الأخلاق.. سلاح الدولة في مواجهة المثليين
 
 

شنت الحكومة حملة منظمة على مجتمع المثليين وذوي الميول الجنسية المختلفة، وذلك منذ ظهور الفيديو الذي عرف باسم “زواج المثليين” في 29 أغسطس.

أظهر الفيديو مجموعة من الرجال على ظهر “فلوكة”، وبدا أن اثنان منهما يتزوجان، حيث تبادلا القبلات وارتداء الخواتم. لكن صناع الفيديو زعموا أنها كانت مجرد مزحة، وأنهم تجمعوا للاحتفال بعيد ميلاد أحدهم. وقام أحد الرجال الذين ظهروا في الفيديو بالاتصال ببرنامج تليفزيوني ليوضح أن الخاتم كان هدية عيد الميلاد، وأن له حبيبة، وأن هذا الفيديو قد قلب حياته رأسًا على عقب.

يوم السبت 1 نوفمبر حكمت محكمة جنح عابدين على الرجال الثمانية الذين ظهروا في الفيديو بالحبس ثلاثة أعوام، بالإضافة إلى المراقبة ثلاثة أعوام أخرى بعد تنفيذهم الحكم. وتم الحكم عليهم بموجب قانون تجريم “الفجور”، والذي تصل أقصى عقوبة فيه إلى ثلاث سنوات. لكن كما وضح سكوت لونج، الناشط في مجال حقوق المثليين وصاحب مدونة Paper Bird، فمن الممكن أن يكونوا قد أدينوا بموجب قانون مكافحة الدعارة الذي يجرم حيازة مواد “تخدش الحياء العام”.

يقول لونج إن استخدام مثل هذه الاتهامات ضد المتهمين ذوي الميول الجنسية المختلفة أمر شائع، وقليلًا ما تتحقق العدالة كما هو الحال في العديد من القضايا الأخرى، وخاصة القضايا السياسية. ويزعم المعارضون أن الشرطة والقضاء يدعمان النزعة المحافظة التي يتبناها النظام الحاكم.

في هذه القضية تحديدًا يشير لونج إلى حقيقة أن مقطع الفيديو الذي انتشر بسرعة كبيرة لا يحوي أية مواد إباحية، وأنه لا يوجد دليل على مثلية الرجال فيه، حتى بعد إخضاعهم “للفحص الشرجي التعسفي والمنتهك لخصوصيتهم” من قبل مصلحة الطب الشرعي.

وكتب لونج قائلًا: “القضية كلها لا أساس لها. فالشرطة لم تلق القبض عليهم متلبسين، والفيديو لا يثبت أي شيء”.

وفي حواره مع «مدى مصر» قال لونج: “لقد كان قانون الفجور في الأصل قانونًا للدعارة. فهناك عقوبات لإدارة بيوت الفجور، وهي تتبع نهج قوانين بيوت الدعارة، وتطبق على المالك أو المستأجر الرسمي للبيت. وبهذا تتراكم التهم”، وأضاف أنه في إحدى القضايا تم الحكم على شخص بالسجن اثني عشر عامًا لأنه كان المستأجر الرئيسي للشقة.

غالبًا ما يخضع الرجال المثليون بعد القبض عليهم إلى “فحوص شرجية طبية” لتحديد إذا ما كانوا قد قاموا بممارسات جنسية أم لا. وما زالت هذه الفحوص تجرى حتى الآن، رغم انتقادات منظمات حقوق الإنسان التي تزعم أن نتائج هذه الفحوص ليست قاطعة.

ويضيف لونج قائلًا إن شهادات المثليين وذوي الميول الجنسية المختلفة الذين تعرضوا للحبس، تفيد بتعرضهم في كثير من الأحيان إلى التحرش الجنسي من الحراس والمسجونين.

وفي عهد الأنظمة السابقة كانت الحملات القمعية على مجتمع المثليين وذوي الميول الجنسية المختلفة تأتي في إطار صراع الدولة مع القوى الإسلامية حيث يتبارى كل منهما لإثبات أنه الطرف الأكثر محافظة. فهناك اعتقاد شائع أن النظام إذا أراد استبعاد الإسلاميين من السلطة عليه أن يظهر ميوله المحافظة لإرضاء غالبية الشعب.

ويتفق لونج مع هذا الرأي قائلًا إن الرئيس عبدالفتاح السيسي “ما زال يشعر أن عليه إرضاء قاعدة الإخوان المسلمين الجماهيرية. ونرى ذلك في قضية فيديو الزواج، حيث حولتها الحكومة إلى قضية أمن قومي عندما بدأ الإخوان في انتقاد الفيديو”.

في شهر أبريل الماضي تم الحكم على أربعة رجال بالحبس من ثلاثة إلى ثمانية أعوام بتهمة إشاعة الفجور، بعد إلقاء القبض عليهم في شقة وهم يرتدون ملابس نسائية.

يقول رامي يوسف، الناشط المصري في مجال حقوق المثليين، إن هذه الحملة التي شنت مؤخرًا هي حملة منظمة، وإن الحكومة بدأتها لزيادة شعبية النظام.

ويشير يوسف إلى أن “المنظمة العسكرية أرادت الحصول على تأييد وموافقة الشعب” بعد الثورة، وعقب عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي. ويضيف قائلًا إن الدفاع عن الأخلاق العامة هو أفضل طريقة لكي تكسب الحكومة هذا التأييد الشعبي.

كما يرى يوسف أن هذه الحملة قد تكون وسيلة تستخدمها الدولة لتشتيت الناس عن المشاكل السياسية والاقتصادية التي ما زالت مصر تعاني منها. ويقول: “جزء مني يميل إلى أن هذا بهدف إلهاء الناس عن الفساد الذي يحدث. فالرئيس السابق وأعوانه في طريقهم إلى الخروج من السجن، والأحوال في تدهور مستمر مع القطع المتكرر في الكهرباء”.

كانت هناك حملات مشابهة على مجتمع المثليين وذوي الميول الجنسية المختلفة في أعوام 2001 و2004 و2007. ولقد انتهت قضية “كوين بوت” الشهيرة في عام 2001 بالحكم على 23 شخصًا بالسجن، وهي واقعة محفورة في أذهان العديد من المنتمين لمجتمع المثليين وذوي الميول الجنسية المختلفة.

يقول يوسف: “هذه حملة موسمية تتكرر كل ثلاثة أو أربعة أعوام. عندما تقرر السلطات أننا بحاجة إلى المزيد من الأخلاق فتستهدف المثليين، باعتبارنا الهدف الأسهل”.

ويتم كذلك تشجيع المجتمع على المشاركة في هذا الأمر، وخصوصًا من خلال حملات التشويه الإعلامية. فتكون النتيجة، بحسب لونج، هي اقتحام منازل الأفراد، حيث يقوم الجيران بالإبلاغ عنهم وينتهي الكثير منهم في السجن.

كما يتم تعقبهم من خلال الإنترنت. وهناك تطبيق يدعى جرايندر (Grindr) يشيع استخدامه في مجتمع المثلية والميول الجنسية المختلفة للتعرف والمواعدة. وقد أطلق هذا التطبيق مؤخرًا تحذيرًا يحث المستخدمين على إخفاء هوياتهم، حيث قد تكون الحكومة المصرية تستخدمه من خلال عملاء سريين.

وجاء هذا التحذير عقب تقرير نشره موقع بزفيد (Buzzfeed)، جاء فيه أن مصر قد شددت المراقبة على مواقع فسيبوك وتويتر وسكايب، بالإضافة إلى أشكال أخرى من التواصل الاجتماعي. وأشار التقرير إلى أن التقنية المستخدمة مقدمة من شركة مصر للنظم الهندسية (SEE Egypt)، وهي شركة تابعة لشركة الأمن الإلكتروني الأمريكية بلو كوت (Blue Coat).

ورغم إنكار الحكومة يرى لونج أن هذه التقنية المقدمة من بلو كوت إما قيد الاستخدام بالفعل أو سيتم استخدامها في وقت قريب.

