Define your generation here. Generation What
إعادة صوغ الهوية: البروباجندا المؤداة ١٩٥٨-١٩٦٥
 
 

ثمة حالة من السأم تعتري مصريي اليوم، ممن يستظلّون تحت نير حكم عسكري متواطئ فاسد. ويستبين من العرض لما في وسائط التواصل الاجتماعي ومنصات النشر الإلكتروني مؤخرًا عن تعرّض مساعي “البروباجندا/ الدعاية” فورًا لأحكام قاسية، إذ تستثير مشاعرًا تتراوح ما بين الرثاء والغثيان، ناهيك عن ردود أفعال حادة منها العاطفي ومنها الفكري. بل ولقد وصل الأمر بالبعض1 إلى أن يرفض كلية أن يطلق صفة “الدعائية” على حملات تستهدف الرأي العام على هذه الدرجة من الإهمال وعدم المفعولية.

أحد أمثلة هذه المساعي ومن أكثرها انتشارًا على كافة وسائط التواصل الاجتماعي هي أنشودة “تسلم الأيادي” الجماعية، والتي صدرت في العام ٢٠١٣ في الذكرى السنوية لحرب ١٩٧٣ التي انتصر فيها الجيش المصري على نظيره الإسرائيلي انتصارًا حاسمًا مبكرًا، وذلك بعد الهزيمة التي سبقتها في العام ١٩٦٧. الأنشودة مهداة إلى القوات المسلحة المصرية وقائدها الأعلى الفريق أول عبدالفتاح السيسي (مواليد ١٩٥٤)، الزعيم الفعلي للبلاد إبانها.

لقد كتب مصطفى كامل كلمات الأنشودة ولحّنها أيضًا، وهو الذي يشغل حالياً منصب نقيب المهن الموسيقية، وقد اتهم بسرقة كلًا من كلمات الأنشودة ولحنها من أعمال سابقة لمؤلفين وموسيقيين آخرين. يظهر في تصوير الأنشودة كل من المطربين المشاركين في غنائها أثناء التسجيل في الاستوديو، ويتخلل ذلك الظهور مقاطع مولفة لعمليات عسكرية معاصرة، يظهر في بعض منها الفريق أول السيسي. تنوعت باقة المطربين ـ وقد بلغ عددهم أحد عشر مطربًا ومطربة ـ فضمّت أسماءً معروفة من حقبة التسعينيات وصولًا إلى نجوم الساحة الغنائية اليوم شأن بوسي وسوما، إلى جانب ظهور نادر لسمير الإسكندراني (مواليد ١٩٣٨)، وهو مطرب قادم من عالم الجاسوسية. لقد اتّهم شريط الفيديو المذكور بالإسهاب وبسرقة الأغنية الأصلية، كما ترك انطباعًا برداءة إنتاجه وافتقاده لأبسط مقوّمات “عروض الأداء الدعائية”، وذلك علي الرغم من انتشاره انتشار النار في الهشيم بين جموع المصريين (لقد وصل عدد المشاهدات على موقع يوتيوب إلى ٣٩٦٤٤٢٣ مشاهدة وقت كتابة هذا المقال).

جدير بالتقصّي التاريخي لاستخدام المصطلح “بروباجندا” نفسه أن يلقي بصيصًا من الضوء على أسباب عدم استحقاق النظام الحالي ومهرجي بلاطه لذلك الوصف، كما يفسّر استرجاع الكثيرين للسنوات الأولى من نظام الحكم العسكري الذي أعقب العام ١٩٥٢ باعتباره العصر الذهبي للحملات الدعائية في مصر والعالم العربي.

يعود الاستخدام الأصلي للمصطلح إلى الدلالة على ما يستوجب الانتشار والتكاثر2 بالمعنى البيولوجي، ثم اكتسب لاحقًا صبغة أكثر “شمولية” حينما استخدمت الكنيسة الكاثوليكية تعبير “الدعوة للإيمان”، من حيث كون الإيمان شأنًا ذا قيمة و”من طبيعي” تعميمه وإقناع غير المؤمنين باعتناقه. ولم يكتسب المصطلح صبغته السياسية إلا في أمريكا الوليدة، حينما وصفت المجتمعات السرية (ومنها للطرافة جماعة المتنورين) ومناهجهم بكونها “دعائية”.

