Define your generation here. Generation What
ما الذى تقوله لنا الانتخابات التونسية؟
 
 

منذ بداية عصر الثورات في السنوات الثلاث السابقة، بقيت “تونس” إجابة الكثير من الأسئلة، وظلّت المقارنة بين مصر وتونس حاضرة. يقول البعض “نجحت تونس فتحركت مصر. مصر أسقطت الإخوان بالدم وتونس بالصندوق”. يقول آخرون “الجيش حمى الديموقراطية هناك وانقلب عليها هنا”. الكثير من النقاط تشير بالدرجة الأولى لجهل كبير عما يحدث هناك، ونقيس عليه هنا.

محمد الصحبي الخلفاوي، الباحث في كلية الحقوق والعلوم السياسية في تونس، يجيب عن أسئلة «مدى مصر»، عن حقيقة ما يحدث في تونس، ودقة المقارنة مع مصر.

– تدور الكثير من المقارنات بين الشأنين المصري والتونسي، على سبيل المثال، فكرة “إسقاط حكم الإخوان”.. ما رأيك في دقة الأمر؟ وهل الجماعة أُسقِطَت في تونس أصلا؟

تحصلت حركة النهضة التي تمثل اﻹسلام السياسي في تونس على ما يقارب ثلث الأصوات في الانتخابات الأخيرة وعلى المرتبة الثانية، لتثبت بذلك أن لها انغراسًا شعبيًا يجب على من يريد منافستها أخذه بعين اﻹعتبار.

المسار الذي اتخذته مصر في إخراج اﻹسلاميين من الحكم كان مسارًا عنيفا أقصى الإخوان من المشهد السياسي في حين أن تونس اختارت نهجًا آخر، قد تكون النهضة فيه جزءًا من حكومة اتحاد وطني تتحصل فيها على وزارات مهمة، أو قد تكون فيه قائدة لمعارضة حكومة “نداء تونس”، لتترأس بذلك لجنة المالية في البرلمان (حسب نص الدستور)، وتلعب دورًا رقابيًا على هذه الحكومة.

 خلاصة القول، إذا اعتمدنا المقاييس الديمقراطية كإطار لفهم ما حدث للإسلاميين في تونس فإن حركة النهضة قد انتقلت من الحكم والأغلبية البرلمانية إلى المعارضة والأقلية. أما إذا اتخذنا ما حدث في مصر كقياس فإن الإسلاميين التونسيين قد عززوا موقعهم داخل المشهد السياسي، لا يمكن لأي شخص أن يتجاوزهم حاضرًا أو مستقبلًا دون اللجوء إلى حلول قيصيرية.

 – الثنائية التي فرضها الواقع المصري هي “الإسلاميون والدولة القديمة”، يبدو أن المشهد التونسي كذلك أيضا، بديل “النهضة” هو “نداء تونس” الذي يضم رموزًا من نظام بن علي.. هل هذه الثنائية قائمة بالفعل هناك؟ وهل يمكن لرموز محسوبة على النظام القديم العودة للمشهد السياسي تحت مظلة “علمانية حزب نداء تونس في مواجهة رجعية الإخوان”؟

ما حدث في تونس أن حركة “نداء تونس” لم تستقطب كبار رموز النظام السابق، بل استقطبت القيادات الوسطى والصغرى للتجمع الدستوري الديمقراطي، حزب بن علي، والماسكة بحلقات النفوذ التي لم تنحل إثر الثورة. إثر انتخابات عام 2011 برزت حاجة لتنظيم أو حزب يعدل المشهد السياسي ويدافع عن “ضد” فكرة أسلمة الدولة.

ما هو هذا الضد؟ تعددت اﻹجابات، وبرز الباجي قائد السبسي كموحد للدستوريين (المنتمين للنظام السابق) وبعض وجوه اليسار والديمقراطيين. نجح السبسي في طرح نفسه وحزبه “نداء تونس” كبديل وحيد للنهضة، مفاخرًا بأن في حزبه منتمين للتجمع المنحل.