ويصرح يوسف قائلًا إنه يتوقع أن ينتهي الأمر به في السجن لعمله المعلن كناشط وحديثه إلى وسائل الإعلام مستخدمًا اسمه الحقيقي. ومع ذلك فقد اختار البقاء في مصر. يقول: “أريد أن أفعل ذلك حقًا، أريد أن أقدم شيئًا للمجتمع حقًا”. وعن مغادرته مصر يقول: “هذا سوف يجعلني منافقًا جدًا. فلديّ ما أقدمه هنا، وهو عمل متفرد للغاية”.

قام يوسف بنشر دليل على صفحته على موقع فسيبوك يحوي نصائح لأفراد مجتمع المثلية والتعددية الجنسية في حالة القبض عليهم. وهو يعمل حاليًا مع ثلاثة من أصدقائه على مشروع لتجميع آراء وروايات المثليين وذوي الميول الجنسية المختلفة في منشور يعتزمون نشره في نوفمبر. وهو يحلم باليوم الذي يوجد فيه ملاذًا آمنًا في مصر للمثليين وذوي الميول الجنسية المختلفة الذين يتم طردهم من منازلهم أو يشعرون بالخطر.
مثل هذا المكان غير موجود حاليًا، ورغم استخدام يوسف لمصطلح “المجتمع” لوصف المثليين ومختلفي الميول الجنسية، إلا أن هذا المصطلح يثير حنقه. فكلمة مجتمع توحي بوجود “أشخاص يدافعون عن قضية واحدة”، لكن في الحقيقة هي مجموعات أشمل في قضيتها، كما يقول. لكنه يقر أن معظم أفراد مجتمع المثلية والميول الجنسية المختلفة يساند بعضهم البعض في الأزمات، “إذا وقع أحدنا في مشكلة أو طرد من منزله سوف يجد دائمًا مكانًا يذهب إليه”.

ويتميز هذا النوع من النشاط الحقوقي بطابع شخصي أكثر من العمل العام المنظم، لكن يوسف يرى أنه لا يقل عنه أهمية. ويقول إن استعداد المثليين وذوي الميول الجنسية المختلفة للتعبير عن أنفسهم في المجال العام من خلال الملابس أو مساحيق التجميل هو في حد ذاته شكل من أشكال النشاط الحقوقي. ويضيف قائلًا إنه حتى إذا لم يخرجوا إلى المجال العام وقاموا بإخفاء هويتهم الجنسية عن عائلاتهم، فمجرد تعبيرهم عن أنفسهم هو أيضًا شكل من أشكال النشاط الحقوقي.

وهناك أنواع أخرى من النشاط في مجال حقوق مجتمع المثلية والميول الجندرية المختلفة يحدث في مصر. فهناك حملة “التضامن مع حقوق مختلفي الميول الجنسية” (Solidarity with Egypt LGBT) التي تتكون من أعضاء مصريين لكنهم لا يرغبون في الإفصاح عن هوياتهم، وقد قاموا مؤخرًا بتنسيق مظاهرة عالمية.

ونظرًا لدواعي أمنية كانت هذه المظاهرة على الإنترنت فقط، حيث عبر الناس عن تضامنهم من خلال وسم “solidaritywithEgyptLGBT” (تضامنًا مع حقوق مختلفي الميول الجنسية).

كما كانت هناك مظاهرات على مستوى العالم أمام السفارات المصرية دعمًا لحقوق مختلفي الميول الجنسية.

وفي حديثها إلى «مدى مصر» وضحت حملة التضامن مع حقوق مختلفي الميول الجنسية والجندرية أن الضغط الدولي يضمن بقاء الحكومة المصرية “تحت ضغط، حيث أن ممارساتها ضد مختلفي الميول الجنسية لم تعد على مستوى محلي يتم التعتيم عليه. وإن وجود معارضة سلمية تعبر عن نفسها يفرض على الحكومة تغيير سياساتها القمعية”.

اعلان
 
 
بِشا ماجد 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن