Define your generation here. Generation What
تاريخ من التهجير القسري
 
 
صورة أرشيفية
 

​في 29 أكتوبر بدأ الجيش المصري هدم البيوت على الحدود المصرية مع غزة وتدميرها لخلق منطقة عازلة طولها 14 كيلومترًا وعمقها نصف كيلومتر. ولقد جاءت خطة المنطقة العازلة بعد الهجوم على إحدى النقاط الحدودية العسكرية في منطقة كرم القواديس، والذي أدى إلى مقتل 33 جنديًا، وتأتي الخطة ضمن جهود أوسع لاجتثاث الخلايا الجهادية في شمال سيناء.

وحسب تصريحات الحكومة والجيش المصري، فهذه المنطقة العازلة ضرورية لمحاربة الإرهاب في شمال سيناء، من خلال إخلاء الحدود، وإغلاق الأنفاق التي تمر منها الأغذية والأسلحة عبر الحدود، ومنع الإرهابيين من الاختباء بين المدنيين.

تم نقل السكان الذين يقدر عددهم بنحو 1,156 عائلة إلى مناطق قريبة، ومن لم يرحل بإرادته كان يرحل بقوة السلاح. وبما أن الثروات في هذه المنطقة تصب في العقارات، فإن فقدان المنازل يعد خسارة فادحة. وتفيد الأخبار أن العائلات سيتم تعويضها بمبلغ 300 جنيه شهريًا لمدة ثلاثة أشهر. ولم يتم الكشف عن موعد تسليم التعويض الكامل الذي وعدهم به الرئيس عبدالفتاح السيسي لاحقًا والذي قد يصل إلى مليار جنيه.

لا يوجد الكثير من الجدل حول تقييم هذه الخطوة وصحتها، حيث يدعم الإعلام الحملة المؤيدة للسياسة الرسمية بخطى ثابتة. وتؤكد تقارير الإعلام الرسمي على أن سكان شمال سيناء يقبلون بالتهجير في سبيل مصلحة البلد.

لكن هناك آراء أخرى تخشى ألا يتم تعويض السكان بشكل لائق، وأن يتحول هذا التهجير القسري إلى عقاب جماعي، وأن يؤدي ذلك إلى حالة تمرد تساهم فيها بشكل كبير المعاملة القاسية التي يلقاها المدنيين في سيناء منذ عقود.

ونظرًا لأن خطة التهجير ما زالت في مراحلها الأولى، فإن الحكم على النتائج الآن سابق لأوانه. لكن مصر ليست الحكومة الوحيدة التي قامت بتهجير جماعي للسيطرة على تمرد ما. وحتى إذا استبعدنا وقائع الاستيلاء على الأراضي والتطهير العرقي، سنجد التاريخ الحديث حافلًا بوقائع تهجير متكررة تستخدم كتكتيك لمواجهة التمرد؛ بدءًا من معسكرات الاعتقال التي احتجزت أسبانيا فيها المتمردين الكوبيين ووصولًا إلى برنامج المحتشدات الجماعية الذي نفذته فرنسا في الجزائر.

مالايا

من يبحث عن نموذج ناجح للتهجير القسري لمواجهة التمرد غالبًا ما يتوقف عند تجربة بريطانيا في إخماد انتفاضة عام 1948 المعروفة باسم “طوارئ مالايا”. ففي منتصف القرن العشرين كانت مالايا بمواردها من المطاط والقصدير أكثر المستعمرات التي تدر ربحًا على بريطانيا. لكن عقب الحرب العالمية الثانية أصبح اقتصاد المستعمرة مهددًا بسبب تزايد الاضطراب العمالي، إلى أن تصاعد الأمر في عام 1948 باغتيال ثلاثة من القائمين على المزارع الأوروبية على يد المتمردين الشيوعيين.

قام الحزب الشيوعي، الذي كان يتألف معظمه من الأقلية العرقية الصينية بالمستعمرة، بالتراجع إلى الريف حيث شكل جيش التحرير المالاوي القومي، مدشنًا حملة من حرب العصابات. وهناك وجد الحزب قاعدة من المؤيدين وأفراد بلا خبرة يمكن تجنيدهم بين الفلاحين الصينيين المعدمين والمحرومين من حقوقهم، والذين كانوا يعيشون على أطراف الأدغال.