هذا البديل قام على أساس الكفاءة ومعرفة دواليب الدولة في مقابل العجز الواضح للإسلاميين وحلفائهم عن تسييرها، مع خطاب مبطن عن “الأسلمة” والمثال البورقيبي لحل إشكال علاقة الدولة بالدين. في المحصلة تم “تطبيع” علاقة بعض المنتمين للنظام السابق بالساحة السياسية الجديدة ونجح بعضهم في الوصول إلى مجلس نواب الشعب. الثنائية القائمة إذن تختلف باختلاف زاوية النظر لها وهي تحتمل التقسيم لقديم وجديد للبعض، وإسلاميين وعلمانيين للبعض الآخر، وأصحاب الخبرة في تسيير الدولة ضد فاقديها. المشهد أعقد من كل هذه الطروحات والمجال لا يسمح بتحليل أعمق.

– المؤسسة العسكرية هي اللاعب الأقوى في مصر، عقب عزل مرسي تحدث قيادات من نهضة تونس عن ذلك، وقالوا إن بُعد المؤسسة العسكرية التونسية عن ألاعيب السياسة حفظ الديموقراطية في تونس.. ما رأيك؟

قد نختلف مع اﻹرث البورقيبي أو قد نتفق معه، ولكن الأكيد هو أن مؤسس الدولة التونسية الحديثة قد نجح في خلق عقيدة عسكرية تؤمن بالخضوع التام للسلطة المدنية وحماية مؤسسات الدولة واحتقار الفعل السياسي، ما جعل عسكر تونس بعيدين عن التدخل المباشر في طريقة تنظيم الحكم. حُكمت تونس منذ استقلالها من “مدنيين” (بن علي كان جنرالًا ولكنه حافظ على نفس سياسة بورقيبة في ما يخص العسكر بل وربما كان أكثر راديكالية في إبعاد الجيش عن أمور السياسة). أما مصر فقد حُكمت منذ يوليو 52 من قبل العسكر. إذا أخذنا فقط هذا المعطى التاريخي بعين اﻹعتبار فإنه يمكن اعتبار المؤسسة العسكرية التونسية شريكَا أساسيَا في عملية الانتقال الديموقراطي.

السؤال الذي لم يُطرح بعد والذي لا يمتلك أحد، باستثناء قادة الجيش التونسي، مقومات اﻹجابة عنه، هو: ماذا سيكون موقف عسكر تونس إن تمت محاولة الارتداد عن عملية البناء الديموقراطي؟

– “الدولة العميقة”، أو بكلمات أخرى، البيروقراطية الحكومية المرتبطة بالنظام القديم، هي لاعب أساسي في الوضع السياسي المصري، ماذا بالنسبة لتونس؟

يتحدث محمد عابد الجابري في كتابه “العقل السياسي العربي” عن ثلاثية العقيدة – القبيلة – الغنيمة. هذه الثلاثية هي التي حركت حركة النهضة في الحكم والتي جعلتها لا تأخذ بعين الاعتبار مسألة التعامل مع الجهاز الإداري للدولة. المتابع لأداء النهضة في الحكم يلاحظ التطور النوعي للإسلاميين فيه وانتقالهم من بلورة نظرية المؤامرة ضدهم بداية، وصولًا إلى فكرة تخليهم عن الحكم، نظرًا لعدم قدرتهم على تسيير شؤون الدولة. في كل هذا، وبشهادة عدد من قادة حركة النهضة ومن مسؤولي جهاز الدولة، سرًا وعلانية، لوحظ نوع من “العداوة” بين الإسلاميين وكوادر الدولة. عَمَق هذا الشعور لجوء النهضة لتعيينات لم تقم على الكفاءة وإنما على السابقية في النضال والمظلومية، عطلت التسيير العادي لدواليب الدولة. دون الخوض في التفاصيل، سوء تسيير من قبل النهضة قابله عداء “طبيعي” لتولي اﻹسلاميين الحكم من قبل اﻹدارة المنتمي أغلب عناصرها للمنظومة السابقة (قسرًا أو طواعية). والأمر كذلك، لعبت بيروقراطية الدولة دورًا أساسيًا في خسارة اﻹسلاميين للأغلبية. من جهة أولى بمقاومة سيطرة النهضة على اﻹدارة ومنع حكوماتها من العمل بطريقة عادية، أدت مع عوامل أخرى إلى فشل ذريع لهذه الحكومات، ومن جهة ثانية من خلال انخراط عديد من كوادر اﻹدارة في “نداء تونس” والعمل على الدعاية له.

