ضحايا الحرم الجامعى.. بأى ذنبٍ ظُلموا؟
 
 

كانت رشا عبد السميع تنتظر ظهور نتيجة اختبارات نهاية العام بفارغ الصبر، سويعات قليلة كانت تفصلها عن خطواتها الأولى في مشوار حلمها الطويل. ساعات تنتظرها لتسمع خبر نجاحها وتعيينها معيدة في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة. ولكن الحلم الذي عملت لأجله الفتاة الآتية من أقصى الصعيد ذهب أدراج الرياح حينما اتصلت بها إحدى صديقاتها في التاسع من يوليو الماضي لتخبرها بنبأ فصلها النهائي من الكلية على خلفية تهم شغب وتظاهر وانتماء لجماعة محظورة.

“لماذا تم فصلي بهذا الشكل وأنا التي لم أشارك في مظاهرة واحدة في حياتي؟ حقا لا أعرف”، هكذا قالت الفتاة الأقصرية ذات الثلاثة وعشرين ربيعا في حوارها مع «مدى مصر» داخل أحد مقاهي وسط القاهرة.

كان العام الماضي بمثابة الكابوس للعديد من الطلاب الجامعيين، الذين دفعوا ثمنا باهظا لصراع سياسي دام بين حكومة مدعومة من الجيش وجماعة الإخوان المسلمين المخلوعة من الحكم، الصراع الذي امتد وبلغ أشده داخل الجامعات المصرية.

راح أكثر من 14 طالبا ضحية لهذا الصراع، بينما سجن مئات آخرين على خلفية الاشتباكات بين طلاب جماعة الإخوان وقوات الأمن، بينما نال بعض الطلاب الآخرين ـ مثل رشا ـ نصيبهم من الفصل النهائي والحرمان من التعليم.

تقول عبد السميع أنها لم تشارك يوما بأي مظاهرات داخل الجامعة، حتى تلك التي كانت تنادي بفتح المدن الجامعية التي تأخر استقبال الطلاب فيها، وتضيف: “أنا أسكن المدينة الجامعية، وتضررت كثيرا من عدم تسكين الطلاب في الوقت المحدد العام الماضي، ومع ذلك لم أشارك في الاعتصامات المعترضة على ذلك، فكيف يمكن أن يتم اتهامي بالشغب والتظاهر؟”.

لكن الهم الأكبر لعبد السميع لم يكن في حقيقة فصلها، ولكن في وقع الخبر على والدها، المزارع الذي لم ينل حظه الكافي من التعليم، تقول: “أبي يعي تماما قيمة التعليم، لهذا لم يهتم بما يمكن أن يقوله عنه المجتمع الصعيدي حينما يرسل ابنته الصغيرة للقاهرة للدراسة وحدها. دائما ما شجعني ودعمني، كيف أخبره أن حلمه ضاع؟”.

لكن رد الأب كان حاسما، “أبويا قاللي ماترجعيش البيت غير وانتي واخدة حقك”، تقول عبدالسميع.

وامتثالا لأمر والدها، ما زالت عبدالسميع مقيمة بالقاهرة منذ التاسع من يوليو حتى الآن، في انتظار قرار محكمة القضاء الإداري بعودتها للجامعة وإلغاء قرار جامعة القاهرة.

وقبل صدور قرار المحكمة، وبعد ضغط من أساتذة وزملاء عبدالسميع، تراجعت جامعة القاهرة عن قرارها بفصل الطالبة الأولى على دفعتها، مع حرمانها من الدراسات العليا ومنعها من دخول الحرم الجامعي.

لكن عبدالسميع ترى أن القرار غير كافٍ: “كان بإمكاني الاكتفاء بقرار الجامعة الأخير والبحث عن فرصة للدراسات العليا بالخارج، وما أسهل ذلك، لكنني لن أتخلى عن حقي الكامل في العودة للجامعة والالتحاق بالدراسات العليا بل ومحاسبة كل من أخطأ في حقي، ومعرفة سبب كل هذا التنكيل، إنها مسألة مبدأ”.

تقول عبدالسميع أن محامي جامعة القاهرة أخبر هيئة جامعة القاهرة في إحدى الجلسات بعدم وجود أدلة على تورطها في أي شغب أو حتى اشتراكها في المظاهرات، وتضيف: “المحامي قاللي بعدها القضية كسبانة كسبانة”.

منذ العام الماضي، تم فصل المئات من الطلاب على خلفية تهم عنف وتظاهر وشغب وإرهاب طبقا لمحمد ناجي، الباحث ببرنامج الحريات الأكاديمية بمؤسسة حرية الفكر والتعبير. أكد ناجي صعوبة حصر عدد محدد للطلاب المفصولين، نظرا لانتشارهم الواسع بمختلف الكليات على مستوى الجهورية، بينما لم تنشر السلطات أي حصر واضح لهؤلاء الطلاب.

يواجه أحمد نور الدين، الذي كان يوما ما طالبا بكلية الإعلام بجامعة الأزهر، موقفا أكثر صعوبة، فبعد القبض عليه العام الماضي أثناء حمله كاميرا لتصوير الإشتباكات داخل جامعته والحكم عليه حكما ابتدائيا بالسجن سنتين، تم فصله من الجامعة بدون تحقيق مسبق.

حاول نور الدين الالتحاق بجامعة خاصة، إلا أن محاولاته بائت بالفشل. جاء قرار المجلس الأعلى للجامعات بحرمان الطلاب المفصولين من الجامعات الحكومية من الالتحاق بجامعات خاصة ليقضي على آخر أمل لنور الدين بمستقبل أفضل.

