Define your generation here. Generation What

فقدان “الوطن الصغير”

استمعت منذ سنتين لأحمد عبدالله صاحب السبعة وستين عامًا، وهو يحكي عن قصة تهجيره ضمن آلاف الأسر النوبية عام ١٩٦٣، لبناء السد العالي في أسوان. تم حينها تبرير فقدان الأهالي لمنازلهم بأنها تضحية للأمة، ثمن ضئيل تحتم على المجتمع النوبي دفعه من أجل المشروع الذي سيغير مستقبل مصر.

تستخدم الدولة نفس هذا المنطق الآن لتبرير التهجير القسري لأكثر من ألف عائلة برفح لخلق منطقة عازلة على الحدود مع غزة، وتصر أن هذه الخطوة ضرورية لحماية الأمن القومي. التجاهل التام هو الأسلوب المعتمد في التعامل مع التداعيات الاجتماعية الفادحة لهذه الخطة والتي قد تنعكس على الوضع الأمني أيضًا.

رغم مرور خمسين عامًأ، تمتلئ عين عبدالله بالدموع ويعكس وجهه ألمًا لم يغادره بعد وهو يتذكر اليوم الذي تم فيه اقتياده مع أسرته بعيدًا عن منزله، ورأى المنطقة التي شب فيها بينما يتم غمرها بالمياه.

لم يعتبر عبدالله المنطقة الصحراوية المعروفة بالنوبة الجديدة، والتي عاش فيها معظم عمره منذ التهجير، أبدًا موطنه.  يعيش هناك ـ مثله مثل كل من حضر التهجير ـ كالزائر، يجتر ذكريات حياته القديمة ويحتفظ بأمل مستحيل في العودة يومًا ما للعيش على ضفاف النيل.

تذكرت وجه عبدالله المشبع بالألم المتراكم عبر العقود عندما رأيت صور أهالي رفح وهم يرحلون عن منازلهم – بعد مهلة ٢٤ ساعة – حاملين كل ما يملكونه. بعد رحيلهم بساعات قليلة، سمع الأهالي دوي الانفجارات التي دمرت منازلهم من أجل المصلحة العليا للوطن.

خطة المنطقة العازلة تأتي في سياق حملة عسكرية أعلنتها القوات المسلحة منذ أكثر من عام ونصف بهدف القضاء على البؤر الإرهابية بشبه الجزيرة. اشتدت العمليات العسكرية بعد الحادث الإرهابي الذي قتل أكثر من ٣٠ جندي بالعريش الشهر الماضي. بعد الحادث مباشرة، أعلنت الحكومة نيتها خلق منطقة عازلة على مساحة ٥٠٠ متر من الحدود برفح، مما يستوجب التهجير القسري لأكثر من ١٠٠٠ عائلة.

سيكون مصير المنطقة المخلاة برفح مشابه لمصير النوبة القديمة، حيث سيتم غمر المنطقة وعمل خنادق مياه بعمق ٣٠ متر بدعوى منع تهريب السلاح والمسلحين بين غزة ورفح.

بدأت عمليات الهدم وتم تداول صور للشظايا المتناثرة من حطام المنازل تحت عنوان “سيناء تضحي من أجل مصر”، كما أعلنت «المصري اليوم» على صفحتها الأولى.

يتم دومًا تناول الثمن الذي يدفعه الأهالي نتيجة لتلك السياسات كتضحية ضئيلة يجب قبولها، أو التغاضي عنها تمامًا، في سبيل الهدف الأسمى. التغطية الإعلامية لعملية الإخلاء الأخيرة في رفح تجاهلت تمامًا البعد الإنساني وتناولت فقط المنظور الأمني الذي تروج له الحكومة.

ولكن أثناء متابعة العملية كان تفكيري مشغولًا فقط بأن هذه اللحظة هي التي سوف تتغير فيها علاقة آلاف الناس بهذا البلد الى الأبد. في هذه اللحظة، لم تعد مصر هي الوطن وأصبحت القوة التي سلبتهم موطنهم.

نتائج هذا التحول تتعدى الأفراد المعنيين، فهو ثمن باهظ يدفعه المجتمع كله وقد يؤثر على الأمن القومي أيضًا.

أيمن محسن، شاب في العشرينات من عمره نشر صورة له وهو يحمل مرتبة ويترك بيت عائلته لآخر مرة، وعلق قائلاً: “أشعر باليتم، ففقدان الوطن أشد ألمًا من الجحيم ذاته”.

في الأسبوع اللاحق للعمليات الحدودية، امتلأت الصفحات الأولى للجرائد بأخبار عن حرص الرئيس السيسي على سرعة تعويض المتضررين. أهالي النوبة ما زالوا ينتظرون التعويضات التي وعدهم بها الرئيس السابق جمال عبدالناصر منذ ٥٠ عامًا، بعضهم لم يتم تسكينه بعد.

سمعت تعبير “فقدان الوطن”، الذي وصف به أيمن عملية التهجير، من أهالي مدينة القصير بالبحر الأحمر الشهر الماضي، والذين يعترضون على خطة أخرى للدولة لها تداعيات شبيهة.

تدرس الحكومة حاليًا خطة لإعادة ترسيم حدود المحافظات اقترحها الرئيس السيسي في برنامجه الانتخابي. بحسب الترسيم الجديد، سيتم توزيع غالبية مساحة محافظة البحر الأحمر على سبع محافظات متجاورة في الصعيد المصري لتصبح محافظة البحر الأحمر مقتصرة على المنطقة المحيطة بمدينة الغردقة.

على الرغم من تعبير الأهالي عن مخاوف عملية من تأثير الترسيم الجديد، إلا أن قضيتهم الأساسية كانت متعلقة بالهوية والانتماء.

سيطر إحساس مبالغ فيه بالانتماء المحلي على الأجواء في القصير، يبدو وكأنه طغى على الانتماء الأوسع لمصر. قال لي أحد السكان أن انتماؤه منقسم ما بين الانتماء للوطن الكبير و”للوطن الصغير” وهو مدينة القصير. أعلن آخرون أن انتماؤهم كله منصب في مدينتهم، وأنهم سيتنصلون من انتمائهم لمصر كليًا إذا تم تنفيذ الخطة.

كثيراً ما يستخدم المناصرون للنظام الحالي تشبيه المنزل في تبريرهم لسياسات الحكومة التي تواجه اتهامات بالتعدي على الحريات وحقوق الإنسان. يُشَبِّه هؤلاء المخاطر الخارجية المتصورة بمحاولات لحرق المنزل، ويسألون المشككين: “إذا وجدتم من يحاول حرق منزلكم أما كنتم لتضعوا كل الاعتبارات جانبًا وتتفرغوا للدفاع عنه؟”.

الغريب أنه عندما تعرض مواطنون لتفجير منازلهم فعليًا من قبل الحكومة لم يتوقف هؤلاء لحظة للتفكير فيما قد يفعله ذلك بالإنسان وبعلاقته بوطنه.

إذا كانت الخسارة الشخصية أكثر تفاهة من الالتفات لها في ظل المصلحة العليا للوطن، ماذا عن الثمن الذي سيتكبده الوطن بسبب خسارة مجموعات أكثر لانتمائها له؟

أغلب المصريين، وخصوصًا أهالي المناطق النائية التي تطبق فيها هذه السياسات، يعانون من قلة الخدمات، والبطالة، وغالبًا مضايقات الحكومة. بالنسبة لمعظم المواطنين ليس هناك الكثير من دواعي الامتنان للبلد، من الناحية المادية.

يعيش أهالي رفح منذ عام ونصف في ظل حظر تجوال خانق يبدأ في الرابعة عصرًا. كما يعانون من عواقب العمليات العسكرية المحيطة بهم والتي تتسبب، على حد ذكرهم، في مقتل الكثير من المدنيين.

ولذلك يمكن القول أن كل ما يُبقي على ارتباط الناس بهذا البلد وحرصهم على مصالحه هو هذه الصلة بالأرض وإحساس الانتماء الذي يتعدى أي مصالح أو منافع.

فما الذي يحدث عندما تحرمهم من ذلك أيضًا؟

اعلان
 
 
هبة عفيفي