وبحلول الحرب العالمية الأولى صار المعنى المتّفق عليه للمصطلح هو الحملات المنظمة والموسّعة للـ”دعوة” لفكرة ما والتأثير على الرأي العام. ويرجع الفضل لأنماط الترويج والحملات السياسية المبكرة في أمريكا ـ والتي حظت لاحقًا باهتمام النازيين ونظامهم ـ في النهوض بالمصطلح إلى مرتبة “العلم” ـ وليس مجرد إطلاق حملات التأثير في الرأي العام ـ ومن ثم تحول إلى منهج لـ”صوغ” الرأي العام، لا يربو إلى الإقناع وإنما إلى “التلقين”، الأمر الذي يعود بالمصطلح إلى “أصله” الكاثوليكي.

لقد وصلت هذه الفكرة ومنهجياتها إلى مصر منذ العام ١٩٥٢، وهو العام الذي صعد فيه نجم الحكم العسكري الممتد والذي أحكم قبضته على الدولة ومؤسساتها. ولهذا الغرض فقد قرر النظام العسكري الوليد أن يبدأ في تشكيل هيكلًا جديدًا بغية “إرشاد” الشعب، فقام بتشكيل وزارة الإرشاد القومي (وهو اسم ينوء بما يكفي من الدلالات المقلقة والتي توحي بالتلاعب بالجماهير)، وقد تغير اسمها لاحقاً إلى وزارة الثقافة والإرشاد القومي (١٩٥٨-١٩٦٥)، ورأسها لمدة عقدين أو ما ينيف أحد أفراد القوات المسلحة. كان ثروت عكاشة (١٩٢١-٢٠١٢) أول من تقلد هذه الوزارة، وقد كان ضابطًا سبق له الخدمة ملحقًا عسكريًا في عدد من بلدان أوروبا قبل أن يجري تحوّلًا مهنيًا حينما قرر دراسة الآداب في جامعة السوربون. اشتهر عكاشة بمؤلفاته حول فنون أوروبا التي لا يزال اسمه مرتبطًا بها إلى اليوم، ولا يذكر الكثيرون عهده الوزاري والذي أرسى فيه دعائم كافة مخططات الدولة الإعلامية وبرامجها.

ولكن لماذا تستحق وزارة الإرشاد القومي صفة “الدعائية” أكثر من خليفتها المثيرة للشفقة؟ ما الذي خرج من رحم تلك الوزارة من مرجعيات تستحضر فينا اليوم مشاعر” الرثاء” و”الغثيان” إذا ما قارنّا بينها وبين ما نشهده اليوم من “حملات”؟

ربما ترجع أهمية تلك المؤسسة وما حققته إلى أن أول بث تلفزيوني قومي كان في عهد عكاشة ووزارته الجديدة. كان ذلك في ٢١ يوليو/ تموز من العام ١٩٦٠، وقد توج البث نسخة مصوّرة من نشيد “الوطن الأكبر”. لحّن محمد عبدالوهاب (١٩٠٢-١٩٩١) هذا النشيد الأشهر ووضع كلماته الشاعر الغنائي البارز أحمد شفيق كامل (١٩٢٩-٢٠٠٨). قام بالغناء في هذا الأوبريت باقة من أبرز نجوم الساحة إبانها: عبدالحليم حافظ (١٩٢٩-١٩٧٧) وصباح (١٩٢٧- ) ونجاة (١٩٣٨- ) وشادية (١٩٣٤- ) وفايدة كامل (١٩٣٢-٢٠١١) ووردة (١٩٣٩-٢٠١٢) ويعتبره الكثيرون نشيداً للقومية العربية التي نادى بها الرئيس جمال عبدالناصر (١٩١٨-١٩٧٠)3.

يعرض هذا النشيد لعدد من العناصر المميزة للعروض الدعائية، وذلك من ناحية الحجم واللحن والكلمات بل وحتى التصميم الحركي. ويشهد المرء في نسخته البصرية كيف توظّف الدولة مواردها بغية نقل تجربة بعينها، وهي تجربة البلدان العربية الجديدة والمحررة من نير الاستعمار والتي ترسي دعائم عهد من الرخاء والسلام. من الممكن للمرء أن يعقد مقارنة بين هذا النشيد وبين عروض دعائية شأن “الشرق أحمر” في الصين، أو “ليالي موسكو” في الاتحاد السوفييتي والتي أنتجت في الفترة نفسها. تسعى تلك العروض كلها بالأساس إلى صوغ “هوية” بعينها، يتطلع إليها جميع المشاهدين. لقد استوعب نظام عبدالناصر الشمولي معني البروباجندا الحقيقي وشكلها المشهدي. جدير بالإنصات إلى الأنشودة ومشاهدة “أدائها” أن يسمح للمواطن بالمرور بالتجربة وتمثّل ما فيها من “مُثُل” تستحق “الدعوة” إليها. يغدو ذلك جليًا من خلال عنصر “الأداء المشهدي” الذي يتمثّل فيه مئات من الفتية والفتيات في طوابير تسير جيئة وذهابًا فوق جسور تصل ما بين “شتى الناس” و”شتى البلدان”، بينما تتحرك طوابير من مئات الجنود في الخلفية يحملون أسلحتهم أمامهم مئات من الطلبة والطالبات يحملون أعلام البلدان العربية. تكتمل الصورة البصرية والسمعية بأوركسترا كاملة وجوقة غناء. إن دراماتورجية كل ما سبق من عناصر أساسية وكيفية توليفها تعد تجسّدًا لاستعراض سلطة الدولة وتسلّطها (متمثلًا في نجاحها في إقامة مشهدًا على هذا القدر من الضخامة) ولاستعراض الخدمة والإذعان (متمثلًا في مئات المؤدين والفنانين “الراغبين” في المشاركة)، ولاحتكار الرمزية (متمثلًا في الأعلام والألفاظ والأزياء، إلخ) ولكيفية توظيف كل ذلك بشكل معين، وسبب ذلك التوظيف.