يشرح نور الدين محنته قائلا: “في أسوأ الأحوال لن يتم قبول الطعن الذي قدمته ضد قرار الفصل، وهذا يعني أنه لو لم يتم سجني لمدة سنتين بتهمة ممارسة العنف والشغب، فإنني سأقضي على الأقل سنتين أو ثلاث بالخدمة العسكرية. سيكون المخرج الوحيد لي من هذا الجحيم بعد ثلاث سنوات على الأقل. الحل الآخر أن أفكر في هجرة غير شرعية”.

يقول ناجي أن القرار جاء “لمعاقبة الطلاب عن طريق تهديدهم بمستقبلهم. إن القرار يرسل رسالة إن أي نشاط سياسي للطالب داخل الجامعة يعني ضياع مستقبله”.

الطالب عبدالرحمن فؤاد، يحكي في تجربة أخرى عن ثمانية أشهر قضاها داخل السجن بدون تهمة، قبل أن يتم الإفراج عنه هو و40 من زملائه بعد ثبوت انتفاء صلته بأحداث العنف التي ألقى القبض عليه بسببها. في قضية عُرفت باسم “معتقلو جامعة القاهرة”، تم القبض على فؤاد والعديد من أصدقائه بشكل عشوائي، حيث اعتقل فؤاد نفسه من محطة مترو جامعة القاهرة خارج أسوار الجامعة.

يقول فؤاد البالغ من العمر واحد وعشرين عامًا إنه تعرض للتعذيب والضرب أثناء سجنه في سجن وادي النطرون، الذي قضى فيه معظم فترة حبسه، يضيف، وهو مطأطىء الرأس خلال حواره مع «مدى مصر»: “ما بقتش قادر أروح الجامعة. باترعب كل ما أشوف عساكر أمن مركزي أو مدرعة للداخلية، أنا حاسس إني مقهور”.

يتساءل فؤاد بعد أن أعلن اعتزاله النشاط السياسي والطلابي كلية: “كنت زمان لما أكون مش قادر أتكلم بحريتي برة الجامعة بروح أتكلم جواها، دلوقتي مش قادر. إزاي ممكن أروح الجامعة بعد كده؟”.

ويعترف فؤاد أنه فكر يوما في استخدام العنف ضد قوات الأمن انتقاما لما حدث له، إلا أنه دوما ما يتراجع بعدما يفكر فيما يمكن أن يلاقيه أهله: “مش عايز أهلي يشوفوا اللي شُفته، ومش عايز حتى أتخيل فكرة أنه يتقبض عليا تاني. أنا دلوقتي بتجنب أعمل أي حاجة تعرضني لخطر القبض عليا، لو اتقبض عليا تاني هنتحر”.

منى حامد، أخصائية الطب النفسي بمركز النديم لإعادة تأهيل ضحايا التعذيب، تقول أن صغار السن عادة ما يكونون أكثر هشاشة في مواجهة الأزمات النفسية الكبرى الناتجة عن التعذيب أو التجارب النفسية الصعبة. وتضيف: “الكبار عادة ما يكون لديهم خبرات سابقة ومتراكمة تمكنهم من التعايش مع الأزمات النفسية الكبرى، لكن الشباب الذين ما زالوا على غير علم بمستقبلهم من الممكن أن يعانوا بشكل أكبر من نتائج القمع والتعذيب”.

وتشرح حامد أن بعض من يعايشون مثل هذه التجارب يصابون في الغالب بمتلازمة كرب ما بعد الصدمة على المدى القصير، لكنهم قد يعانون على المدى الطويل من تغيرات سلوكية ونفسية مثل الانطواء، وقد يلجأون إلى العنف أو تعاطي المخدرات.

التحول للعنف المسلح قد يكون أيضا نتيجة للقمع، لكن هذا يعتمد بشكل أساسي على مدى صعوبة تجربة القمع ومدى تكرر حدوثها، تضيف: “وجود شبكة اجتماعية داعمة للشخص المتعرض للقمع شيء أساسي في تعامله مع التجارب الصعبة التي يواجهها، كلما كان الشخص محاطا بشبكة أصدقاء وعائلة قوية كلما شكل هذا حاميا أكبر ضد اللجوء للعنف”.

“لماذا أنا؟” كان السؤال الأوضح الذي جمع بين الطلاب الثلاثة على اختلاف تجاربهم.

يقول نور: “لم أكن أتظاهر. لو كنت تظاهرت لكنت على الأقل ادفع ثمن اختيار واعٍ مني بالمشاركة السياسية. ولكن السجن سنتين وحرماني من التعليم سيكون ثمنا باهظا للغاية لمجرد أنني أمسكت بالكاميرا”.

بالنسبة لعبدالسميع، فهي واثقة أن قرار فصلها ليس بالقرار السياسي: “تم فصلي لأني متفوقة، لا أحد يريدني لأنني متفوقة”.

وتقول حامد أن هذه العشوائية في الانتهاكات ربما تكون هدفًا في حد ذاته، لأن هؤلاء الذين يتعرضون لمثل هذه التجارب بدون سبب واضح يعانون أكثر من غيرهم: “المخ ينهار أكثر حينما لا يفهم “لماذا أنا؟ متى سأخرج من السجن؟” الانتظار صعب جدا. في بعض الأحيان يتعمد القامعون وضع المقموعين في هذه الحالة، لأنهم يعلمون أن علامات الاستفهام في كثير من الأحيان أصعب بكثير من الإجابات، حتى لو كانت تلك الإجابات سيئة”.

اعلان
 
 
مي شمس الدين 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن