Define your generation here. Generation What

مهرجان القاهرة والأخلاق الحميدة

عادة أحاول ألا أشاهد أي أفلام خلال المهرجانات السينمائية، وإن تسللت لمشاهدة بعضها أخفي هذا عن زملائي في المهنة: صانعي الأفلام. فالمهرجانات، خصوصًا العربية منها هي مكان محتقن بالآراء، يكفي أن تحب فيلمًا يكرهه صديقك أو ألا يعجبك فيلمًا تحبه زميلتك لتخوض مناقشة سخيفة تنتهي ببعض من الجفاء يستمر لشهور. لكني أحس أنه في هذه الدورة من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي، مدفوعًا ببرمجة المهرجان الاستثنائية وروحه الشبابية، يمكن أن آخذ هذه المخاطرة وأبوح برأيي قليلًا.

أولًا دعني أعطيك المقدمات عن رأيي: فبعد إحباطات سينمائية كثيرة، وأغلبها لمخرجي الجيل الجديد: المستقلين أو الشباب، حكم علي قدري بأن أكون محملًا بكم لا بأس به من التشكيك والتشاؤم. فنحن نتحمس لتجارب أصدقائنا ونطلق على البعض “الأب الروحي” لسينما ما، ونمدح أسلوب البعض الآخر بأنه فرنسي أو إيطالي أو أنه يشبه هذا الفيلم الدولي أو ذاك؛ في إشارة غير مقصودة ولكن جلية لافتقاد صانع العمل لأي خصوصية فنية. أصبحت كلما أسمع عن أن فيلمًا جديدًا ما عظيم ورائع وأن مخرجًا ما صنع لأول مرة فيلمًا من هذا النوع في مصر أو العالم العربي، أتحسس مسدسي. كم من الأفلام الفكاهية بدون قصد أطلق عليها “أول فيلم رعب مصري”، وكم من الأفلام محملة بنوستالجيا وهمية لوقت كانت مصر فيه “أجمل” لم يعشه لا المخرج ولا المؤلف ولا المشاهدون. بل كم من الأفلام تتحدث عن صانعيها أنفسهم وعلاقتهم المعقدة بأسرتهم، وتاريخهم الشخصي، وكأنه أصبح لزامًا على المخرج أن يتحدث عن نفسه لعمل فيلم صادق. أقول هذا وأنا شخصيا مذنب بالمساعدة في بعض هذا النمط وحب البعض الآخر، بل وإنتاج بعضها أيضًا.

بصراحة شديدة سئمت التكرار، وسئمت مشاهدة أفلام متوقعة أعرف سردها وأسلوبها الفني قبل مشاهدتها. لك أن تتخيل عزيزي القارئ، أنني أخاف أشد الخوف من أن يضبطني أحد الأصدقاء وأنا أتسلل خارج قاعة العرض بعد انتهاء فيلمه، فنحن كسينمائيين نعتبر “أننا أفلامنا”، وأن المشاهد التي وضعناها على الشاشة هي بلورة كاملة لروحنا السينمائية. في تلك اللحظات أتمنى أن تشبه تلك الروح السينمائية مثيلتها الرياضية. الروح الرياضية التي نعرفها جيدًا: تقبل النقد والتعديل بل وأيضًا التوجيه ليس فقط من اللاعبين الآخرين، بل من المنافسين والمعلقين والمدربين والجمهور. الروح السينمائية على الصعيد الآخر تنأى بنفسها عن هذا الهراء، فهي كاملة الأوصاف، تجلٍّ لعبقرية شخصية لا يمكن تعديلها ولا نقدها؛ لهذا لا تسمع شخصًا يقول لآخر “خللي روحك سينمائية يا أخي”، وطبعًا نتشابه في ذلك مع الروح الموسيقية والفنية والأدبية والسياسية. كيف استطاع الرياضيون الحفاظ على روحهم طوال هذه السنين؟! لا أعلم، ولكن هذا ليس موضوعنا.

كما ذكرت سابقًا، تتماهى أنفسنا مع أعمالنا ونعتقد أن انتقاد أيهما ينتقص من الآخر، فإذا شاهدت فيلمًا وأحسسته سطحيًا، يعتقد المخرج أن هذا هو حكم قيمة عليه هو كإنسان وبالتالي تقترب أصابعه من زناد أسلحته الدفاعية وتبدأ حملات رفض النقد: فخار بيكسر في فخار، حقد مهني، شلل وحسابات، وآخرها أن النقد ليس من حسن الأخلاق. فيذكر مخرج زميل، اشتهر بأخلاقه الحميدة، أحببت له فيلمًا فكاهيًا ولم أحب له فيلمان اجتماعيان هادفان، على صفحته الشخصية معلقًا على انتقاد البعض للأفلام المصرية في مهرجان القاهرة أنه لا يستطيع ـ باعتباره متورط في المهنة ـ النظر بعين موضوعية وبشكل فني كامل دون اعتبار ما يعرفه من صعوبة عمل الأفلام في بلدنا والمعاناة التي يتعرض لها المخرج-ة لسنوات حتى يخرج فيلمه-ا للنور، بالتالي لا يعتقد أنه من الصواب أن ننتقدهم بعد كل هذا المجهود. يجب، في رأيه، أن نكتفي بالنقد في السر بينما نمدح علنًا أفلامًا لا تعجبنا بالضرورة، لكي نستطيع أن نتكاتف جميعًا في هذه المهنة ولكي نُخرج هذه النوعية من الأفلام (الأفلام الفنية، الأفلام المستقلة، كيفما تسميها) للنور.

لا أعلم ما الذي كان سيحدث إذا إتبعت جماعة الواقعية الإيطالية، أو الموجة الفرنسية الجديدة، نفس الأخلاق الحميدة ونأت بنفسها عن النقد، وأخذ آلان رينيه يمدح فرانسوا تروفو، وتروفو يمدح رينيه. هل كان الفن والحرفة السينمائية سيصلا إلى ما وصلا إليه؟ أو هل كانت ستخرج أفلامهم للنور؟ ولكن حتى في أبسط الحدود، فهذا التعامل مع تلك السينما كطفل رضيع يجب ألا نقسوا عليه، هو في حد ذاته مهين لتلك الأفلام ومخرجيها، في وقت أصبح فيه المجتمع السينمائي الدولي مفتوحًا أمام الجميع. وفي السنوات الثلاث الماضية، مع كل التركيز الدولي على منطقتنا، أصبحت وبشكل تدريجي هناك فرص مشاهدة لأفلامنا أكثر بكثير، لكن الفارق كبير بين مشاهدة أو اختيار الفيلم في مهرجان دولي وحصوله على جائزة في نفس المهرجان، فالاختيار له العديد من الأسباب منها الظرف الدولي والاهتمام العام (أو حتى يفترض البعض أن هناك نفس منطق معاملة الطفل الذي يحبو بتشجيعه)، لكن الجائزة لا تعطى إلا لأفلام ذات قيمة سينمائية. كيف يمكن لأفلامنا أن تكون ذات خصوصية وجرأة فنية ونحن نحرمها من التطوير؟! بل و ندافع عنها منه؟ فهي ما زالت طفل يحبو لا يستطيع المشي!

إيليا سليمان له فيلم سئ جدًا اسمه “سايبر فلسطين”، أصبح هو نفسه يستخدمه في دروسه عن كيف يمكن للمخرج أن يصنع فيلمًا سيئًا من خلال مجموعة من الاختيارات الخاطئة، و لولا أنه أدرك هذا لما حصل فيلمه اللاحق على جائزة لجنة التحكيم لمهرجان كان. لا يرى، ذلك السينمائي المخضرم، أن انتقاد فيلمه بل والسخرية من سوء تنفيذه ينتقص منه. بالعكس، لولا هذا النقد لما استطاع سليمان الوصول لمكانته الدولية اليوم.