– أين ذهبت الكتلة الخارجة عن هذا الاستقطاب، أحزاب اليسار مثلا؟ وكيف وصلت لهذا التراجع؟

اتحد اليسار الكلاسيكي (القومي و الماركسي) في الجبهة الشعبية التي تحصلت على 15 مقعدا في مجلس نواب الشعب. اعتبر العديدون هذه النتيجة محصلة جيدة أمام الموجة العارمة لحالة الاستقطاب الثنائي التي ميّزت الانتخابات. التحدي الأبرز الذي واجه الجبهة الشعبية هو الوصول موحدة للانتخابات، ونجحت في ذلك. التحدي الأصعب يبقى الحفاظ على وحدتها طيلة المدة النيابية الحالية خاصة مع تضارب الآراء داخلها حول جدوى الدخول في حكومة “نداء تونس”، الحزب الذى ترى فيه قاعدتها امتدادًا لنظام بن علي وتعبيره عن سياسات اقتصادية واجتماعية يمينية. أما الأحزاب الوسطية (بيسارها ويمينها)، فقد شهدت هزيمة كبرى أدت إلى انحسار تمثيلها البرلماني بما يقل عن 10 مقاعد مجتمعة. جزء منها دفع ثمن تحالفه مع حركة النهضة في الحكم، وتعرض لتصويت عقابي، والبعض الآخر تعرض لارتدادات التصويت المفيد لصالح “نداء تونس”، خاصة وأن هذه الأحزاب، رغم اختلافها السياسي مع حزب قائد السبسي، لم تنجح في التمايز عنه في المخيلة السياسية الشعبية.

ظاهرة أخرى ميزت الانتخابات هي صعود حزب الاتحاد الوطني الحر للمرتبة الثالثة. هذا الحزب يمثل تيارًا شعبويا يمينيًا بالمعنى الأوروبي للكلمة في عشرينات القرن الماضي. يترأس هذا الحزب رجل أعمال فاحش الثراء متنفذ في عالم الرياضة والإعلام. وتتفق جل الأطراف السياسية في تونس على اعتباره ظاهرة غير صحية قد تؤثر بالسلب على مستقبل العملية الديمقراطية. الأكيد أن الساحة السياسية لم تتشكل نهائيا، والاختلافات التي تشق “نداء تونس” والسن المتقدمة للباجي قائد السبسي (88 سنة)، ستؤدي بالضرورة إلى انشقاقات عدة داخل حزب الأغلبية، وهو ما سيجعل الساحة مفتوحة لأحزاب الوسط واليسار من أجل إعادة البناء واسترجاع بعض من تأثيرها المفقود فى مناسبة الانتخابات الماضية.

اﻹنتخابات البلدية التي ستجرى في أواخر 2015 أو بداية 2016 ستكون مناسبة جيدة لهذه الغاية.

– ما هو موقع الحراك الاقتصادي والاجتماعي مما يحدث؟

منذ تخلي حركة النهضة عن الحكم في يناير الماضي، تراجع نسق التحركات الاجتماعية بشكل ملحوظ. يعزي البعض هذا التراجع إلى التهدئة التي أقرها الاتحاد العام التونسي للشغل، والمركزية النقابية الأساسية في تونس، بالإضافة للحكومة الانتقالية الجديدة. الأكيد هو أن المسألة الاقتصادية والاجتماعية كانت حاضرة في انتخابات هذه السنة بشكل أكثر تأثيرا من انتخابات 2011. سوف تواجه الحكومات القادمة حتما تحدي تحسين الأوضاع الإجتماعية لسائر المواطنين في ظل وضع اقتصادي أقرب إلى الكارثية.