ولمحاربة جيش التحرير المالاوي قاد جيش الكومنولث حملة عسكرية ضخمة، تخللتها أكثر من 4,500 ضربة جوية على مدار ما يزيد على خمس سنوات، بالإضافة إلى العمليات الشرطية والعسكرية البرية. وصاحب هذه الحملة برنامج إعادة استيطان تم من خلاله تهجير نحو 400,000 شخص قسرًا، وكان معظمهم من المزارعين من أصل صيني، وإرسالهم إلى “القرى الجديدة” المحصنة. ولقد صور البريطانيون هذه المستوطنات على أنها مواقع “آمنة ومحمية”، توفر لمن كانوا يعيشون سابقًا في منازل عشوائية مزايا الحكم الجيد “والتقدم والحياة الحديثة”، لكن حسب روايات الناجين من القرى الجديدة، فإنهم بعد حرق منازلهم انتقلوا إلى العيش في أماكن تفتقر إلى مقومات الحياة في ظل حظر تجوال وحصص محدودة من الغذاء.

ولقد ثبت نجاح هذا التكتيك من وجهة النظر العسكرية. فلم يتمكن المتمردون من الصمود أمام هجمات جيش الاستعمار بلا إمدادات وبلا مجندين. ومع حلول عام 1960 كانت “الطوارئ” قد انتهت.

لكن حتى المدافعين عن التجربة المالاوية يقرون أن الظروف في مالايا كانت مواتية لمواجهة التمرد عسكريًا بشكل نظامي. فقد كان الصراع يدور على شبه جزيرة تقطعها سلسلة من الجبال، ولذا كان من السهل على القوات الاستعمارية إجبار المتمردين على التراجع إلى أقصى الشمال. حصلت مالايا على استقلالها في شهر أغسطس من عام 1957، وبهذا لم تعد هناك حاجة قومية إلى التمرد وأصبح التأييد من المجموعات العرقية الأخرى محدودًا. كما كان هناك عنصر آخر في مالايا قد لعب دورًا حاسمًا: فقد كانت الغالبية العظمى من مؤيدي جيش التحرير المالاوي تنتمي إلى الأقلية العرقية الصينية في شبه الجزيرة. وهكذا تمكن البريطانيون من الفوز بالحرب عن طريق عزل هذه الأقلية وقمعها، حيث كان من السهل تمييزها من خلال السمات الجسدية عن الأغلبية المالاوية.

لكن من وجهة النظر الاجتماعية لا تبدو نتائج التكتيك البريطاني ناجحة على الإطلاق. فقد تسبب التهجير في موت المدنيين، وقلة الإنتاج الغذائي، وتدمير النسيج الاجتماعي، كما أدى الاضطهاد الناجم عنه إلى زيادة حالة السخط.

بدأت حالة الطوارئ المالاوية الثانية في عام 1967 وما زالت مستمرة حتى الآن، وتحافظ الدولة الماليزية الحديثة على الفصل في القوانين بين المواطنين من أصول صينية وهندية ومالاوية. وإن هذا الفصل القانوني العنصري الذي يكفل معاملة أفضل للمالاويين له جذور متأصلة في الفترة الاستعمارية. ومع ذلك فإن قمع المدنيين الصينيين خلال الصراع لم يسهم بأي شكل من الأشكال في تعزيز التضامن ما بين أفراد هذا المجتمع.

فيتنام

في حين يعتبر البعض “القرى الجديدة” في مالايا النموذج الأفضل لسياسات التهجير، نجد أن “القرى الاستراتيجية” التي أنشأتها الولايات المتحدة في فيتنام هي مثال للفشل. انطلاقًا من وحي التكتيك البريطاني في مالايا، حاولت الولايات المتحدة قطع الدعم الذي يتلقاه المتمردين بالجبهة الوطنية لتحرير جنوب فيتنام (فيت كونج)، وذلك من خلال تهجير نحو ثمانية ملايين من أهل قرى جنوب فيتنام في الفترة ما بين 1961 و1963.

يعد هذا البرنامج تجربة كارثية في نظر العالم أجمع تقريبًا. فعلى عكس المتمردين المالاويين، لم يكن يمكن تمييز أعضاء الجبهة الوطنية لتحرير جنوب فيتنام عن السكان المحليين، وكانوا يتخللون جميع المناطق عبر الحدود أو في اتجاه الجبال. كما افتقرت القرى الاستراتيجية إلى الحراسة وكان من السهل اقتحامها من قبل العصابات الثورية. وفي ظل الغضب الشعبي بسبب هدم قرى آبائهم ومقابر أجدادهم وتدمير حقولهم، وأمام الظروف البائسة التي كانوا يواجهونها في القرى الاستراتيجية، زاد عدد المجندين الذين انضموا إلى جبهة التحرير بشكل مفاجئ. ولقد تم نبذ هذا البرنامج بعد الانقلاب العسكري الذي حدث في عام 1963 والذي أدى إلى خلع الرئيس الموالي للولايات المتحدة نو دين ديم.