تلك الأخلاق الحميدة تشبه أيضا العديد من التكلفات الاجتماعية التي أصبحنا نعيش فيها. دعنا لا ننتقد بعضنا البعض، ولكن نخفي تنافسًا حقيقيًا يمنعنا من تقديم النصح أو الأسوأ، استقباله. دعنا ندعوا بعضنا البعض على ولائم لكي نتسامر لاحقًا عن فجاجة الضيف أو بخل وتكلف المضيف. وبهذا لا ننفصل  نحن، سينمائيو الجيل الجديد، عن نفس  المنطق الأبوي الذي حكم علينا بالتهميش. فما الفارق حقًا بين مخرج شاب يقول لنا ألا نضع الأفلام القليلة التي استطاع الجيل الجديد إنتاجها في نفس ميزان أفلام “الكبار” ووزارة تسحب دعمًا لعشرة أفلام شبابية لإنتاج فيلم واحد لمخرج تجاوز الخمسين؟ ينطلق الاثنان من نفس الافتراض: وهو أن أفلامنا رضيعة، ليست مشاريع حقيقية مثل أعمال من سبقونا.

تكاتف السينمائيين لا يكون بإخفاء النقد أو بالمديح العلني، بل بإظهاره ومناقشته وفتح حوار دائم حول أفلامنا لا يدور حول مواعيد التقديم على المنح أو العلاقات مع مندوبي المهرجانات. حوار نسمح فيه لأنفسنا بالهجوم والدفاع، ليس على الأشخاص والنوايا، لكن على الأعمال والمعالجة السينمائية. حوار نستطيع فيه فعلا التفرقة بين التصوير الجميل والمفتعل، بين الإيقاع المحكم والسريع، بين المونتاج المتأمل والممل، وبين الفيلم الشخصي والصادق. 

ولكي لا تعتقد أني أقصد أن العلاقة بين السينمائي والآخر هي مجرد جدال دائم، دعني أخبرك، صديقي، عن التكاتف السينمائي الحق. التكاتف الحقيقي هو ما فعله الزميل والصديق خالد عبدالله عند احتياجنا لمعدات شركته “زيرو للإنتاج” في تصوير فيلم من إنتاجنا، وتزامن ذلك مع تصوير فيلم من إنتاجهم، تواطأ مع الفيلمان لكي يرتب أيامهما ويساعد على ألا يعطل أحدهما الآخر. أو حينما قصدْتُ الزميلة والصديقة هالة لطفي لكي تشارك في إنتاج فيلم آخر بمعدات وطاقم عمل شركتها “حصالة”، شاركوا فورًا دون تفكير وصوّرنا لقرابة الأربعة أسابيع على مدار سنة ونصف دون أي طيف في الأفق لحصول الفيلم على تمويل. أو الصديقين والزميلين هيثم الخميسي وأمير رمسيس عندما أجّلا تصوير فيلمهما يومين لخروجنا نحن عن جدول تصويرنا ومعرفتهم بظروفنا الإنتاجية المحدودة واعتمادنا على نفس فريق العمل. هذا التكاتف وتلك المساندة لم أرهما في علاقة فريق رياضي بآخر حتى الآن، تخيل الذي سيحدث إذا أعار الإسماعيلي محمد حمص للزمالك أثناء مواجهة الأهلي مثلاً.

ساعدني العديد من أصدقائي وزملائي، وأتمنى أن أستطيع مساعدتهم وغيرهم. ولكن إذا لم تعجبهم أفلامي أو تعجبني أفلامهم أتمنى أن أجد عندهم وعندي الشجاعة لكي ننتقد ونهاجم بعضنا. أدعوك زميلي، لتتكاتف معنا في صنع الأفلام ومساعدتنا بها، وانتقدها بلا مؤاخذة بعد ذلك.

أعتذر لك، عزيزي القارئ، إذا توقعت أن أعلق على المهرجان أو الأفلام المصرية التي به، فأنا كما تعرف لم أشاهد أي فيلم، وإن شاهدت، فلن أبوح بذلك حتى نصل لليوم الذي أثق فيه بـ”الروح السينمائية” و سعة صدر زملائي.

اعلان