Define your generation here. Generation What

خواطر بالعامية: مسخرة التاريخ

في روما القديمة، روما الجمهورية قبل ما تتحول لإمبراطورية، الرومان كان عندهم طقس ديني وسياسي احتار المؤرخين في تفسيره. الطقس ده اسمه “ترايمفس” triumphus، وكان عبارة عن موكب نصر “السينيت” (مجلس الشيوخ) بيعطيه للقائد العسكري اللي حقق انتصارات باسم روما وشعب روما وآلهة روما. بعد تحقيق الانتصارات العسكرية دي وبعد إيقاع الهزائم بأعداء روما، القائد المنتصر كان بيبعت للـ”سينيت” يطلب الإذن من الشيوخ إنه يدخل المدينة بعساكره المنتصرين. ولو الـ”سينيت” وافق فيبقى من حق القائد العسكري يحمل لقب “ترايمفاتور” triumphator ويجهز الموكب الضخم اللي هيدخل بيه المدينة.

روما في تاريخها الطويل شهدت أكتر من ٣٢٠ “ترايمفس”، وكُتب المؤرخين الرومانيين مليانة أوصاف دقيقة جدًا للطقس ده. الترايمفاتور كان بيدخل المدينة مع جنوده من غير سلاح، وقدامه الأسرى والسبايا اللي أسرهم وسباهم. وبعدين تيجي عربات شايلة الغنايم اللي استولى عليها واللي هيقدمها لشعب روما وآلهتها. الترايمفاتور مع جنوده كانوا بيشقوا المدينة في موكب ضخم بيستغرق ساعات طويلة. وفي النهاية الموكب كان بيقف عند معبد جوبيتر، كبير آلهة روما، وهناك الترايمفاتور يذبح ثورين كقربان لجوبيتور وفي أغلب الأحيان يقتل زعيم الأعداء خنقا ويقدمه برضه قربان لجوبيتر.

الترايمفاتور طول الوقت ده راكب عربة بعجلتين بتجرها أربع خيول بيضا. العربة متزينة بأغصان زيتون وزعف النخل، ومربوط تحتها أجراس، ورمز للعضو الذكري، وعكوسات تانية تمنع الحسد وتكسر الحظ السيء وتدرأ الخطر. أما الترايمفاتور نفسه فلابس عباية مطرزة بصورة زعف النخل ونجوم ذهبية، وفوق راسه تاج من أغصان الزيتون، وماسك في إيده اليمين غصن زيتون وفي إيده الشمال صولجان من العاج في آخره النسر الروماني الشهير.

لحد هنا والطقس/ الموكب ما فيهوش شيء مش مفهوم، وإن كان يبدو غريب حبتين. لكن الغريب فعلا شكل الترايمفاتور/ البطل المنتصر. الترايمفاتور كان بيدهن وشّه بالرصاص الأحمر علشان يبقى شَبَه الإله جوبيتور. وفي نفس الوقت كان بيقف وراه على العربة عبد شايل تاج تاني فوق التاج الأولاني وبيهمس في ودن الترايمفاتور بعبارة اشتهرت في التاريخ الروماني كله: Respice post te, hominem te esse memento يعني: “بص وراك، وافتكر إنك مجرد إنسان”.

اللافت للنظر في الطقس ده مش إن الرومان قرروا يفكروا القائد العسكري إنه مجرد إنسان وإنه في النهاية بشر زيه زيهم، وإنما إنهم بيعملوا الشيء وعكسه في نفس الوقت. ففي الوقت اللي العبد واقف ورا الترايمفاتور بيفكره إنه مجرد إنسان، الترايمفاتور داهن وشه بالرصاص الأحمر ومطلوب منه إنه يظهر للعامة على إنه الإله جوبيتور بشحمه ولحمه.

المؤرخين والأنثروبولوجيين وعلماء الأديان واللسانيات احتاورا في تفسير التناقض ده، فمنهم اللي حاول يفسر أصل كلمة “ترايمفس” بردها لأصل إغريقي، ومنهم اللي حاول يرجع بالطقس ده لأصول آسيوية جابها الإسكندر الأكبر في غزواته، ومنهم اللي قال إن المقصود ما كانش التشبه بالآلهة إنما بملوك روما القدماء. ولكن أكتر تفسير لقيته معقول التفسير اللي بيقول إن الطقس ده بتناقضاته هو انعكاس لتناقضات داخل البنية السياسية الرومانية: من ناحية، روما الجمهورية تعتز بمؤسساتها المدنية (مجلس الشيوخ، والقانون الروماني الشهير، والطوايف والحرف، والنظام الديني، إلخ) ولكن من ناحية تانية، روما حتى قبل ما تتحول لإمبراطورية تعتمد على الحرب وعلى الجيوش الجرارة اللي كرست هيمنة المدينة دي على كل إيطاليا وبعدين على أجزاء ضخمة من المعمورة. وبالتالي فالطقس ده محاولة لمكافئة القادة المنتصرين على انتصاراتهم وإرضاء غرورهم، ولكن في نفس الوقت محاولة للجم الغرور ده والتحذير من عواقبه.

فالجيش من حقه يدخل المدينة، ولكن من غير سلاح؛ والترايمفاتور من حقه يتشبه بجوبيتور ولكن مش لازم ينسى إنه مجرد إنسان؛ والموكب العسكري ده ممكن يحتل شوارع المدينة ويحتكر المجال العام، إنما لمدة يوم واحد بس ترجع بعدها المياة لمجاريها والجيش لمعسكراته برا المدينة.

بمعنى آخر الطقس ده بيعبر عن خوف العشائر والعيلات الكبيرة المسيطرة على السينيت من الجيش ومن القادة العسكريين بفيالقهم الجرارة. صحيح روما بتعتمد على الغزو بشكل أساسي وبالتالي فالجيش عنده حظوة وتقدير، لكن في نفس الوقت العيلات الكبيرة، الـpatricians، عندهم طول الوقت تخوّف من خطر الجيش على مؤسسات المدنية، وإن المؤسسات دي ممكن ما تصمدش قدام أي قائد عسكري لو حب يدخل المدينة بجيشه علشان يترجم انتصاراته العسكرية لمكاسب سياسية.  

وبالفعل سنة ٤٩ قبل الميلاد حصل بالظبط اللي كان السينيت بعيلاته متخوّف منه. في يوم ١٠ يناير من السنة دي يوليوس قيصر عبر نهر الروبيكون في شمال إيطاليا بجيوشه وابتدى يزحف على روما. ولما السينيت طلب منه تسريح جيشه رفض، ودخل المدينة بعساكره. دخول الجيش لروما من غير إذن أدى لاندلاع حرب أهلية ضروس انتهت بإعلان يوليوس قيصر نفسه “دكتاتور” وبالقضاء على الجمهورية وتأسيس الإمبراطورية.

***

وأنا بأعيد قراءة الحقبة دي من التاريخ الروماني لقيت نفسي بأعقد المقارنات مع المرحلة الدقيقة اللي بنمر بيها في مصرنا المحروسة. طبعا الاختلافات كتيرة ولا تحصى، ولكن مش قادر أمنع نفسي من إني أعقد مقارنة بين موقف السينيت الروماني المرتاب من العسكر والقلقان على مستقبل الجمهورية في حالة دخول الجيش للمدينة، وموقف نخبنا السياسية والثقافية والاقتصادية من العسكر، وانبطاحهم التام قدام مطالب الجيش اللانهائية للسيطرة على كل مقاليد الحكم.

فالدستور اللي هللنا ليه أصبح فعليا معلق من كُتر الانتهاكات اللي بتتم ليه من يوم ما استفتينا عليه، وصلاحيات المحاكم العسكرية بتتوسع كل يوم، ومنطق الحرب على الإرهاب هو المنطق الحاكم على أغلب قرارات الحكومة، والرئيس بيستخدم صلاحياته الكتيرة وعدم وجود برلمان منتخب، علشان يعلن مناطق ومرافق كتيرة مناطق عسكرية ويخضعها للقوانين العسكرية ويخرجها من تحت مظلة التشريع المدني الطبيعي، والجيش بشركاته الضخمة هو اللي بينفذ المشاريع الاقتصادية الكبيرة، والناس شكلها مش هاممها تأخير الانتخابات البرلمانية وكأنها مستعدة لقبول احتكار الرئيس للسلطتين التنفيذية والتشريعية ومستعدة حتى لقبول فكرة حل الأحزاب والتخلص من البرلمان برمته.

***

الملفت للنظر مش الاتجاه السائد عند السلطة للتخلص من النظام الجمهوري، لكن قبول الجمهور للاتجاه ده. فمش غريبة إن الرئيس بخلفيته الاستخباراتية يكون مقتنع بجد إن كينونة مصر نفسها مهددة، وإن الأمن القومي مخترَق، وإن إعلان الحرب على الإرهاب سياسة حاكمة وحكيمة، وإن أحسن الطرق لهزيمة الإرهاب هو بالاصطفاف والتوحد ونبذ الخلاف.

لكن الغريبة إننا نلاقي رؤساء تحرير الصحف الـ”قومية” والحزبية والخاصة بيتخلوا عن مبدأ حرية الرأي، وما بيدافعوش عن حتمية الخلاف وفايدته ولا بيؤكدوا على إن اختلاف الآراء ـ مش الاصطفاف ـ هو تحديدا اللي ممكن ينقذنا من خطر الإرهاب، ونلاقيهم بالعكس بيصدروا بيان يؤكدوا فيه على أهمية “التوقف عن نشر البيانات الصادرة التي تدعم الإرهاب وتدعو إلى تقويض مؤسسات الدولة بشكل مباشر أو غير مباشر (…) والسعي إلى اتخاذ الإجراءات لمواجهة (…) الثقافة المعادية للثوابت الوطنية“.

ومش غريبة إننا ننتظر من الحكومة تصوير ثورة ٢٥ يناير على إنها مؤامرة وخيانة، وتكمل عداءها للشباب وللطلبة، وتحاول تقنعهم إنهم مفروض يقعدوا في البيت وما يهتموش بالسياسة، وتعاقبهم بالحبس لو نزلوا الشارع يطالبوا بحقوقهم أو يعبروا عن رأيهم. لكن الغريبة إننا نلاقي واحد زي حسام عيسى، اللي قضى سنين طويلة من عمره بيدافع عن مبدأ استقلال الجامعة، نلاقيه بيسعى، بعد ما عينوه وزير للتعليم العالي، “لمخاطبة وزارة العدل للموافقة على منح الضبطية القضائية لمدير الأمن الإدارى ونائبه بكل جامعة”، ويشيد، بعد ما طلع من الوزارة، بإن “الدولة سيكون في يدها جميع مفاتيح القرار على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي“.

ومش غريبة إننا ننتظر من الداخلية إنها تعادى الحركة العمالية وإنها تقلق من حركة الإضرابات العمالية اللي في تصاعد من سنة ٢٠٠٧ على الأقل وإنها تحاول السيطرة على اتحادات العمال. لكن الغريبة إننا نلاقي واحد زي كمال أبو عيطة، الزعيم النقابي اللي كافح لسنوات طويلة علشان يحقق لعمال مصر أملهم في إن يكون عندهم نقابات عمالية مستقلة، واللي نجح بالفعل في تأسيس أول نقابة مستقلة، نقابة عمال الضرائب العقارية، نلاقيه بعد ما اتعين وزير للقوى العاملة يقول: “الإضراب يفسد المفاوضات ويعطل حل المشاكل ولا يحقق المطالب أو جدولتها“.

***

من السهل تفسير المواقف المتضاربة دي على إنها نتيجة حسابات ومواءمات سياسية، وإن الناس دي، وغيرهم كتير، حسبوها صح وأدركوا إن لكل وقت أدان ولكل مقام مقال، فاللي كان بيتقال وقت الكفاح والمظاهرات ما ينفعش يتقال في الوزارة والاجتماعات. لكني أظن إن الموضوع أعمق وأخطر من الحسابات والمواءمات السياسية.

أظن إن الناس كلها، نخب و”جمهور”، مذعورة فعلا، وبقت أسيرة لخطاب الأمن والحرب على الإرهاب، وصدقت نظرية المؤامرات الخارجية وسلّمت فعلا إن في حاجة اسمها حروب الجيل الرابع. الناس خايفة، مشتاقة للأمن. مخاوفهم مشروعة لأن اللي شافوه من الإخوان مخيف بجد، واللي بيشوفوه من داعش مرعب وما فيهوش هزار. الناس حاجتهم للأمن حقيقية لأنهم شاعرين بتهديد حقيقي لحياتهم ولمستقبلهم.

في نفس الوقت السيسي بيعرض علينا الأمن والاستقرار وبيقول لنا إنه هو الوحيد القادر على تحقيق المطلب العميق ده. وبيقول لنا كمان، يمكن مش باللفظ لكن بالتصرفات والإجراءات اللي عملها من يوم فض اعتصام رابعة، إننا لازم نكون مستعدين ندفع تمن الاستقرار ده. لازم نوافق على قتل مئات المصريين في الحرب على الإرهاب؛ ولازم نوافق على الحكم بإعدام مئات المتهمين في محاكمات ما استغرقتش نُص ساعة؛ ولازم نوافق على تجريم التظاهر، اللي أصلا كان سبب الإطاحة بمبارك وبعدين بمرسي واللي بفضله عملنا انتخابات رئاسية أوصلته للرئاسة؛ ولازم نوافق على إعادة سيطرة الدولة على الإعلام وعلى ضبط الخطاب الإعلامي؛ ولازم نوافق على التنازل عن مطلب تطهير مؤسسات الدولة وإعادة هيكلة الداخلية؛ ولازم نوافق على التصالح مع الفلول؛ ولازم نوافق على غض النظر عن الفساد اللي ضارب بجذوره في جسم الدولة؛ ولازم نوافق على القبض على شوية شباب متهورين وسجنهم لأنهم، بتهورهم ورعونتهم وتشرذمهم وعدم وضوح رؤيتهم، كانوا هيودونا في داهية.

السيسي برنامجه واضح ما فيهوش لبس: لو اتنازلتم عن مطالبكم بمساحة أكبر من الحرية، أنا مستعد أبذل كل ما في وسعي علشان أحقق ليكم الاستقرار وأعيد ليكم الأمن. والناس، بنخبها وجمهورها، وافقت على الصفقة دي، مش في يوم وليلة صحيح، ومش كل الناس صحيح برضه، لكننا من أول الثورة ما قامت وغالبيتنا مالت تدريجيا لتفضيل الاستقرار على الحرية. فعلى حسب استطلاع للرأي أجراه مركز بيو للأبحاث علي عينة من ألف شخص من شتى أنحاء الجمهورية في أبريل اللي فات، نسبة الناس الل بيؤمنوا بالديمقراطية نزلت من ٥٤٪ سنة ٢٠١١ لـ ٤٤٪ سنة ٢٠١٤، بينما نسبة الناس اللي بتفضل الاستقرار زادت من ٣٢٪ لـ ٥٤٪ في نفس الفترة.

***

 

الخوف شعور قوي لو سيطر على الإنسان ممكن يشلّه ويمنعه من التفكير. الخوف برضه غريزة إنسانية عميقة لو داعبتها يمكن تقدر تحرك الملايين وتقنعهم باللي مش في مصلحتهم.

أنا كنت في نيويورك يوم ١١ سبتمبر ٢٠١١ وشفت بعيني الأبراج وهي بتنهار، ومش ممكن أنسى حالة الذعر اللي انتابت سكان المدينة، وأنا منهم، والمجتمع الأمريكي كله. وفي الأيام والأسابيع التالية شفت إزاي الخوف من هجمات إرهابية تالية سيطر على المجتمع كله، أفراد ونخب، وشفت إزاي الإعلام الأمريكي انتابته حالة من الهلع من “القاعدة” ومن أسامة بن لادن ومن “الإرهاب الإسلامي”. وشفت برضه إزاي إدارة الرئيس بوش، وأساسا رامسفيلد وتشيني، نجحت في استخدام الخوف ده وفي إعلان “الحرب على الإرهاب”. وعمري ما هأنسى جلسة الكونجرس بجلالة قدره لما صوّت لصالح الـ”باتريوت آكت”، اللي هو قانون مكافحة الإرهاب، وكانت نتيجة التصويت ٩٨ صوت موافق مقابل صوت واحد معترض.

الخوف كان سيد الموقف، واللي كان بيجرؤ على طرح أي تساؤل زي “فين الدستور؟” أو “فين حقوق الإنسان؟” أو “هل أحسن طريقة للقضاء على القاعدة هي ضرب أفغانستان وبعدين العراق؟”، كل الأسئلة دي كان بيُنظر ليها على إنها علامات جُبن في أحسن الأحوال، أو خيانة وتواطؤ مع الإرهاب في أغلبها.

الخوف شل المجتمع الأمريكي كله، والكونجرس تطوع وتنازل عن حقوق أساسية كافح المجتمع الأمريكي لعقود طويلة علشان يحققها. وفي غمضة عين ضاعت الحقوق دي، وإدارة بوش المجرمة خدت اللي كانت عاوزاه وأكثر، وشنت حرب على بلدين، وأعلنت الحرب على الإرهاب، وتكبد المجتمع الأمريكي ترليونات الدولارات. والنتيجة إن المجتمع الأمريكي لسه لحد النهار ده بيدفع تكلفة تهاونه في حقوقه وتخليه، في لحظة خوف وفزع، عن أغلى ما يملكه: حرياته اللى صاغها في دستوره وفي وثيقة الحقوق.

***

 

لما وقعت الهجمات الإرهابية في نيويورك ابتدينا في قسم دراسات الشرق الأوسط في جامعة نيويورك اللي كنت بأدرّس فيها تجيلنا استفسارات عن علاقة الإسلام بالإرهاب، وعن أهم “فصل” في القرآن ممكن ننصح بيه علشان نفهّم الناس الإرهابيين بيفكروا إزاي، وعن رأينا في كلام لورا بوش عن ضرورة ضرب أفغانستان لتحرير المرأة هناك.  

أنا وزمايلي (اللي كل واحد فيهم قضى حياته بيدرس تاريخ منطقتنا ولغاتها وسياساتها إلخ) كنا بنرد ونقول: “يا جماعة، انتم فاهمين الموضوع غلط. الأسئلة دى أصلا غلط. الموضوع ما لوش علاقة لا بالإسلام ولا بالقرآن من باب الأصل. الإرهاب ظاهرة معقدة جدا وجزء صغير جدا منها مرتبط بالدين. الإرهاب ظاهرة اجتماعية وسياسية في المقام الأول، ليه بُعد تنظيمي لوجسيتيكي صحيح وده لازم له تعامل أمني، ولكنه ليه برضه بُعد فكري ونظري واجتماعي وتاريخي، والبُعد ده هو الأهم وما ينفعش معاه التعامل الأمني”.

وكنت أنا تحديدا بأدلل على الفكرة دي بالإحالة لتجربة مصر في التعامل مع الإرهاب في التسعينات. وكنت بأقول للي عاوز يسمع: “إحنا في مصر تعرضنا لهجمات إرهابية عنيفة في التسعينات، صحيح مش ببشاعة ١١ سبتمبر، ولكن كان عندنا، عمليا، حرب عصابات بين قوات الأمن وبين الحركات الإسلامية المسلحة. والنظام بتاعنا وقتها أعلن هو برضه الحرب على الإرهاب وقال وقتها اللي انتم بتقولوه ده الوقت: القانون والدستور مش ده وقتهم؛ لازم نصطف كلنا ورا الهدف المشترك اللي هو القضاء على الإرهاب؛ اللي مش معانا يبقى متعاون مع الإرهاب والإرهابيين؛ حقوق الإنسان كلام جميل إنما مش وقته؛ لازم نبقى مستعدين نضحي بشوية حقوق علشان نضمن الاستقرار والأمان. وللأسف نخبنا الثقافية والسياسية وقتها وافقت على الكلام ده وأعطت الضوء الأخضر للنظام وأجهزة الأمن علشان تتدوّر على “الإرهابيين”. والنتيجة؟