إن شئنا أن نقتفي أثر كيفية تحول ذلك إلى “دعائية” وسبب ذلك، للمسنا عروجه من المستوى المشهدي وإلى مستوى الحلول: إذ صار النشيد حاضرًا في طوابير الصباح اليومية في المدارس (جدير بالذكر أن حضور الطوابير وتحية العلم العسكرية قد صار دأبًا لا زالت تلاميذ معظم المدارس الرسمية المصرية تتعرض له)، كما صار أغنية يغنيها الناس في الشوارع، وجسرًا يصل ما بين شعوب المنطقة. لقد هبط من خشبة المسرح وإلى أرض الواقع المعاش، وإنه لعند هذه النقطة بالتحديد حينما يغدو الظاهر باطنًا وحينما يغدو تجربة جسدية يجري استعادتها يوميًا، يصبح المشهد “سياسيًا”. “سياسيًا” هنا بمعنى سلطة تحكّم تتجاوز إرادة الجماهير الفردية، حتى وإن لم يكن المنهج المتبّع منهجًا يستند إلى وسائل التعبئة أو التحكّم التقليدية.

لقد أتقن حكم عبدالناصر المبكّر ووزارة “إرشاده القومي” مسألة التحكّم من خلال الدعاية بشكل فعال. وفي العام نفسه ألّف نشيد آخر وتم تصويره أيضًا وهو نشيد “الجيل الصاعد”. مجددًا قام عبدالوهاب بالتلحين، وغناه نفس الطاقم تقريبًا وقد أضيف إليه صوت عبدالوهاب نفسه وفايزة أحمد (١٩٣٠-١٩٨٣) بينما غابت كل من صباح وفايدة كامل. كتب الأشعار حسين السيد (١٩١٦-١٩٨٣).

لقد أتت رسالة هذا العمل مباشرة بشكل أكبر، إذ ينجح النشيد في تقسيم المجتمع إلى فئات “مقبولة”: الجندي والطالب والفلاح والعامل والفنان. ونرى “تمثيلات” لهذه الطوائف إذ يبدأ النشيد بطابور من الرجال والنساء بالزي العسكري، يتبعهم طابور من التلاميذ فالفلاحين فطلبة الجامعة، يسبق كل منهم لوحة فرعونية الطابع تحمل رمزًا خاصًا يعبر عن كل طائفة. يمثل كل من المطربين إحدى تلك الفئات، وبينما يغني تسير طوابير من مئات المؤدين على جانبي الخشبة هائلة الحجم يرتدون زي الطائفة. ومع بدء الغناء يظهر على الشاشة ما يمثّل ما تصنعه الطائفة التي يغني عنها. ويختتم كل مطرب مقطعه الفردي بصيحة رنانة “عاش الجيل الصاعد عاش!”. وبطبيعة الحال، تبدأ الأغنية وتنتهي بالجندي. وتصل الأغنية لذروتها مع غناء عبدالوهاب المقطع الأخير والذي يأتي فيه على ذكر جمال عبدالناصر لفظًا في نهايات جميع شطراته، ويختمه قائلًا “حيوّا معايا، قولوا معايا، عاش عبد الناصر عاش!”.

