Define your generation here. Generation What
«سويقة اللالا».. من المُتحكّمين إلى المقهورين
 
 

تاريخ طويل مرت به القاهرة كحاضرة، ابتلع جزءً كبيرًا منه دروب وأزقة السيدة زينب، حيث شكلت التوسعات في العصر المملوكي جزءا كبيرا من ملامح ذلك الحي العتيق. «سويقة اللالا» أحد تلك الدروب الفقيرة المكتظة بسكانها والتي أورد علي مبارك، في الخطط التوفيقية، وصفا مفصلا لها بوصفها منطقة يسكنها علية القوم، تحتوي على قصور ومساجد وزوايا وأسّبلة لتخليد ذكرى تلك الطبقة. لكنها لم تدخل التاريخ الشعبي إلا عبر أوبريت «الليلة الكبيرة» على لسان الأسطى عمارة من درب شكمبة الذي ذاع صيته من القلعة لسويقة اللالا.

تختبيء «سويقة اللالا» خلف عمارات شارع بورسعيد بالسيدة زينب وهي عبارة عن حارة صغيرة لا يتجاوز طولها ٢٧٠ مترا، تصل بين شارع الحنفي بجوار درب الهياتم وبين شارع الدرب الجديد الذي يفضي مباشرة إلى شارع بورسعيد. على جانبيها منازل صغيرة متلاصقة يبدو عليها القدم ورقة الحال، بعض البيوت لازال يحتفظ ببوابات قديمة وواجهات خشبية تفوح زخارفها برائحة القدم. الآثار القديمة المتبقية أضفت مسحة عز غابر على الحارة. الدكاكين الصغيرة من محلات بقالة ومطاعم تُخرجنا من أجواء القاهرة الحديثة إلى عصر ما قبل «السوبر ماركت». وتدخلنا أسماء العطفات والآثار الصامدة هناك إلى تاريخ المكان الذي يمثل صورة مصغرة لتاريخ من التبدل والتوسع العمراني للقاهرة، ويكشف في نفس الوقت عن النزيف المستمر للتراث وارتفاع وتيرة تآكل آثار المدينة التاريخية. شكّل لهو الاطفال بالحارة لوحة تنبض بالحياة وتستكمل تاريخا لمكان تقلّب بين علية القوم الذين سكنوا المنطقة في زمن غابر والمقهورين الذين استقر بهم الحال بـ«سويقة اللالا» منذ أكثر من نصف قرن تقريبا، بعد انتقال الأثرياء إلى أحياء جديدة. أسماء حواري وأزقة سويقة اللالا تحفظ جزء هام من تاريخ المكان بعد اندثار آثاره التي جاء وصفها في كتب الرحالة والمؤرخين.

قصة «سويقة اللالا»

تنتنسب «سويقة اللالا» إلى «الست صفية اللالا» وكلمة «لالا» تعني بالتركية المُربّي أو الُمؤدّب. وكان بعطفة العراقي بـ«سويقة اللالا» زاوية تسمى زاوية «صفية اللالا»، يقول عنها علي مبارك في خططه أنها كانت «متخربة فجددها المرحوم عبد الجليل بك سنة ١٢٩٥ هجريا وجعل بها حنفيات وعمل بها بئرا وأقام شعائرها إلى الآن ويعمل بها مولد كل سنة للست لالا المدفونة بها». حلّت محل تلك الزاوية الآن زاوية جديدة تماما لا تحمل أي ملامح مما ذكره علي مبارك في خططه.

والسويقة هي سوق صغير غير متخصص يمد سكان الحي باحتياجاتهم من الفاكهة والخضروات. والأسواق المتخصصة لا تزال توجد بعضها في القاهرة القديمة حتى الآن كالعطارين والنحاسين والصاغة.

ظهر بـ«سويقة اللالا» مقام لوليّ لم يرد ذكره في الخطط التوفيقية التي قدّمت وصفًا للبيوت والجوامع والزوايا وذكرت أسماء سكان المنطقة. وربما جاء صاحب مقام سيدي محمد الحلفاوي، ويقع بأول حارة سويقة اللالا، مع سكانها الجدد. المقام به شجرة نبق يابسة يعتقد أهل الشارع أنها تبكي كلما هم أحد بقطعها. ويقول محمد مراد الذي يسكن بحجرة ملتصقة بالمقام منذ عام ١٩٨٧ إن «سيدي الحلفاوي» كان أحد سكان السويقة. بينما يقول عم فؤاد الترزي الذي يسكن في الشارع منذ سنة ١٩٥٦ وأحمد جُندي، «قهوجي»، أن الحلفاوي كان أحد «خدم» السيدة زينب وجاء معها إلى مصر. أمام مقام الحلفاوي من ناحية شارع الدرب الجديد كان يوجد حمام أنشأه محرم أفندي للنساء والرجال، عُرف هذا الحمام بين سكان الحارة بحمام الشيخ علي وقد هُدم منذ سنوات قليلة ويحتل مكانه الآن عمارة تحت الإنشاء.

داوود باشا ذلك المجهول


بدأ تاريخ «سويقة اللالا» من القرن السادس عشر، يبدو ذلك جليا في الآثار التي لازالت صامدة هناك. وأقدمها مسجد داوود باشا ابن عبد الرحمن الذي عُين والياً عثمانياً على مصر من قبل السلطان العثماني سليمان القانوني سنة ٩٤٥هـ – ١٥٣٨م وأكمل بناءه أحمد بك بن عبد الله سنة ١٥٥٤م،. فقد المسجد مئذنته التي كانت متهالكة سنة ١٩٤١ ولم يعاد بناؤها حتى الآن. وهذا المسجد فريد فى تخطيطه، فهو لا يتبع طراز المساجد ذات الأروقة ولا نظام المدارس ذات الأواوين، كما أنه ليس مغطى بقبة أو قباب ضحلة على غرار المساجد العثمانية. ولا يزال هذا المسجد يحتفظ بواجهة جميلة من الرخام الملون مُثبت عليها لوحة تأسيس المسجد، وتعاني جدرانه من التآكل بفعل الرطوبة مع اختفاء بعض الحشوات العاجية والمقابض من أبوابه. وبجانب بوابة المسجد لُصقت ورقة بيضاء مطبوع عليها اسم الجامع. ويبدو أن وزارة الآثار قد رفعت يدها تماما عن آثار ذلك الشارع الصغير التي لم يتبق منها فعليا سوى مسجدا داوود باشا والكردي اللذان فقدا الكثير من عناصرهما. بجوار مسجد داوود باشا الذي كان يستخدم كمدرسة كان يوجد سبيلا مكسيا بالرخام لم يعد له أي وجود الآن. يقع في الشارع أيضا  مسجد عيسي الكردي، ويسمى كذلك جامع محرم أفندي ويعتبر من المساجد التي تحمل ملامح تنتمي لعصور متعددة، فطراز المأذنة مملوكي جركسي وباقي المسجد عثماني في تخطيطه المعماري، وقد أنشئ سنة‏ ١٧٣٢م، والمسجد حاليا يخضع للترميم.

بجانب جامع الكردي يوجد بقايا بيت قديم يشبه الرَّبع أو الوكالة له بوابة كبيرة يعلوها نحتا بارزا لعلم مصر القديم. البيت مكون من طابقين يطلان على فناء، يستأجره أسر عديدة كل أسرة تسكن بحجرة. يقول عم سيد، سائق تاكسي وأحد سكان البيت: «كان فيه دور تالت وإتهد، كلنا هنا مأجرين من واحد اسمه عبد القادر راشد وكيل ورثة داوود باشا، البيت ليس مسجلا في الآثار، أنا هنا من السبعينات والبيت آيل للسقوط ومش عارفين نعمل ايه ولا نروح فين».

يحتفظ عم سيد بورقة من مصلحة الضرائب العقارية منحها له عبد القادر راشد الذي أقنعه أن هذا البيت القديم كان بيت داوود باشا. يقول أحمد جُندي من السكان القدامى للشارع: «داوود باشا كان يهودي وأسلم وكان رجل طيب والبيت دا كان بيته». حيث يجمع أهالي سويقة اللالا على أن هذا البيت هو بيت داوود باشا.

وعن داوود باشا والي مصر من سنة ١٥٣٨حتي ١٥٤٩ يقول أمين سامي في كتابه “تقويم النيل” : «كان يشتهر بداوود باشا الخصي حيث كان من عبيد السلطان العثماني سليمان القانوني. تصدى له الشيخ أحمد بن عبد الحق شيخ الأزهر مرة وقال له: أنت لا تصلح للحكم وأنت تحت الرق وما دمت غير معتوق فالأحكام باطلة. فهم الوالي بإعدامه. ولكن منعه الجند وتعصبوا للشيخ. وبلغ الأمر السلطنة فأرسلت للوالي ورقة عتقه مع الشكر لشيخ الإسلام الذي لم تكن له مرتبات في دفاتر الحكومة حينذاك والذي لم يقبل أي هبة أو هدية من الوالي وفي خطاب السلطنة للوالي التشديد عليه بحسن السير مع الرعية والاستعانة بالعلماء في الحكم حسب الشريعة الإسلامية».

عطفة المحتسب وعطفات أخرى

وكما لم يكن لداوود باشا أي ذرية لكونه خصيا، فإنه أيضا لم يسكن يوما في «سويقة اللالا» حيث كان الولاة العثمانيون يقيمون بقلعة صلاح الدين الأيوبي. ولكن يبدو أن «سويقة اللالا» كانت مقرا لأحد المحتسبين، حيث يوجد بها عطفة المحتسب، والحسبة كانت من الوظائف الهامة وتختص بالرقابة على الأسواق، وكان المحتسب يلبس رداءًا أسوداً وعمامة كبيرة مخروطية الشكل بيضاء اللون ويمتطي جوادًا ويسبقه مجموعة من المرافقين له يحملون ميزانًا كبيراً وصنوجاً مختلفة الأوزان. ويرافقه موكب كبير من الجنود والجلادين والخدم. وقد تركت لنا كتب الرحالة مشاهد مخيفة للمحتسبين الذين كانوا يأمرون بدق آذان التجار الغشاشين بالمسامير في حوانيتهم، واقتطاع جزء من أرداف الجزار الغشاش تعادل وزن ما سرق بميزانه أثناء البيع، وإجبار الفطاطري الغشاش بالجلوس فوق صينيته الساخنة. وعطفة المحتسب كان بها زاوية قديمة جاء ذكرها في الخطط التوفيقية بها لوح رخام منقوش عليه «أحيا هذه الزاوية المباركة بعد اندثارها حضرة الأمير رضوان سنة ١٢٠٦هـ». يوجد زاوية جديدة مكان زاوية الأمير واختفت اللوحة القديمة وحل محلها لوحة حديثة مكتوب عليها مسجد التقوى.

ظلت «سويقة اللالا» معقلا للوجهاء من علية القوم حتى وقت الخديوي إسماعيل حيث ذكر علي مبارك في خططه أنها تضم دور بحدائق لكلا من الأمير أصلان باشا، والأمير حسين باشا الطوبجي، وإبراهيم باشا أدهم، الذي قال عنه عبد الرحمن الرافعي: «كان في مقدمة الضباط الأكفاء الذين نهضوا بالمدفعية المصرية، وأنه تولى إدارة المهمات الحربية، وأسس دار صناعة ترسانة القلعة لصنع الأسلحة وصب المدافع» وقد ظل يتقلب في المناصب بعد محمد علي حيث تولى إدارة ديوان المدارس بوزارة المعارف العمومية حتى وقت الخديوي إسماعيل.

أما أشهر من سَكن سويقة اللالا فكان العالم اللغوي مرتضى الزبيدي صاحب كتاب «تاج العروس من جواهر القاموس»، وقد مات بمنزله في سويقة اللالا بمرض الطاعون سنة ١٧٩٠م. ويقول علي مبارك أن بيته كان باتجاه مسجد الكردي بأول الشارع وربما كان في نفس مكان مقام سيدي محمد الحلفاوي. كما ذكر الجبرتي «أن الزبيدي قد تحسنت أحواله المادية بعد تصنيفه كتاب تاج العروس، فانتقل في أوائل سنة ١١٨٩هـ من منزله في عطفة الغسال بخط سويقة المظفر إلى منزل بسويقة اللالا تجاه جامع محرم أفندي، وكان هذا حياً يسكن فيه الأعيان والأثرياء».

بعد عطفة المُحتسب توجد عطفة المدق التي يدل اسمها على وجود مطحن للتوابل والبن، وكانت وفقا لخطط علي مبارك بها زاوية عمر شاه التي اختفت وظهر بدلا منها زاوية أخرى تسمى مسجد الأربعين.

أما آخر عطفات سويقة اللالا فهي عطفة مرزوق، وكان بها حمام للسيدات يعرف بحمام مرزوق أنشأه حسين أغا نجاتي، وقد هُدم هذا الحمام تماما منذ سنوات عديدة.

ابن بطوطة

حتى آواخر القرن التاسع عشر كان الخليج المصري يخترق السيدة زينب وعلى ضفافه كان يقيم الأمراء والوجهاء من رجال الدولة، ومع التوسع العمراني أثناء حكم الخديوي إسماعيل انتقل رجال الدولة إلى المناطق الجديدة في قصور جاردن سيتي والمنيرة وحي الإسماعيلية الذي تحول إلى حي تجاري مع بداية القرن العشرين وهدّمت قصوره وحلّت محلها عمارات سكنية أوروبية الطراز، وهي ما يعرف بوسط البلد الآن. وفي ١٨٩٩ عند مد خطوط ترام القاهرة تم ردم الخليج المصري وظهر مكانه شارع بورسعيد، وبدأ التغير يجتاح المنطقة. فـ«سويقة اللالا» هي شذرة صغيرة من قصة حياة مدينة القاهرة التي قال عنها ابن بطوطة في القرن الرابع عشر ١٣٢٥م: «بها ما شئت من عالم وجاهل، جاد وهازل، حليم وسفيه، وضيع ونبيه، وشريف ومشروف، ومنكر ومعروف، تموج موج البحر بسكانها، وتكاد تضيق بهم على سعة مكانها».

اعلان
 
 
نرمين خفاجي