وفي حالتي فيتنام ومالايا كان الطرف العسكري النظامي في الصراع تابعًا لقوة استعمارية أو خارجية. لكن ماذا يحدث عندما تجد الحكومة نفسها في مواجهة تمرد داخلي بين مواطنيها كما هي الحال في مصر؟

بورما

تعد ولاية شان في الجنوب الشرقي بجبال بورما مثالًا على ذلك، وإن كان المتمردون بها جزءًا من أقلية كما كانت الحال في مالايا. في نهاية السبعينيات من القرن الماضي بدأ جيش بورما في تهجير أهل القرى قسريًا، لكن هذه السياسة لم تصل إلى ذروتها إلا في عام 1996 عندما أعلنت المجموعة الانفصالية المحلية المسلحة استسلامها. ورغم أن الوصول إلى إحصائيات دقيقة في بورما أمر شبه مستحيل، لكنّ النشطاء الحقوقيين يقدرون عدد الأشخاص الذين تم تهجيرهم في الفترة ما بين 1996 و1998 بنحو 300,000 شخص. ولقد أجبر أغلبهم على العمل في المدن المحصنة حيث تعرضوا إلى المزيد من الانتهاكات من بينها العمل القسري. وكان مسموحًا إطلاق النار دون قيد في المناطق الواقعة خارج مراكز الترحيل الجديدة.

ورغم هذا التساهل السياسي في استخدام القوة غير المقيدة فعليًا ضد المدنيين، ظلت الحكومة المركزية غير قادرة على إخماد الصراعات الانفصالية الصغيرة في المناطق الحدودية بالكامل. وما زالت النزاعات والتهجير الداخلي مستمرين حتى يومنا هذا. ورغم الوحشية التي يتسم بها جيش بورما إلا أنه ليس المحتكر الوحيد لاستخدام القوة في المناطق المحيطة.

وحتى وقت قريب لم يقم الجنرالات الذين يحكمون بورما بإبداء أي مظهر من مظاهر الديمقراطية أو احترام حقوق الإنسان ولو ادعاءً، وبهذا كان لديهم مطلق الحرية في قمع المنشقين.

الهند

الهند، مثلها مثل مصر، تحرص بشكل أكبر قليلًا على الرأي العام المحلي والدولي.

كانت الحكومة الهندية قد دشنت حملة ضخمة لتهجير قبائل        ناجا وميزو في المنطقة الجبلية بولاية آسام، في محاولة لقطع الدعم الذي تتلقاه العصابات الانفصالية المسلحة.

في عام 1956 قام أفراد من قبائل ناجا بإعلان الانفصال عن الدولة، وقامت مجموعة الدفاع عن ناجا المسلحة بالهجوم على نقاط الشرطة وسائر منشآت الدولة. قامت الحكومة على إثر ذلك بعملية عسكرية تضمنت فرقتين عسكريتين و34 فرقة شبه عسكرية، وعلاوة على ذلك أمرت بحرق القرى التي يشتبه في دعمها للمتمردين ونقل السكان إلى معسكرات يديرها الجيش، حيث تم احتجازهم حتى عام 1959. وتقدر الدراسات نسبة الأشخاص الذين تم تهجيرهم بنحو 35 في المئة من سكان نجالاند.

كما استخدمت الحكومة الهندية التهجير القسري أيضًا في ولاية ميزورام المجاورة، حيث تم تهجير 80 في المئة من السكان إلى “قرى تقدمية ومحمية” منذ عام 1967 وحتى توقيع اتفاقية السلام واستقلال الدولة في عامي 1985-1986. وينسب لهذا البرنامج شيء من النجاح في وقف العنف، لكن ذلك جاء على حساب تهجير الغالبية من السكان المدنيين. وفي وسط الهند توجه الاتهامات إلى جانبي الصراع المستمر بين متمردي الناكسال الماويين والمجموعات شبه العسكرية المدعومة من الدولة لمسؤوليتهم عن إجبار المدنيين على مغادرة قراهم.

لكن مشروع التهجير المصري هو مشروع متواضع بالمقارنة، فكل انتفاضة تعد حالة متفردة، ولذا فمن الصعب القيام بتوقعات دقيقة. ومع ذلك قد يكون هناك بعض التوجهات العامة التي يمكن رصدها.

قد ينجح تكتيك التهجير في عزل المتمردين وقطع سبل الإمدادات عنهم، لكنه يعود بأثر سلبي عكسي هائل أيضًا، حيث يلقي المدنيين في أحضان المجموعات التي تسعى الدولة إلى إضعافها. مثل هذه التكتيكات من شأنها أن تنجح إذا كانت الحكومة تحارب أقلية عرقية على أرضها، أو إذا كان هناك تفوق عسكري واضح وقدرة على توفير مستوى معيشة أفضل للمدنيين المهجرين.

في الحالات التي يؤدي فيها التهجير إلى نجاح عسكري، تكون النتائج المترتبة على المدى الطويل والتي تؤثر على تماسك البلد نتائج يختلط فيها السلبي والإيجابي على أفضل الفروض.

اعلان
 
 
إيزابل إيسترمن