موقف اتحاد الشغل ومنظمة الأعراف سوف يكون محددا، والوضع سائر لا محالة إلى التفجر على المدى المتوسط إن لم يتم رسم سياسات جديدة تواجه هذا التحدي من أساسه.

– لماذا غاب الشباب، الموصوفون بأنهم روح الثورة التونسية، عن هذا المشهد؟

يعتبر بعض الملاحظين والفاعلين أن ثورة تونس لم تكن ثورة الشباب بقدر ما كانت ثورة “بعض الشباب”. لوحظ عزوف كبير من قبل هذه الفئة العمرية عن المشاركة في الحياة السياسية  وحتى عن الانتخاب. رئيس تونس القادم سيتجاوز عمره حتمًا السبعون عاما، وشباب تونس يعتبرون أنفسهم غير معنيين بهذه الإشكالية. السؤال المطروح اليوم، وهو سؤال يطرح بطريقة استباقية: هل سيكون للشباب دور فاعل في التحركات المطلبية في الفترة القادمة؟ شخصيًا أعتقد أن هذا الأمر صعب الحدوث في ظل التوازنات السياسية التي أفرزتها انتخابات 2014.

– واضح أن الشارع التونسي منقسم بين الإسلاميين ومنافسيهم، حتى لو ضموا في ما بينهم رموزا من حزب بن علي.. كيف سيؤثر ذلك على الوضع السياسي؟ وهل ستكون العلاقة بين الطرفين علاقة تعاون، أم علاقة منافسة تصل لحد محاولة شلّ الطرف الحاكم كما حدث في مصر مثلا؟

لكل نظام سياسي آليات متنوعة تتراوح بين المؤسسات الديموقراطية في الأنظمة الغربية وبين ميادين “لا سياسية” في بلدان عربية أخرى (كالمؤسسة العسكرية مثلا). تتعرض النخبة السياسية التونسية لانتقادات عدة، بعضها محق وصائب وعديدها مبالغ فيه، ولكن قدرتها على الحوار وبناء التفاهمات المأمولة يمثل آلية التعديل الأساسية في تونس. في تونس لم يفز أحد بأغلبية مطلقة. في تونس هنأ اﻹسلاميون من يرون فيهم عودة للنظام السابق بفوزهم بالانتخابات. واعترف أكبر المنهزمين في الانتخابات بخسارته. في تونس تغازل الأغلبية المنهزمين من أجل تكوين حكومة. ليس المشهد ورديًا ولا تنتمي تونس لمنظومة البلدان ااسكندنافية، ولكنها ظاهريًا على الطريق الصحيح نحو بناء نظام ديمقراطي تشاركي سليم. المخاطر عدة و مخاوف العديدين من إمكانية ارتداد “نداء تونس” عن ديموقراطيته المعلنة لها ما يبررها، ولكن الأكيد هو أن “توازن الضعف” الحالي سيشكل معطى أساسيًا في سعي الجميع نحو التهدئة ونحو كل ما ينجر عنها من تنازلات. للإجابة مباشرة عن سؤالك، أعتقد أن التضارب في المصالح بين مختلف التيارات السياسية يمكن أن يتحول إلى ذات التناقض بين مختلف التيارات السياسية في الديموقراطيات العريقة. بالتالي أعتقد ان التعاون هو ما سيصيغ الفترة القادمة. المعطى الغائب عن هذا التحليل هو التدخل الأجنبي في المسار التونسي. تلعب بعض القوى اﻹقليمية والدولية دورًا إيجابيًا نحو التهدئة بما يجعل من تونس مثالًا ناجحًا. وبعض القوى العربية الأخرى قد تدفع نحو نقض كل ما سبق قوله، بما يمكن أن يوافق أهواء بعض الفاعلين المحليين نحو بناء منظومة جديدة للفساد والاستبداد.

اعلان