Define your generation here. Generation What

لا.. لسنا “كُلنا فاسدون”

ما لبثت أخبار حادثة أتوبيس البحيرة ، التى راح ضحيتها ١٨ شخص أغلبهم من الأطفال، أن تنتشر إلا وانتشر على مواقع التواصل الإجتماعي مشهد شهير لأحمد زكي من فيلم (ضد الحكومة) يترافع فيه ضد الحكومة في حادثة مشابهة لحادثة البحيرة ويقول ” كُلنا فاسدون”. يقتنع الكثيرون ممن نشروا هذا المقطع بإننا جميعًا مذنبون بحيث تقع مسؤولية مثل هذه الحوادث البشعة علينا جميعا بحكم انتشار الفساد والكذب والاستهترار بأرواح الناس بين أفراد المجتمع كله، وأن انتشار مثل هذه الخصائص في المجتمع هو ما يؤدي إلى كوارث مثل حادثة البحيرة.

فكرة “كُلنا فاسدون” مرتبطة بمعتقد سائد في المجتمع المصري بأن أزمة مصر هي أزمة أخلاق، وهى فكرة ترسخت في الوعي المصري وتجسدت في أعمال فنية مثل مسلسل (أبو العلا البشري) الذي يجسد البطل المثالي الذي يحارب من أجل الأخلاق الحميدة والتي هي حل لمشاكل المجتمع كلها. غير أن حصر حلول مشاكل مصر في إطار أزمة أخلاق فقط بعيدًا عن أهمية الوصول إلى نظام حكم ديموقراطي ودولة عدل وقانون تحترم الحريات الشخصية، ينتهي بنا عند نموذج الإخوان المسلمين الذين يرون أنفسهم الأسمى أخلاقًا ويرون في السلطة الفرصة لتقويم المجتمع وفرض الأخلاق الحميدة، أو ينتهي بنا أيضًا عند دولة تتخلى عن مسؤوليتها وتلقي اللوم كله على المجتمع والأفراد.

لذلك فأنا أختلف تمامًا مع مثل تلك التصورات، فالكذب والطمع والفساد.. إلخ، هي من خصائص البشر والتجمعات البشرية وموجودة في جميع دول العالم، ولكن المختلف بيننا وبين العالم المتقدم هو وجود قانون وقواعد وضوابط تحكم هذه الاختلالات البشرية. تلك المجتمعات البشرية المتقدمة لم تولد متحضرة منذ بدء التاريخ لكن مع ازدهار وتقدم هذه المجتمعات وثبات تطبيق القانون على الجميع دون استثناء قلت هذه الظواهر السلبية تدريجيًا وأصبح الحرص على لفظها خارج المجتمع جزء من ثقافة هذه الشعوب ولكنها حتمًا اختلالات لا تختفي تمامًا.

إذاً فإنتشار مثل هذه الاختلالات له ارتباط وثيق بالفقر وغياب التعليم وغياب العدل وتطبيق القانون. أي أن هناك ارتباط وثيق بين حل مشاكل الدولة وإحداث تقدم اقتصادي واجتماعي وسط مناخ من العدل والحرية والشفافية وبين انتشار ثقافة المحاسبة والالتزام بالقانون. ولتحقيق ذلك في مصر، الموضوع فعلًا يحتاج لتضافر كل فرد في المجتمع نظرًا لصعوبته البالغة، لكن بالنظر لطريقة حكم مصر تجد أنه خلال فترة حكم أنظمة مبارك أو مرسي أو النظام الذي يتشكل حاليًا، هناك سلطة تحاول بشكل دائم الاستئثار بالحكم وغلق المجال العام. فعليه، تتحمل هذه النُظُم وحدها مسئولية أي كوارث تقع، ليس فقط بحكم إنها السلطة لكن بحكم أيضًا استئثارها بالسلطة، فلو كانت هذه الأنظمة مهتمة بفتح المجال العام وتحفيز قوى المجتمع كله (ممثلة في الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والنقابات) للمشاركة في الحكم والمساهمة في إيجاد حلول لمشاكل مصر من خلال السياسة والحوار، وقتها فقط أستطيع تقبل فكرة أن كُلنا مسؤولون بحكم واقع مختلف لبلد منفتح يشارك الجميع في بنائه وحل مشاكله.

ولكننا اليوم أمام رئيس يقول إنه يدرك حلول مشاكل مصر كمن يرى ظهر كفيه، رئيس لا يثق بأحد إلا الجيش ولا يثق بالمدنيين ويرى السياسة رفاهية، فعليه إذاً أن يتحمل المسئولية كاملة وحده.

اعلان