Define your generation here. Generation What

فرصة وصول الإيبولا لمصر ليست صفراً

يقترب العالم من مرور عام كامل على ظهور الحالة الأولى التي بدأت وباء إيبولا الحالي في قرية صغيرة بجنوب شرق غينيا في شهر ديسمبر 2013. ومنذ ذلك الحين، رصدت منظمة الصحة العالمية بشكل رسمي عدد حالات إصابة يزيد على 10,000 حالة، توفى نصفهم على أقل تقدير، مما يؤهل هذا الوباء ليكون الأسوأ في تاريخ البشرية منذ اكتشاف فيروس الإيبولا في أواخر السبعينيات. لم يكتفِ هذا الوباء بهذا العدد الكبير من الإصابات، بل كان أيضًا أول وباء إيبولا عابر للمحيطات في التاريخ. انتقلت العدوى من غينيا إلى دولتين مجاورتين في غرب إفريقيا هما ليبيريا وسيراليون. تزايدت معدلات الإصابة في هذه الدول الثلاث بشكل مضطرد، ومنها انتقل المرض عبر طرق النقل البرية والجوية إلى دول أخرى في إفريقيا (نيجيريا، السنغال، ومالي)، الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا (أسبانيا). لا يزال منحنى عدد الإصابات مستمرًا في التصاعد، و للأسف لا توجد حتى الآن أي علامات تبشر بأنه في طريقه للإنحسار قريباً. وعلى حسب الدراسة العلمية التي نشرها حديثًا مركز مكافحة الأمراض الأمريكي، فإنه إذا استمر هذا المنحنى في التصاعد بهذا المعدل الثابت ولم تتم السيطرة على الوباء في دول غرب إفريقيا، قد يشهد العالم ما يقرب من 1.4 مليون مصابًا بفيروس الإيبولا بحلول نهاية شهر يناير القادم مما ينذر بكارثة عالمية محققة.

اجتاحت وسائل الإعلام موجة عارمة من أخبار وباء الإيبولا وسط مخاوف الناس من انتشاره إلى بقعة أكبر، ولكن كانت هناك جوانب أخرى جديرة بالاهتمام لم تحظ بنفس القدر من التغطية الإعلامية، ألا وهي الجانب الإنساني والاقتصادي لهذا الوباء. إيبولا ليس مجرد فيروس خطير يقتل عدد غير قليل من ضحاياه، ولكنه أيضًا يترك بصمة أكثر عمقًا على المجتمع الذي يتفشى فيه. “يتامى إيبولا” مصطلح ظهر حديثًا بعد أن خَلًف هذا الوباء وراءه الألاف من الأطفال ممن فقدوا واحد من أو كلا أبويهم، بحسب التقرير الذي نشرته منظمة اليونيسيف في أوائل شهر أكتوبر. لم تتوقف مأساة هؤلاء الأطفال عند هذا الحد، فهم أيضًا يعانون من رفض أفراد عائلاتهم لتبنيهم مخافة انتقال عدوى الإيبولا إليهم.

في تقريره المنشور في 17 سبتمبر، قدر البنك الدولي حجم الخسارة الاقتصادية للدول الغرب إفريقية الثلاث المتفشي فيها وباء الإيبولا بـ 359 مليون دولار أمريكي لهذا العام فقط، ويتوقع هذا التقرير أن تنمو هذه الخسارة إلى 32.6 بليون دولار بحلول نهاية عام 2015 إذا لم تتم السيطرة على هذا الوباء. وكما ذكرت منظمة الغذاء والزراعة، فإن هذه الدول تعاني من نقص حاد في الغذاء والوقود نتيجة لتوقف النشاط الزراعي الذي تعتمد عليه هذه البلاد بدرجة كبيرة، هذا بالإضافة إلى الشلل التام في حركة المواصلات وإغلاق طرق التجارة مع الدول المجاورة. بعض الدول مثل ساحل العاج قررت إغلاق حدودها تمامًا خوفًا من دخول المرض إلى أراضيها مما قد يؤثر بالسلب على زراعة حبوب الكاكاو، والتي تعتبر أحد أهم مصادر الدخل القومي لهذا البلد. هناك أيضاً العديد من شركات الطيران التي أوقفت رحلاتها، والموانئ التي أغلقت أبوابها أمام السفن القادمة من الدول المصابة، مما أحدث اضطرابًا شديدًا في حركة الاستيراد والتصدير والسياحة. هروب الاستثمار الأجنبي خارج مثلث إيبولا المرعب كان بمثابة ضربة كبيرة لصناعة تعدين الحديد في هذه الدول الفقيرة، التي لا يزيد ناتجها المحلي الإجمالي على 13 بليون دولار مجتمعة حسب بيانات صندوق النقد الدولي لعام 2013. فقد الكثير من سكان دول غرب إفريقيا المصابة بالإيبولا وظائفهم، وتعاني هذه الدول الآن من فقر شديد في الموارد، والتي لم تستعيد كامل عافيتها بعد من الحروب الأهلية التي عصفت بجزء كبير من بنيتها الإقتصادية والصحية، وتعتمد في مكافحتها لهذا الوباء الكاسح على احتياطاتها النقدية الضعيفة والإعانات الخارجية.

