Define your generation here. Generation What
مصر واختبار حقوق الإنسان في جنيف
 
 

بين عنوان تحقيق «المصري اليوم» المنشور في شهر سبتمبر الماضي “مصر تواجه كمين جنيف“، وتصريحات السفير هشام بدر، مساعد وزير الخارجية لشؤؤن المنظمات الدولية، أن مصر “جاهزة للرد على التساؤلات حول أوضاع حقوق الإنسان”، امتدت التغطية الإعلامية للجلسة المرتقبة للآلية الدورية لمراجعة أوضاع حقوق الإنسان في عدد من الدول، من بينها مصر. والتى تنعقد بمقر الأمم المتحدة بجنيف لمناقشة أوضاع حقوق الإنسان فى نحو ٤٥ دولة، ومن المنتظر أن تُناقش مصر تقريرها يوم الأربعاء المقبل.

وتلتزم الدول الأعضاء في الآلية الدورية لمراجعة أوضاع حقوق الإنسان بتقديم تقرير خاص بها كل ٤ سنوات، يُناقش في جلسة يحضرها مندوبي الدول المختلفة، كما يُسمح للمنظمات الحقوقية المختلفة بتقديم تقاريرها وتوصياتها ليتم مناقشتها خلال الجلسة، بالإضافة لتقرير المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة. ولمندوبي الدول التقدم بأسئلة وتوصيات للدولة موضوع النقاش. وفي النهاية تصدر توصيات مُجمّعة للحكومة أن تقبلها أو ترفضها.

وكانت مصر قد خضعت لجلسة مراجعة لأوضاع حقوق الإنسان بها في ٢٠١٠، انتهت بتقديم ١٦٥ توصية، قبلت منها الحكومة ١١٩ توصية، ورفضت ٢١ آخرى، وردت على الباقين. وحتى الآن سجلت ١٢٥ دولة رغبتها في توجيه أسئلة أو توصيات للدولة المصرية في مقابل ٥١ مداخلة فقط في الجلسة السابقة.

وعكست التغطية الإعلامية والتصريحات الرسمية حالة الترقب والتحفز المصاحب للجلسة. فصرح بدر، قبل توجهه لجنيف، أنه يتوقع “مداخلات مبنية على معلومات مغلوطة ومسيسة، لكن سيتم تصحيحها والرد عليها بقوة”، بينما قال محمود فوزي، مستشار وزير العدالة الانتقالية: “إن مصر واثقة من قدرتها على إيضاح التقدم الذى أحرزته فى ملف حقوق الإنسان”. من جانبه تقدم ملتقى منظمات حقوق الإنسان المصرية، المكون من ١٩ منظمة مصرية غير حكومية، بـ١٠٠ توصية للحكومة المصرية ضمن جلسة المراجعة الدورية. وذكر بيان «ملتقى المنظمات» أن التوصيات متعلقة بـ١٢ ملف حقوقي “يعاني انتهاكات جسيمة على صعيد التشريع والممارسة”. وجاء عدد من التوصيات مرتبط بسُبل تحسين حالة حقوق الإنسان في مصر بشكل عام، وتوصيات آخرى متعلقة بحقوق معينة في تكوين الجمعيات والحق في التجمع السلمي والحق في المحاكمات العادلة وحقوق النساء والأطفال والأقليات واللاجئين.

أوضاع حقوق الإنسان بين تقارير الدولة و«المنظمات المستقلة»:

استعرض التقرير الرسمي، الذي أعدته الحكومة المصرية، ما تم تنفيذه من توصيات بين فبراير ٢٠١٠ حتى يونيو ٢٠١٤. وجاء في التقرير أن الدولة المصرية نفّذت ١١٢ توصية مما جاء في الجلسة السابقة ووافقت عليها مصر، بالإضافة إلى ١٤ توصية أخرى جاري دراستها أو تنفيذها. وأشار التقرير إلى أن مطالب الشعب المصري في «ثورتي ٢٥ يناير و٣٠ يونيو» قد تجاوزت “سقف المطالب التي وضعتها توصيات المراجعة الشاملة، وتجاوزت قشور الإصلاحات التي كان يضطلع ﺑﻬا النظام السابق بين الحين والآخر، وامتدت بصورة مباشرة لجوهر مبادئ حقوق الإنسان في الحرية، والعدالة، والمساواة، والكرامة الإنسانية”.

وركز التقرير على رصد التشريعات المخلتفة الصادرة خلال السنوات الأربعة الماضية، ووصف التقرير دستور ٢٠١٤ أنه “يمثل انتصارًا لأهداف الثورة ومبادئها ونقلة نوعية نحو تحسين وضع حقوق الإنسان في مصر، فجعل احترام هذه الحقوق والحريات وحمايتها من مقومات النظام السياسي للدولة”.

كما أشار التقرير إلى السعي لاستكمال «خارطة الطريق» منذ عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي، وكذا استحداث وزارة جديدة للعدالة الانتقالية، “معنية في الأساس بوضعية حقوق الإنسان وحرياته، والإعداد لطريق عدالة انتقالية يهدف لترسيخ مفاهيم احترام وصيانة هذه الحقوق والحريات في إطار من الإصلاح المؤسسي ومبادئ الإدارة الرشيدة”.

وينقسم التقرير إلى ١٣ قسمًا تتناول ما تحقق تجاه ملفات الصكوك والاتفاقيات الدولية في مجال حقوق الإنسان، والحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، والحقوق المدنية والسياسية، واحترام وحماية حقوق الإنسان وتمكين المرأة، وحقوق الطفل، وحقوق الأفراد ذوى الإعاقة، وحقوق اللاجئين والشؤون المتعلقة بالهجرة والمغتربين، ومناهضة التعذيب، وغيره من ضروب المعاملة القاسية، أو اللاإنسانية، أو المهينة، ومكافحة الاتجار في البشر، واحترام حقوق الإنسان في سياق مكافحة الإرهاب، والتعاون مع الآليات الدولية لحقوق الإنسان.

من جانبها، ركزت المنظمات الـ١٩ المكوّنة لملتقى منظمات حقوق الإنسان المصرية في تقريرها المقدم للأمم المتحدة على ما وصفته بـ”غياب الإرادة السياسية لتحسين حالة حقوق الإنسان” وهو ما اعتبرته المنظمات العائق الأساسي في وجه تحسين حالة الحقوق والحريات، وأضافت “انتهكت كل الحكومات المتعاقبة منذ عام 2010 العديد من الحقوق مثل الحق في التجمع السلمي وحرية تكوين الجمعيات وحرية الرأي والتعبير، فضلاً عن الاعتداءات الجنسية على المتظاهرات، بينما لم تحرز تقدمًا يذكر في تحسين أوضاع الفقراء والخدمات الصحية والتعليمية والسكن”.

وأشار البيان الصادر عن «ملتقى المنظمات الحقوقية» قبل جلسة المراجعة الدورية إلى مسؤولية سياسات القمع العنيف التي اتبعتها أجهزة الأمن عن تعرض الحق في الحياة لـ”انتهاكات صارخة” أدت إلى مقتل آلاف الأشخاص، مشيرة كذلك إلى عدم نجاح الحكومات المتعاقبة في وضع حد لممارسات الجماعات الإرهابية ضد المدنيين والعسكريين في سيناء وباقي أنحاء البلاد. كما ركز التقرير على غياب الحق في محاكمات عادلة، وعدم وجود آلية للمحاسبة على الانتهاكات التي تعرض لها المصريون خلال السنوات الماضية. وأشار التقرير إلى تزايد أعداد المدنيين الخاضعين للمحاكمات العسكرية بما في ذلك القُصّر.

وركز التقرير على ما وصفه بانتهاكات جسيمة نالت من الحق في التجمع السلمي سواء على المستوى التشريعي، في إشارة لقانون التظاهر، أو الممارسات، مما أدى إلى مقتل نحو ٢٠٠٠ مواطن خلال الثلاث سنوات الماضية، وشدد على ما تعرضت له النساء المشاركات في التظاهر من اعتداءات وصلت إلى حد الاغتصاب الجماعي المتكرر، والذي “عجزت قوات الأمن عن منعه أو تعويض الناجيات منه”. كما رصد التقرير ما وثقته المنظمات النسوية من محاولات للضغط على الناجيات من وقائع الاعتداء لسحب شكاواهن وتعاطف بعض رجال الشرطة مع الجناة وتعرّض الناجيات للتحقير والمضايقات من الجهات الحكومية.

وجاء في التقرير عن حرية النشر والإعلام أن “التغييرات الإيجابية المحدودة التي أقرها دستور ٢٠١٤ (…) لم تترجم بعد إلى تشريعات”، مشيرًا إلى “أن مشاريع القوانين التي طُرحت في هذا الصدد جاءت في جوهرها متناقضة مع هذه الضمانات الدستورية”. وجاء في البيان أن التقرير يرصد استمرار “إحالة العديد من الصحفيين والمدونين للمحاكم العسكرية كما رصدت تزايد حالات الاعتداء على الصحفيين والمدونين، بالإضافة إلى تعمد الحكومة غلق بعض الصحف والقنوات والاعتداء على مقراتها”.

في جنيف.. الدولة تواجه استحقاقات حقوق الإنسان:

تأتي جلسة الآلية الدورية لمراجعة أوضاع حقوق الإنسان في وقت تواجه فيه الحكومة المصرية انتقادات حادة داخليًا وخارجيًا تخص الأوضاع الحقوقية، وهو ما استدعى حالة من التحفز، من قِبل الدولة، تجاه هذه الانتقادات.

يقول محمد زارع، مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، أنه لا يعلم كيف ستتمكن الدولة من الدفاع عما جاء بتقريرها، مضيفا: “انتهاكات حقوق الإنسان أصبحت أصعب من أن يتم تجميلها أو إخفائها”. مشيرًا إلى أنه مع وجود ما يسمى بوفود الدبلوماسية الشعبية، المشكّلة من عدد من المنظمات والشخصيات العامة، والتي توافدت إلى جنيف قبل جلسة المراجعة الدورية لشرح “الموقف الحقيقي في مصر”، فإن مهمة التفسير تظل صعبة، بحسب رأي زارع، الذي يضيف: “كيف يمكن تبرير أحكام إعدام بالجملة، أو الاحتجاز التعسفي لسجناء لمدة شهور دون إحالتهم لمحكمة”.

ويرى زارع أن الوفد الحكومي المصري سيحاول الرد على أي تعليقات تنتقد الأوضاع الحقوقية بأن عدم وجود برلمان بصفة منتظمة خلال السنوات الماضية لم يسمح بإجراء إصلاحات تشريعية تُحسّن من أوضاع حقوق الإنسان. ويرد زارع على هذا الزعم قائلا: “طوال الوقت كان هناك من يمتلك سلطة التشريع (…) وتم استخدام هذه السلطة بطريقة تضرب بعرض الحائط التوصيات الصادرة في جلسة المراجعة السابقة سنة ٢٠١٠ والتي وافقت عليها الحكومة المصرية وقتها”. ويضرب زارع مثلًا بصدور قوانين وتشريعات عديدة مثل قانون التظاهر وقانون انتخابات مجلس النواب المثيران للجدل.

يضيف زارع أن “حجة الحرب على الإرهاب” ستُستخدم بقوة لتبرير أي “إجراءات قمعية”، وهو ما يراه غير كافٍ لتبرير أي انتهاكات، قائلا: “الحرب على الإرهاب لا تبرر قتل المتظاهرين السلميين، أو استمرار الحبس الاحتياطي لشهور كعقوبة”.

ورغم ما يراه زارع من صعوبة تبرير “وضع حقوقي وإنساني غير قابل للتبرير”، إلا أنه يتوقع أن دولا عديدة ستساند الحكومة المصرية في جلستها، بل “قد تشيد بما تتخذه مصر من إجراءات لمحاربة الإرهاب في المنطقة”.

وفي السياق نفسه شارك مصدر حقوقي آخر، تحفظ على ذكر اسمه، زارع في مخاوفه، قائلا أن مؤشرات عديدة تجعله يتخوف من ردود أفعال الدول المعنية بقضايا حقوق الإنسان، تجاه الأوضاع الحقوقية في مصر، مضيفا: “الرسائل المختلفة التي وصلتنا من الاتحاد الأوروبي تقول أن العلاقات بينهم وبين الحكومة المصرية متعددة ومتنوعة، وحقوق الإنسان إحدى مجالات هذه العلاقات لكنها ليست الوحيدة”.