تغدو الطبيعة الشمولية للحكم العسكري أكثر وضوحًا في هذا العرض من نظيره السابق. إننا هنا بصدد عرض يتحكم تمامًا في ماهية المجتمع وكيفية كينونته وما يمكن أن يصنع. يتجسّد ذلك من خلال فئات “مقبولة” وهوية كل منها، وهي هويات لا يتم طرحها بصريًا بشكل محدد فحسب، وإنما أيضًا يتم إحالتها إلى أعمال بعينها. إن عملية مسرحة “التقدّم” و”النظام” و”الوحدة” والتي تتجلى عبر الزي الموحّد والأداء الحركي المنتظم وعرض الإنجازات علي الشاشة وصوت الجوقة الهادر، لهي عملية تبتلع المتفرج بصريًا وصوتيًا، في ما ينبغي أن يكون عليه “التقدّم” و”النظام” و”الوحدة”. ويتم معادلة رسالتها المباشرة باستخدام مشهد أكثر ضخامة من نظيره السابق. إن الدرامتورجية التي يتم الاستعانة بها هنا هي المبالغة، إذ يتم “أداء” كل من هذه الأفكار بشكل طوباوي: فالجندي العربي يكسر شوكة الاستعمار، والعامل يصهر الحديد بلهب النور والنار، والطالب يتقن سلاح العلم الذي يقهر الظلمات بالنور، والفنان يبني حضارة بغنوة وكلمة وصورة ـ ينجح كل ذلك في شدّ المتفرج إلى قلب طلب “الأمجاد” التي يعد بها عبدالناصر.

لقد تم بثّ النشيدان للجمهور في العام ١٩٦٠، ويتمثّل في كليهما ذروة الدعائية المصرية وكيف يمكن فهمها باعتبارها أداءً لأفكار مجردة. ربما كان من الممكن استيعاب السنوات التي قام فيها نظام عبدالناصر بتوظيف الدعائية في عملية هندسة مجتمع جديد وهوية جديدة، لا من من خلال أدوات التحليل الخطابي والفحص المؤسساتي وحدها وإنما أيضًا من خلال العروض الدعائية والاستراتيجيات الأدائية. يقف ذلك على طرف النقيض من مساعي النظام الحالي لصوغ “عروض دعائية”، شأن “تسلم الأيادي”، لا تعكس إلا افتقارًا للموهبة وتفسخ الدولة. ثمة غياب تام للمُثُل العليا أو لتطلعات العظمة في تلك المساعي، ويحل محلها مسعى يائس لتهنئة النفس والمدافعة عن نظام خرب عقيم.

إن الحملات التي تستلهم منجزات القوات المسلحة اليوم لا تعكس الإفلاس الفكري وانهيار وزارة الثقافة والافتقار إلى الموارد فحسب، وإنما تعجز في الوقت ذاته عن استيعاب البروباجندا بمعناها التاريخي: أي كنظرة مثالية دوغمائية للعالم تُكرّس بشكل مهووس شمولي، ويجري تفعيلها بانضباط وباستعراض مذهلين. إن المساعي الأخيرة ما هي إلا نماذج بائسة للتفسخ المؤسساتي الذي يبدأ في الجيش وينتهي إلى نقابة المهن الموسيقية والمعهد العالي للموسيقى. تغدو تلك النماذج استعراضًا لتحلل الدولة وضمور الليبرالية المستحدثة الذي يفضي إلى تصفية جوهر الدولة تصفية بطيئة، تاركًا وراءه قوقعًا خاويًا من بيروقراطية متداعية وشبح ذاوٍ للعهد والحلم الناصريين، تحوم فوقه بعض حفريات التاريخ (شأن وزارة الثقافة). فعلى الرغم من شمولية نظام عبدالناصر وطغيانه إلا أنه قد نجح في دمج جميع منجزات النظام الذي سبقه في صورة ماكينة دعائية عتية، نجحت في أن تفرز هوية  لمنطقة بأسرها4.

[1] «تسلم الأيادي».. أغنية مسروقة أم «حاجة حلوة» نحاربها؟، محمد رمضان، صحيفة الشروق، نشر بتاريخ ٢٤ سبتمبر/ أيلول ٢٠١٣
[2] إرفن ف. فيلوز، “البروباجندا: تاريخ المصطلح”، أمريكان سبيتش، الجزء ٣٤، رقم ٣ (أكتوبر/ تشرين الأول ١٩٥٩)، ص. ١٨٢-١٨٩.
[3] ترتبط الأغنية إلى حد بعيد بشخص عبد الناصر وعهده، إلى درجة أن الموقع الذي أطلقته مؤسسة جمال عبد الناصر ومكتبة الإسكندرية يذكرها ضمن “أغنياته”.
[4] ليلى داخلي، العروبة والقومية العربية والهويات العربية عبر الحدود الوطنية في القرن العشرين، القرن العشرين، ريفيو إستوار، رقم ١٠٣، الشرق الأوسط: أوطان وحدود مجزءة (يوليو/ تموز – سبتمبر/ أيلول ٢٠٠٩)، ص. ١٣-٢٥
اعلان
 
 
إسماعيل فايد