طالما ظل وباء الإيبولا مشتعلاً في دول غرب إفريقيا، فإن فرصة وصوله لمصر ليست صفرًا. هناك بوابتين رئيسيتين لدخول إيبولا إلى مصر:

أولًا: عن طريق النقل الجوي، على الرغم من كل الاحتياطات المتبعة في المطارات، فقد أثبتت نتائج الدراسات السابقة أن استجواب المسافرين القادمين من دول موبوءه واستخدام الماسحات الحرارية ليس كافيًا لحجب دخول الأمراض المعدية إلى الدول الخالية من العدوى. يزداد الأمر تعقيدًا مع فيروس الإيبولا على وجه التحديد، وذلك لإن فترة حضانته قد تمتد إلى 3 أسابيع. أثناء فترة الحضانة لا يظهر على الشخص المصاب أي أعراض، وسيتخطى كل مراحل الفحص في المطارات بكل سهولة، مثلما حدث تمامًا في الحالتين التي تم رصدهم في تكساس ونيويورك بالولايات المتحدة الأمريكية.

وثانيًا: عبر الحدود عن طريق النقل البري، وتزداد هذه البوابة أهمية خصوصًا بعد ظهور المرض في مالي، التي تشترك في حدودها الشمالية مع الجزائر. مالي واحدة من أفقر دول إفريقيا وتعاني من بعض الاضطرابات السياسية في جزءها الشمالي بسبب بعض المتمردين الإنفصاليين، أي أن فيروس الإيبولا يقترب رويدًا رويدًا من الحدود الجغرافية للشرق الأوسط وليس بالبعد الذي قد يتخيله البعض.

وإذ كنا جميعاً نتمنى أن نكون من الدول المحظوظة التي لن ترى إيبولا، إلا إننا لا بد وأن نكون مستعدين للسيناريو الأسوأ. وصول إيبولا لمصر لن يكون نهاية العالم بالنسبة لنا إذا تعاملنا مع حالاته الأولى بكل سرعة وحرفية، وهناك العديد من الدروس التي نستطيع تعلمها من نيجيريا التي أعلنتها منظمة الصحة العالمية خالية من الإيبولا مؤخرًا بعد أن عانت مما يزيد على 20 حالة إصابة. ضربت نيجيريا واحد من أبدع الأمثلة في التعامل مع الأزمات من خلال الاستنفار التام في أجهزة الدولة الإدارية والصحية. بمنتهى السرعة تم تشخيص وعزل جميع الحالات المصابة وتتبع كل من كان على احتكاك بهم، مما كان له تأثير فوري في كسر سلسلة انتقال المرض قبل تفشيه. أيضًا لعبت وسائل الإعلام دورًا هامًا في توعية المواطنين بأخطار وطرق انتقال العدوى، مما ساهم بشكل كبير في تقليص حجم المشكلة. بالطبع ساعد نيجيريا، التي تُعد من أكبر دول إفريقيا من حيث عدد السكان وحجم الاقتصاد المعتمد في الأساس على تصدير البترول، على التخلص من وباء الإيبولا بنيتها التحتية الصحية القوية والتي لا تقارن بأي حال من الأحوال بنظيرتها في ليبيريا على سبيل المثال، حيث كان سكانها (4.3 مليون نسمة) يعتمدون في رعايتهم الصحية على 51 طبيب فقط قبل ظهور وباء الإيبولا، كما ذكرت مجلة الجمعية الطبية الأمريكية في أحد دراساتها المنشورة في أوائل شهر أكتوبر.