يُفسر المصدر موقف دول الاتحاد الأوروبي بأن هناك مخاوف حقيقة أن تتحول مصر إلى ليبيا أو اليمن أو العراق، وبالتالي فهم يرون مصر نموذجا للاستقرار في المنطقة، ورغم إدراكهم  لحقيقة تدهور أوضاع حقوق الإنسان في مصر إلا أنهم قد لا يقوموا بأي خطوات حقيقية للضغط من أجل تحسينها، مضيفا أن السياسة المصرية مستفيدة من عدم الاستقرار في المنطقة.

«المجتمع المدنى» من الدفاع عن الحقوق للدفاع عن النفس:

“هناك منظمات حقوقية بالفعل لن تحضر جلسة المراجعة الدورية في جنيف لتجنب أي أفعال انتقامية ضدها، وما أخشاه بالفعل هو خلو الجلسة من المنظمات المستقلة”، هكذا عبر المصدر، الذي رفض ذكر اسمه، عن حالة التوجس والقلق السائدة بين مجتمع المدافعين عن حقوق الإنسان.

يستطرد المصدر أن هناك حالة من التهديد المستمر مؤخرا لمنظمات حقوق الإنسان في مصر، مشيرا إلى تعديل المادة ٧٨ من قانون العقوبات والتي تُغلظ عقوبة الحصول على أي تمويل أجنبي لتصل إلى السجن المؤبد أو الإعدام، وكذلك المهلة التي منحتها وزارة التضامن لمنظمات المجتمع المدني غير المسجلة لديها لتوفيق أوضاعها، والتي تنتهي يوم ١٠ نوفمبر الجاري.

يقول زارع: “الوضع ضاغط بشكل غير مسبوق، جلسة مراجعة أوضاع حقوق الإنسان ستنعقد يوم ٥ نوفمبر، وبعدها بـ٥ أيام ستكون المنظمات الحقوقية المختلفة مهددة بالغلق”.

ويشير زارع إلى التغطيات الإعلامية سواء التي تتهم المؤسسات الحقوقية بنصب “كمين” للحكومة في جنيف أو “تتهمها بالضلوع في مؤامرة دولية ضد الدولة” قائلا: “لا يوجد أي كمين فيما سيحدث في جنيف، الحقيقة أن مصر تشارك بشكل مستمر في جلسات المراجعة الدورية وتقدم هي الآخرى توصيات وانتقادات لأوضاع حقوق الإنسان لدى الدول الأخرى، ومحاولة تصوير الأمر باعتباره كمينا هو جزء من حملة تشويه”.

ويرى معظم العاملين في المنظمات الحقوقية أن القرارات الأخيرة وحملة التشويه الحالية تستهدف بشكل واضح الإغلاق التام للمجال العام. ويضيف زارع في هذا الشأن: “المجتمع المدني يعمل بشكل أساسي “فوق الأرض” في مجال سياسي مفتوح يتيح التواصل مع مؤسسات الدولة والحكومة. إغلاق المجال العام بأكمله سيمنع هذه المنظمات من العمل وسيدفع الجميع للعمل تحت الأرض”، ويستدرك: “منظمات المجتمع المدني لا تعمل إلا في مجال سياسي مفتوح، وبالتالي فهي لن تعمل تحت الأرض، وسيكون إغلاق المجال السياسي العام لحساب الأصوات الراديكالية على حساب الأصوات الإصلاحية”.

وفي ظل هذا التوتر يري زارع أن “صدور توصيات جادة بشأن أوضاع حقوق الإنسان في مصر قد يؤدي، على الأقل، إلى منع تدهور الأوضاع الحالية إلى ما هو أسوأ”، مضيفًا أن “العكس أيضا صحيح، فالسكوت على انتهاكات حقوق الإنسان سيكون بمثابة ضوء أخضر لارتكاب المزيد”.

اعلان