Define your generation here. Generation What
نخل «العريش» الحزين: مشاهد من الحياة تحت الحظر
 
 

فى الساعة الثالثة من عصر يوم السبت الماضى، بعد يوم واحد من  مذبحة “كرم القواديس”، تغير المشهد فى العريش، المدينة التى كانت آخر نخلاتها تُسقط ما تبقى من “الرُطب” على السكان فى شبه الجزيرة المعزولة.

كان الترقب  الحذر يسيطر على المارة وأصحاب المحال من الشباب والأطفال والعجائز. وبينما كان جار يحاول طمأنة جاره. كان السؤال الحائر ينتشر في الأجواء بين السكان دون إجابة: هل بدأت حرب الشمال؟!، ولا يُقصد بـ”الشمال” هنا شمال سيناء بأكملها، بل مسافة 50 كيلومترًا على طريق الساحل الدولى، من شرق العريش حتى حدود رفح ـ غزة، أو بوابة صلاح الدين حسب ما يطلق عليها سكان الصحراء.

مر نهار السبت الذي كان أقل دموية، بعدما توقفت الاشتباكات فى السادسة صباحا بعد أن حاصرت الطلقات الكاشفة والخارقة للحوائط مدينة العريش ـ أو منطقة البلد حسبما نسميها ـ في فترة سُمع خلالها أصوات انفجارات جاءت من وادي العريش، وفصلت الضواحي والأحياء عن بعضها، مثل حي ضاحية السلام والمرحلة الرابعة، بدفعات كثيفة من الرصاص الآلى الخفيف الذى عبر بعضه لقلب المساكن ربما دون إصابات تذكر.

لم يحمل أيًأ من السكان العابرين إلى العريش ـ وهم من العمال والمدرسين والباعة المتجولون بين أسواق المدن ـ أخبار عن عمليات اصطياد ثمينة أو ضخمة ضد الوحدات والكمائن المنتشرة مثل تلك التى تمت على طريقة “طُعم السمكة” كما أطلق عيها البعض.

أما القادمون للعاصمة من الطرق الجبلية مثل “العوجة” الممتدة حتى مدينة الحسنة فى وسط سيناء فكان يكفى عبورهم من كمين “لحفن” جنوب العريش حتي يشعروا بالخلاص من كابوس محتمل الحدوث فى أي لحظة.

بعد أن انقطعت بهم الطرق الصحراوية الشرقية كانت مكالمات هاتفية تتم بين أهل المدينة وذويهم العالقين حتى ساعات الصباح الأولى، وكان ذلك يحدث كلما عادت الشبكات لمدة عشر دقائق على الأكثر، قبل أن تعاود الانقطاع مرة أخرى لساعات.

في الرابعة عصرًا، وقبل ساعة من تطبيق قرار الحظر على “المربع الأحمر” فى شبه الجزيرة المعزولة، تحركت مدرعة فهد “نصف بوصة” تابعة للجيش، كانت مخصصة لتأمين سنترال العريش، لتجوب شارع 26 يوليو، أكبر شارع  تجاري يمر بقلب البلد، اعتلاها أحد الضباط، بينما تجمع أصحاب المحلات وبعض المارة حول كمين بدأ يُنصب ليقطع الشارع الحيوى الوحيد تقريبًا من حيث الخدمات والمباني الإدارية والمحال، فى الوقت نفسه كان عدد من الضباط قد ترجلوا من المدرعة وهم يحملون عددًا ضخمًا من القطع البلاستيكية “الأفيز” التى تستخدم ككلابشات، وبدأوا في التنبيه على الجميع ببدء إخلاء الشوارع وإغلاق المحال فى الرابعة والنصف، على أن تُخلى الشوارع نهائيًا فى تمام الخامسة، ومن يخالف ذلك مُعَرَض لإطلاق النار أو الاعتقال على أقل تقدير.

 

مفاوضات الحظر

مشهد مواجهة عدد قليل من البشر لمدرعات نصف بوصة بدأت تظهر واحدة تلو الأخرى من على بعد بدا غير متكافىء، فانصرف الجميع ليغلق كل منهم مكان أكل عيشه أو يأتي ببعض احتياجاته قبل موعد بدء الحظر، كان البعض يحاول أن يكسر الحزن المسيطر ببعض الإفيهات كنوع من نقد الحال الذى تغير فجأة للأسوأ.

يقول سعد عز: “لا نعلم لماذا تم تطبيق القرار على المحال، نفقد أكل العيش، كيف نتحمل دفع نصف يوم إيجار أو وراتب عامل فى محل لعب أطفال؟”.

