Define your generation here. Generation What
نظام التعليم الجامعي المصري يخذل العلماء
 
 

أعلن الجيش المصري في شهر فبراير 2014 عن اكتشافه علاج لمرض الإيدز والكبد الوبائي. وكانت الهيئة الهندسية بالقوات المسلحة هي التي قامت بتطوير هذه المعجزة الطبية، زاعمة أنها تستخدم الموجات الكهرومغناطيسية للقضاء على الفيروس في الجسم المصاب. وهذا الجهاز المعروف باسم Complete Cure (العلاج الشامل) أو CC اختصارًا، سرعان ما تحول اسمه إلى “جهاز الكفتة” بعد تصريح مخترعه اللواء إبراهيم عبدالعاطي الذي قال فيه: “باخد الإيدز من المريض وباديهوله صباع كفتة يتغذى عليه”.

لم يتم قط الكشف عن طريقة عمل هذا الجهاز في أي من الدوريات الطبية التي يشرف أطباء على مراجعتها، ولكن تم الكشف عنها في استعراض صاخب بدعم من الرئيس المؤقت السابق عدلي منصور وعبدالفتاح السيسي القائد الأعلى للقوات المسلحة في ذلك الحين. ورغم تشكك العلماء من جميع أنحاء العالم، تمسك المدافعون عن الجهاز بموقفهم، وأعلنوا أن العلاج سوف يكون متاحًا في بعض المستشفيات بدءًا من شهر يوليو 2014.

وفي هدوء إعلامي تم تأجيل الموعد إلى نهاية العام، والتزم مخترع الجهاز الصمت. ومع ذلك لم يقم النظام الحاكم بالتنصل من الاختراع ـ عدا عصام حجي المستشار العلمي لعدلي منصور، الذي استنكر المشروع منذ البداية.

عندما تكون طريقة التفكير في أعلى مراتب السلطة غير علمية إلى هذا الحد، كيف يتم التعامل إذًا مع الباحثين العلميين الجادين في مصر؟

من خلال التجربة الصعبة التي مر بها إسلام حسين، عالم الفيروسات المصري الذي يعمل حاليًا على أبحاث ما بعد الدكتوراه في معهد ماساتشوستس للتقنية، أدرك كم التحديات التي تواجه من يحاول التحدث باسم المذهب التجريبي والتفكير العقلاني.

بعد سماعه خبر جهاز العلاج الشامل، وجهاز الكشف الآخر الذي يدعى C-Fast، الذي يقوم هو الآخر على أسس مغلوطة، نشر حسين مقطعي فيديو يفضح فيهما ما يحويه هذا الكشف الطبي المزعوم من مغالطات ودجل.

ولقد حرص حسين على الالتزام بالناحية العلمية فقط، دون الدخول في أية مناقشات سياسية قد تكون وراء الاختراع، مؤكدًا أنه عالم وليس سياسي.

يقول حسين لـ«مدى مصر»: “عندما نقوم بالتقييم لا ننظر إلا إلى الناحية العلمية. لقد تم تدريبنا كعلماء على تجاهل الشخص القائم على الأمر، فلا توجد في العلم رتب عسكرية. وفي نهاية الأمر ما يهم هو المنتج الذي تقدمه إلى الناس”.

ورغم هذا التناول غير السياسي، لاقى حسين هجومًا على مواقع التواصل الاجتماعي ومنابر الإعلام، مثلما حدث مع عصام حجي من قبل.

يقول حسين: “أنا أرى أن دور العلماء في المجتمع واضح، بالإضافة إلى دورهم العلمي في المعمل. فهناك مسؤولية تقع على العالم تجاه المجتمع الذي يعيش فيه بمساعدتهم على الفهم. وهذا هو ما كانت أحاول فعله بالتحديد عندما تحدثت عن جهاز C-Fast”.

ورغم رغبته في المشاركة في الحوار العام في مصر، إلا أن حسين شعر أن لا خيار أمامه سوى ترك مصر لكي يستكمل أبحاثه، مثله مثل العديد من العقول العلمية المصرية النابغة. ولقد شعر أن هذا القرار كان بمثابة قطع طرف من أطرافه قد أصابته الغرغرينا.

يقول حسين: “عندما تعيش بالخارج تكون كشخص فقد ذراعه. وكأنك تدفع الثمن من جسدك. وفي حين أن ذلك الطرف ذا أهمية حيوية بالغة بالنسبة لك، عليك أن تضحي به لكي تستمر وتبقى على قيد الحياة. ما زلنا مرتبطين بأوطاننا. فأنا أعيش خارج مصر بالجسد، لكن الجانب العاطفي والنفسي، وكل الجوانب الأخرى في حياتي، تركتها في بلدي”.

بعد حصوله على درجة الماجستير من جامعة الزقازيق عام 2003 سافر حسين إلى الخارج. في البداية التحق بجامعة كمبريدج للحصول على شهادة الدكتوراه، وهو الآن في معهد ماساتشوستس للتقنية.

“لم أجد البيئة صالحة لما كنت أفعله وما كنت أود فعله، للعديد من الأسباب البديهية تتلخص في قلة التمويل. في ذلك الوقت لم تكن التجهيزات اللازمة للبحث العلمي في مصر متوفرة، وأظن أنها لا تزال غير متوفرة حتى الآن للأسف”.

ويوضح حسين إنه ليس من الممكن القيام بأبحاث متقدمة دون الوسائل الملائمة، يقول: “إذا كنت تتمتع بالمهارات اللازمة لكن تنقصك المعدات لن تستطيع تحقيق أي شيء على الإطلاق”. ويضيف إنه حظي بمعلمين ممتازين، لكن الجامعة كانت تفتقر إلى الموارد التي تمكنه من القيام بأبحاثه.

ويتذكر حسين قائلًا: “لقد كان لدينا معمل. أعني مكان كان يطلق عليه وصف المعمل. لكن التجهيزات والمعدات في هذا المكان كانت قليلة جدًا. وكانت الميزانية الكلية المخصصة للقسم الذي كنت فيه، لدراسات ما قبل التخرج والدراسات العليا، تبلغ 2000 جنيه سنويًا، فقط لا غير”.

وعلى النقيض نجد أن أرخص مواد الكشف التحليلي التي يستخدمها حسين بصفة يومية في معهد ماساتشوستس للتقنية تبلغ تكلفتها 50 دولار أمريكي.

وطبقًا لحديث أحمد الدروبي، الذي تحول إلى ناشط بيئي بعد حصوله على شهادة في علم الأحياء، فإن هذا الوضع مستمر إلى يومنا هذا. يقول الدروبي: “لقد رأيت أقسام جامعية، وهي أقسام للبحث، تعمل سنويًا على ميزانية لا تتعدى عشرات الآلاف من الجنيهات لألفين من طلبة الدكتوراه، وضعف هذا العدد من طلبة الماجستير”.

ويضيف: “لهذا السبب نجد أن معظم علماء البحار في مصر هم علماء سمك. ولا أعني المزارع السمكية، بل السمك. وذلك لأن دراستهم عادة ما تتضمن الذهاب إلى سوق السمك، وشرائه، وتقطيعه ثم طبخه لطعام الغداء. فهم ليس لديهم المال الكافي للغطس أو الحصول على مركب أو سفينة بحث أو الحصول على عينات ملائمة للعمل في المعمل. ليس أمامهم أية إمكانيات أخرى”.

ويبدو أن الصورة في معاهد البحث ليست أقل إظلامًا. فقد جاء في تقرير التنافسية العالمية للملتقى الاقتصادي العالمي لعامي 2014-2015 أن مصر تأتي في المرتبة 135 من بين 144 بلد على مستوى العالم من ناحية جودة معاهد البحث العلمي، وترتيبها من حيث الجودة العامة للتعليم العالي في الرياضيات والعلوم كان 136. وبينما جاء ترتيب مصر من حيث توافر العلماء والمهندسين جيدًا، حيث جاءت في المركز الأربعين، لكنها احتلت رقم 132 في القدرة على الإبداع.

يقول فكري حسن عالم الآثار الجيولوجي، والعضو في الأكاديمية العلمية المصرية، إن الوضع لم يكن دائمًا بهذا السوء. ولقد قام حسن بالتدريس في جامعات عدة في أوروبا والولايات المتحدة، وهو الآن يرأس برنامج الميراث الثقافي في الجامعة الفرنسية في مصر.

عندما كان حسن طالبًا في بداية الستينيات بدأ دراسة الأحياء والكيمياء في جامعة عين شمس. كانت لديه موارد أفضل مما يحظى به الطلبة اليوم، كما كان يتمتع بدعم من أساتذته الشباب والمتحمسين، الذين عادوا إلى مصر بعد الحصول على منح حكومية للدراسة في الخارج.