النتيجة كانت إن النظام انتصر صحيح لكن الإرهاب ما انهزمش. كل ما في الأمر إننا رحلنا التعامل مع أسباب ظاهرة الإرهاب للمستقبل وصدرنا الإرهاب نفسه ليكم. انتم مش واخدين بالكم إن أيمن الظواهري، مساعد بن لادن، خريج سجون عبد الناصر ومبارك؟ انتم مش واخدين بالكم إن التطرف هو النتيجة الطبيعية للتعذيب وسياسة القتل خارج القانون اللي أجهزة أمن مبارك بتعملها؟ انتم مش واخدين بالكم إن منفذي هجمات سبتمبر الـ١٩ جايين من البلدين اللي انتم بتعتبروهم من أهم حلفائكم في المنطقة، وإن البلدين دول ما فيهمش ديمقراطية؟ الحل الأمني، ما بالنا بالعسكري، مش كافي لمواجهة الإرهاب. الحل الأمثل والأجدى على المدى الطويل هو الانفتاح والديمقراطية.”

***

 

وبعد سنين من إعلان أمريكا “الحرب على الإرهاب”، وبعد ما اكتشفنا إن خطط غزو العراق كانت محطوطة من زمن بعيد، وإن الخوف اللي انتاب المجتمع هو اللي مكّن الإدارة، وتحديدا رامسفيلد، من إنهم يطلعوا الخطط القديمة دي من الأدراج وينفذوها، بعد السنين الطويلة والدامية دي، فجأة الأمريكان ابتدوا يفوقوا ويفتكروا مقولة بنجامين فرانكلين الشهيرة: “اللي بيضحي بحريته علشان شوية أمن، ما يستاهلش لا دي ولا دي، ومصيره يخسر الاتنين”.

لكن إحنا لسه أسرى عقيدة الخوف ومش قادرين نتخلص منه علشان نعرف نواجه الخطر الحقيقي اللي بيداهمنا ونتعامل بمسئولية وحكمة مع العدو الخطير اللي على الأبواب.

أما أنا، فبجانب التسلي بقراءة التاريخ الروماني، لسه بأفكّر نفسي باللحظة اللي كنت بأفكّر نفسي فيها إن الحل الأمني مش كافي لمواجهة الإرهاب، وإن خطورة الحل الأمني، في الحقيقة، مش بس  تكلفته الدموية، إنما خطورته الحقيقية هي إنه ما بيحلش حاجة وكل اللي بيقدر يعمله إنه يرَحَّل المشاكل العميقة اللي الإرهاب انعكاس ليها للأجيال الجاية. فلو كنا هنا في مصر ما نجحناش في القضاء على الإرهاب في التسعينات، ولكن نجحنا في ترحيله للمستقبل وفي تصديره لأمريكا، ولو كانت أمريكا ما اتعظتش من أخطاءنا وفشلت في القضاء على الإرهاب، وإنما نجحت في تصديره للعالم، يبقى لازم نطرح السؤال الآتي: كام مرة لازم التاريخ يعيد نفسه علشان نتعظ؟

وفي انتظار الإجابة، مش قادر أمنع نفسي من استرجاع  مقولة ماركس الشهيرة “التاريخ بيعيد نفسه، أول مرة كمأساة وتاني مرة كملهاة”، وأزيد عليها إن التاريخ لما يعيد نفسه مرة تالتة تبقى فعلا مسخرة.

اعلان