بينما يخبرنا أحمد الحارون إن قرار الحظر المنشور لم يشمل مدينة العريش وأن الخريطة المظللة كانت تتحدث عن ساحل الشيخ زويد. تحدثت مع أفراد الكمين أنا وبعض السكان وعدد من الشباب من أصحاب المحال والعيادات لكن دون جدوى، قال لنا الضابط إن هذه أوامر القيادة اليوم.

فى الخامسة كانت الشوارع خالية، أطلقت الكمائن طلقاتها التحذيرية بكثافة لأول مرة فى الممرات والشوارع أمام المولات والحدائق العامة وساحل البحر ومخر سيل الوادي، وهو أكثر ما يميز مدينة العريش التى صارت بعد ساعة واحدة مدينة أشباح مرعبة في عيون الناظرين من شرفات المنازل.

كانت العريش قد شهدت أسبوعًا من الانفجارات سبق انفجارات مدينة الشيخ زويد، كانفجار المساعيد الذي أعقبه عملية تمشيط قوية لقرى السبيل والمزرعة والقرى المحيطة بالطريق الدائرى الجديد، خاصة تلك القريبة من مقر فرق الأمن المركزي الذى تم استهدافه هو الآخر، وبحسب مصادر من الأهالي فقد تم استهداف الجنود والضباط شهود العيان فى قضية اتهام نائب الإخوان بالعريش عبدالرحمن الشوربجي وعادل قطامش وآخرون باستهداف الكمائن.

بينما عادت الانفجارات أمس، الجمعة، لتزور العريش مرة أخرى، وكان الهدف هذه المرة مدرعة تابعة للجيش تم استهدافها بقذيفة “آر بى جى”، ما أسفر عن إصابة أفرادها الستة الذين نُقلوا لمستشفى العريش العسكرى لتلقى العلاج. حدث الانفجار خلال ساعات حظر التجوال الرسمية.

 

الشباب ينتظرون الشيوخ

يوم الإثنين اصطفت سيارات عديدة أمام أحد المنازل وكان أصحابها مجتمعون أمام شخص يعتلى سلمًا بحيث أصبح أعلى منهم جميعًا، علمنا أنه أحد ممثلى عائلة الفواخرية، سأله أحد أبناء القبيلة عما فعلوا في سبيل كسر الحصار المفروض على سيناء؟، فقال: إن المحافظ سيبحث الأمر خلال الثلاث أيام القادمة، وربما يكون هناك حلًا أو تخفيفًا، وأنهى النقاش مباشرة منصرفًا إلى داخل المنزل.

كان أبناء عائلات وقبائل شمال سيناء قد دفعوا بشيوخهم لوقف ما وصفوه بالحصار غير المبرر، حيث عانت سيناء طوال ثلاث سنوات من عملية حصار جزئي بدأت بإغلاق كوبري السلام وقطع شبكات المحمول طوال عامين كاملين.

 

 آلام التهجير

كانت صور التهجير أول ما وصل إلينا. تم تهجير أول مجموعة من سكان رفح في صباح الإثنين، لتخلو رفح لأول مرة من سكانها منذ التحرير، والذين يقال أن معظمهم سيأتون إلى العريش بحثًا عن مكان يأويهم. وبينما يختلف من يسكنون خارج سيناء في المصطلح الأدق، ويحتارون بين “التهجير القسري” و”الإخلاء الطوعي لدواعٍ أمنية”، أصدرت مجموعة “من أجل الحرية” بيانًا ضد التهجير القسري للسكان، ربما يشرح جزءا من المشكلة الأكبر من التهجير، قالوا فيه: “عانى سكان سيناء من ظلم نظام مبارك وبطش داخلية العادلي أكثر مما عانت منه سائر أنحاء مصر، حتى امتدت العقوبات الجماعية والعشوائية إلى التمييز على أساس محل الإقامة في بطاقة الهوية والزي البدوي والأصل العائلي. ثم برقت ثورة يناير للمواطنين في سيناء بالأمل في أن تتحقق مواطنتهم كاملة، وأن يستردوا حقوقهم الإنسانية العامة، وحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية والثقافية على وجه الخصوص. لكن الفترة الانتقالية الأولى، أثناء حكم المجلس العسكري، لم تأت لهم سوى بالتراخي الأمني والوعود غير الصادقة بالتنمية المؤجلة ورفع المظالم الموروثة عن نظام مبارك، مما عزز انتشار السلاح والبلطجة، ولم يمس أصول مشكلات التطرف والإرهاب”.

بينما في عاصمة شمال سيناء وأكبر مدنها، مدينتنا المُشبّع هوائها بالتوتر والقلق، تقف آخر النخلات فى شارع الأشباح الآن وحيدة، ربما ليس لوقت طويل.

اعلان