يقول حسن: “رغم أن مصر وقتها كانت دولة فقيرة أيضًا، إلا أني أظن أن الوضع كان يختلف كثيرًا عن الآن. لقد كان عدد الطلاب أقل، وكان أعضاء هيئة التدريس مؤهلين بشكل أفضل بكثير من معظم الأساتذة الموجودين حاليًا. كانت المعامل محدودة الإمكانيات، لكن الناس كان لديها حافز للعمل وكانت متعلمة بشكل جيد”.

يشير حسن إلى أن جودة التعليم قد تدهورت في العقود التي تلت. “أظن أن المشكلة بدأت مع زيادة عدد الطلاب دون أن يتزامن معها زيادة في الإنفاق على المعامل وغيرها. أدى ذلك إلى تدهور جودة الجامعة. ففي الجامعة عليك أن تنفق الكثير من الأموال على الطلاب، لكي يحصلوا على مكتبة جيدة، وتجهيزات جيدة، ومعامل جيدة، إلى آخره”. ويضيف أن قلة التمويل صاحبها تغير في التوجه، حيث توسعت الحكومة في سيطرتها على الصناعة. “لقد أصبح دور الجامعة تجاه البلد هامشيًا وغير مرتبط بالصناعة أو الزراعة أو الأعمال التطبيقية”.

ويقول حسن إن ما ساهم في تفاقم ذلك الوضع هي المنظومة التي يشعر فيها الخريجون أنهم يستحقون وظيفة في بلد غارق في البيروقراطية، أيًا كان مستوى أدائهم. “كان المنهج المتبع في ذلك الوقت هو ضمان الوظائف لجميع الخريجين بشكل أو بآخر، ولقد أدى ذلك إلى قتل روح الاستقلال والمبادرات التجارية”.

ولقد تسرب هذا الفتور إلى منظومة الجامعة نفسها. “بعد التحاقك بالجامعة وحصولك على الدكتوراه تصبح بشكل تلقائي مدرس مساعد لا يجد الكثير ليفعله. ولأن مراقبة الجودة غائبة، ينتهي الأمر بالمحسوبية وما إلى ذلك”.

ويرى حسن أن تصحيح مسار هذا التدهور يستلزم جهد مُنَسَق على مستوى الجامعة والحكومة، لتوفير تجهيزات أفضل وتحسين المستوى الأكاديمي.

ويشاركه حسين، عالم الفيروسات في معهد ماساتشوستس للتقنية، وجهة النظر هذه، فيقول: “إن البحث يتكون من عدة عناصر مختلفة، والإرادة السياسية واحدة منها. الأمر يتعلق بالمال وبالدعم”.

ويشير حسن إلى أن طلابه في مصر لديهم نفس الإمكانيات الأولية التي لدى سائر الطلاب الذين قابلهم في جميع أنحاء العالم. “إن طلابي هنا من أفضل ما رأيت على الإطلاق، مقارنة بإنجلترا والولايات المتحدة، من حيث الحماس والتفاني والرغبة في تحصيل العلم”. ويقول إن لديهم القدرة على مساعدة مصر في الريادة العالمية في مجالات مثل الطاقة البديلة، وإدارة الموارد المائية، وتقليل اعتماد مصر على التقنيات المستوردة. كما من شأنهم أن يلعبوا دورًا رئيسيًا في تشكيل الخطاب العام في مصر. لكن كل ما يحتاجونه الآن هو نظام تعليمي يقدم لهم الدعم.

لقد التزم دستور 2014 بزيادة الإنفاق على التعليم ليصل إلى 4 في المئة من إجمالي الناتج القومي، وزيادة الإنفاق على البحث العلمي ليصل إلى 1 في المئة من إجمالي الناتج القومي. ويرى العالمان أن هذه خطوة على الطريق الصحيح.

يقول حسين: “لا شك أن ذلك سوف يساعد في تحسين الوضع فور تطبيقه. لكن طالما الأمر لا يتعدى كونه حبر على ورق، فالأمر واضح… “.

ويختتم حسن قائلًا: “إن ما جاء في الدستور تطور جيد للغاية، لكن الدستور مجرد محرك، مجرد فكرة. إن تطبيق هذا الأمر يتوقف على الحكومة والمجتمع المدني. لكن الحل لا يتلخص في زيادة الميزانية فحسب، بل يعتمد أيضًا على الأشخاص الذين تصرف عليهم هذه الأموال والطريقة التي تصرف بها”.

اعلان
 
 
إيزابل إيسترمن