع مديره المباشر، على الرغم من احتقاره له. يشهد صوته ولغته الجسدية تحوّلًا ملحوظًا من الثقة الزائدة والحماسة مع منى، إلى التذلّل والحدّة وقتما يخاطب مديره.

لا تخفى الفروق الشاسعة ما بين شخصيتي منى وهشام، وإن كانت تصل إلى ذروتها مع حفل العام الجديد الذي يموج بالضباط ممن يفوقونه في الرتبة، وبكبار الساسة، وبالطعام والشراب الباريسي، في إشارة إلى العيشة الهنية التي نعم بها البعض من جرّاء سياسات السادات الانفتاحية. يجمع نقاش ودّي بين عدد من الساسة، تفوح منه رائحة النفاق والابتسامات الصفراء: احتقار للشيوعية وبناء ناصر للسد العالي وتهليل لمشروع الخصخصة واتهام للعمال بالتكاسل. يومئ هشام مؤّمناً على كل ما يقال، في الوقت الذي تنجرف فيه منى في دفاع محتدّ عن مشروع السد العالي الذي أنقذ مصر من الجفاف والفيضان. بعد الحفل يعنُفها بقوة لانسحابهما من أمام “صفوة المجتمع”.

تتمحور حبكة الفيلم حول حادثتين رئيسيتين يساندهما تركيز على التفاصيل البصرية: سواء من ناحية أداء البطل والبطلة المقنع، أو من ناحية الحياة في مدينة تشهد تحوّلاً.

الحادثة الأولى هي حمل منى. حينما تفقد جنينها يموت معه المستقبل الذي تخيلته هي وزوجها. لقد تحطّمت على هذه الصخرة تطلّعات هشام للمزيد من السلطة إلى جانب أية صورة في مخيلته لابنه ضابطاً على رأس هرم السلطة. وعلى الجانب الآخر تهشّمت جميع آمال منى الرومانسية.

يشير خان هنا إلى انتهاء حلم هذا الجيل والذي تطلّع للاستقلال وللتحرر على يد ناصر، الجيل الذي خرج إلى الشوارع يصرخ “هنحارب”  في العام ١٩٦٧ بينما تساقط نصف الجيش المصري في سيناء.

أما المحرّك الآخر للحبكة فهي أحداث مظاهرات يناير ١٩٧٧، حينما خرجت الملايين احتجاجًا على قرار السادات برفع الدعم عن السلع الأساسية. لقد نجح السادات وماكينته الإعلامية لاحقًا في وصم هذه الأحداث بإطلاق تسمية “انتفاضة الحرامية” عليها وتحميل الشيوعيين والعمال والطلبة والمثقفين مسؤولية استثارة الجماهير. هشام هو أحد الضباط المنوط بهم إجراء اعتقالات موّسعة في ساعات الفجر الأولى بتهمة محاولة قلب نظام الحكم.

لم يكتفي خان بتوظيف انتفاضة ١٩٧٧ في حبكته، بل نجح في التوثيق لواحدة من أكثر اللحظات دقة في التاريخ المصري الحديث، والتي يعدّها البعض محاولة قادت إلى ثورة ٢٥ يناير، وإن كانت أكثر وحشية ووعيًا بالصراع الطبقي. قام توفيق لهذا الغرض بتأليف جملة قصيرة تختزل آلاف الصفحات من كتب التاريخ:

“هم مش كانوا بيقولولنا الدنيا هتبقى حلوة والرخاء هيعم البلد؟”، يتساءل حارس العقار الذي يسكنه هشام، وقد جلس معدوم الحيلة أمام البناية. “ليه عملوا كده بس؟ والغلابة هيعيشوا إزاي؟”.

وقد أصاب، إذ قدمّت أجهزة الدولة الإعلامية والثقافة الجماهيرية في أعقاب “انتصار” ١٩٧٣ وعودًا وردية للجماهير برخاء زائف وانفتاح استهلاكي، وتزامن ذلك مع تزايد معدّلات التجارة الأجنبية وانهمار سلع الرفاهية علي السوق المصري تلبية لاحتياجات الطبقات العليا.

يدور أحد الحوارات الدرامية التي كتبها توفيق بين هشام وأحد صغار الضباط، والذي يحاول أن يقنعه بأن اعتقالات يناير ١٩٧٧ قد اشتملت على مخبرين يعملون لصالح الشرطة وعلى مقيمين بالخارج، أي أنها كانت في مجملها اعتقالات عشوائية وغير قانونية. ولم يخطئ في تقديره هذا في الحقيقة: فقد أبرأ القضاء الغالبية العظمى من المتهمين، إذ كان من المستحيل أن ينجح هؤلاء في تعبئة الجماهير والتخطيط لثورة شعبية في غضون فترة قصيرة كهذه.

حينما صدر هذا الحكم في العام ١٩٨١، احتاجت الدولة إلى أن تقدّم كبش فداء كي تغطّي على هذه الفضيحة. في الفيلم يتم التضحية بهشام ورئيسه. وحينما قُذف به خارج قلعة سلطته إذ عاد مواطنًا عاديًا يبدأ هشام في الانهيار. انخرط هشام في الخدمة في عهد ناصر ومارس انتهاكاته في عهد السادات وشهد نهايته في عهد مبارك.

لقد كان خان أحد أول من ألقوا الضوء على وحشية الشرطة ونرجسيتها وما تعانيه من عقد النقص والشك المرضي. إن السلطة القمعية لا تقتل ضحاياها فحسب، وإنما تلتهم نارها أيضًا من هم وراءها. إن فكرة كون ضابط الشرطة إنسان فوق الجميع يحمل واجب حماية البلاد من أعدائها في الداخل لهي فكرة في صميم كيفية استيعاب هشام لعالمنا، وأمثاله كُثرُ في عالم الواقع.

يلتقي هشام العاطل بصحافي على أحد المقاهي، كان قد سبق له اتهامه زورًا بالخيانة العظمى. “إحنا يا حضرة الصحفي في حالة حرب”، يخاطبه هشام، مستكملًا: “أنا شغلي إني أحمي البلد”.. “ومين اللي أقنعك إن التصرّفات دي هي اللي بتحمي البلد؟”، يعاجله الصحافي. ويضيف: “الحرب الحقيقية إحنا عارفين جذورها وأطرافها. إنما الحرب اللي بتتكلم عليها مش موجودة إلا في تفكيرك وتفكير اللي زيك. إنتو اخترعتوها علشان توقّعوا الناس في بعض وتلخبطوا الحاكم”.

ولكن قراءة هذا الفيلم باعتباره عملًا سياسيًا يهاجم وحشية جهاز الشرطة قد لا تكون قراءة دقيقة تماماً. إذ من الممكن أن يرى فيه المرء ساعتين من الرومانسية، أو على حد كلمات خان نفسه “زمن عبد الحليم حافظ”.

اعلان