أكاد أتخيل هذا السيناريو المزعج إذا، لا قدر الله، ظهرت حالة إيبولا في مصر. في أحد القرى الريفية يستيقظ أحد المواطنين على آلام شديدة في الجسم وصداع وارتفاع في درجة الحرارة، وكما جرت العادة سيذهب هذا المواطن إلى أقرب صيدلي، والذي بدوره سيصف له مضاد حيوي ومسكن للألام وخافض لدرجة الحرارة، خصوصًا مع الازدياد المتوقع في حالات الإصابة بالإنفلونزا الموسمية مع دخول موسم الشتاء. يرجع هذا المواطن إلى منزله ويختلط مع أفراد عائلته لمدة يومين لا تتحسن خلالهما حالته، فيذهب ليستشير طبيب الوحدة الريفية. إذا لم يكن هذا الطبيب على القدر الكافي من الوعي بفيروس الإيبولا فلن يسأل الأسئلة الصحيحة عن تاريخ الحالة التي قد تكون عادت مؤخرًا من زيارة لدول غرب إفريقيا أو خالطت أحد المصابين، وبالتالي لن يكون الإيبولا على قائمة الاشتباه لهذا الطبيب ولن يتم تشخيص الحالة بشكل سليم. سيصف هذا الطبيب لمريضه المزيد من المضادات الحيوية ويطلب منه العودة إلى منزله، ولكن الحالة ستزداد سوءًا في خلال أيام قليلة، وهنا فقط قد يتنبه أحد الأطباء إلى احتمال الإصابة بالإيبولا ويطلب نقل المريض إلى المستشفى المختص بالتعامل مع مثل هذه الحالات، الذي سيكون على أغلب الظن في القاهرة. خلال هذه الفترة الطويلة التي ظهرت فيها الأعراض على المريض، وهي الفترة المُعدية التي تصل فيها معدلات تكاثر الفيروس في جسم المريض إلى ذروتها وبالتالي يتواجد في جميع السوائل التي تخرج من جسمه، يعلم الله وحده كم فرد من أفراد عائلة هذا المريض وكم طبيب فحصه انتقلت إليه العدوى. وتحت الظروف الحالية، تتبع هذه الحالات المحتملة بدقة وعزلها حتى يتم إثبات إصابتها من عدمها، سيمثل تحديًا كبيرًا لجميع أجهزة الدولة.

لم تكن مصادفة أنه على الأقل واحد من كل 50 مصابًا بفيروس الإيبولا خلال الشهور الماضية هو ممن يعملون في نظام الرعاية الصحية من أطباء وممرضين، لإنهم يمثلون خط دفاعنا الأول ضد هذا الوباء. أعتقد أنه حان الوقت لحملة قومية لتوعية وتدريب الأطباء المصريين على الطرق السليمة لتشخيص ومكافحة عدوى الإيبولا داخل المستشفيات. قد يبدو فيروس الإيبولا مخيفاً للكثير من الناس، ولكنه من حسن الحظ لا ينتقل عن طريق الهواء، وقدرته على العدوى هى من أقل المعدلات مقارنةً بفيروسات أخرى كالحصبة والإنفلونزا، ومن الممكن السيطرة عليه والتخلص منه نهائيًا كما حدث في نيجريا. رفع مستوى الوعي العام لدى المواطن المصري العادي من خلال وسائل الإعلام ورفع مستوى الاستعداد لدى الأطباء والنظام الصحي بأكمله هو سبيلنا الوحيد نحو تفادي الكوارث الصحية والإنسانية والاقتصادية المصاحبة لفيروس الإيبولا، ولأي وباء آخر. علموا أطباء مصر أكثر عن إيبولا.. ودمتم أصحاء.

اعلان
 
 
إسلام حسين