أصوات من شمال سيناء.. وسط ضجيج «الحرب على الإرهاب»

طوال ستة أيام لم يعلو صوت على ضجيج إجراءات «الحرب على الإرهاب»، سواء في التصريحات الرسمية من المسؤولين الحكوميين أو التغطيات الإعلامية والصحفية، بينما بدا صوت مواطني شمال سيناء خافتًا ومصورًا بين موقعي التواصل الاجتماعي فيسبوك وتويتر، منذ وقعت العملية الارهابية التي نُفذت يوم الجمعة الماضية في منطقة كرم القواديس، وخلّفت 33 قتيلا و27 مصابا في صفوف القوات المسلحة.

 

ركزت تغطية صحف اليوم على بدء عملية إخلاء الشريط الحدودي برفح، بشكل نهائي، فجاء العنوان الرئيسي لـ «المصري اليوم»: “سيناء تضحي من أجل مصر”، و«الوطن»: “سيناء في قبضة مصر”، و«الشروق»: “الأباتشي تحمي إخلاء منازل رفح”، في الوقت الذي خلت فيه تقريبا معظم التغطيات الإعلامية من “أصوات الأهالي” باستثناء أحد تقارير «الوطن» الذي جاء عنوانه الفرعي ليقول “الأهالي المهجّرون: نفذنا القرار حرصا على المصلحة العامة”. فبينما أشارت معظم تقارير الصحف والإعلام المحلي إلى تجاوب السكان مع الحملة، إلا أن ثمّة شكوك تلقي بظلالها عما اذا كانت الخطوة هذه ستفيد في معركة الدولة مع “الإرهاب”.

التهجير والتعويضات.. هل تبرر الغاية الوسيلة؟

“لو تم تترك بيتك، سنفجره وأنت فيه”، هذا ما قاله ضابط بالقوات المسلحة لهمام الأغا، ٢٦ عاما، أحد سكان مدينة رفح الحدودية، الذي طُلب منه إخلاء منزله. يضيف الأغا أن الضابط قال ذلك ردا على رفضه إخلاء منزله أمس الأربعاء، مع بداية عملية تهجير السكان.

وكانت القوات المسلحة قد بدأت أمس تفجير منازل ومباني متاخمة للحدود مع فلسطين المحتلة، بعد تهجير سكانها أمس، في سياق حملة أمنية واسعة تستهدف ما أطُلق عليه “تطهير المنطقة من الإرهاب”، ومنع تهريب الأسلحة إليها. ونالت الحملة من أكثر من 800 عقار يسكنهم 1156 عائلة وحوالي 910 فدان مزروع.

وشكك الأغا في جدوى هذه الإجراءات في مواجهة الإرهاب، قائلا أن المسألة تحتاج لأساليب مختلفة من التعامل، وتساءل: “هل تتخيل الدولة أنها عندما تفجر بيوت الناس، فانهم سيُعجبون بالحكومة ويختفي الإرهاب؟ لا، فهذا هو ما يصنع الارهاب”.

ومن المقرر أن يتم إخلاء منطقة بعمق 400 متر وطول 13 ألف و800 متر، على أن يتم حفر قناة مائية بعمق 30 متر لمنع حفر الأنفاق بين رفح وقطاع غزة.

وتجمع أمس عدد من أهالي رفح أمام مبنى رئاسة المدينة مطالبين إمهالهم فرصة أسبوع لجمع مقتنياتهم والبحث عن سكن بديل، إلا أن حملة الإزالة كانت قد بدأت بالفعل، بينما خرج اللواء سامح عيسى، السكرتير العام لمحافظة شمال سيناء، للأهالي حاملا شيكا بنكيا بقيمة ١٠ ملايين جنيه، فيما وصفته جريدة الشروق ببادرة نوايا حسنه لتعويض الأهالي عن بيوتهم التي تركوها، كما نقل للأهالي الإعلان عن تخصيص ٩٠٠ جنيه لكل أسرة، بواقع ٣٠٠ جنيه شهريا لمدة ٣ أشهر، نظير إيجار مساكن جديدة في الأماكن التي سينزحون إليها، بحسب جريدة الشروق، بينما رصدت جريدة الوطن إرتفاعا في إيجارات المساكن بالعريش حيث من المتوقع انتقال العديد من الأسر إليها، بصفتها المدينة الأكثر استقرارا، نسبيا، بمحافظة شمال سيناء.

وعلق مصطفى سنجر، الصحفي والناشط بشمال سيناء، عبر حسابه على موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» قائلا: “أظلمت البيوت و صارت خرابا.. حتى حصان درويش لم يُمهل ليؤنس وحشة الدار.. وانتهت رفح التاريخية فى 48 ساعة”.

الوجه الآخر.. غضب تحت السطح

غضب العديد من أهالي شمال سيناء لا يبدأ فقط من لحظة تهجير سكان رفح، بل يمتد لما هو أقدم.

يقول محمد سواركة، من أبناء قرية التومة: “نحن من ندفع ثمن كل عملية إرهابية تحصد أرواح أبنائنا من القوات المسلحة. بلا أي تفكير مسبق تقوم العمليات العسكرية بالتنكيل بنا وقصف منازلنا بالمروحيات وتغلق الشوارع ونُمنع من التحرك، ونُتهم جميعا بالإرهاب.. في حين يتحرك الإرهابيون بكل حرية وينفذون عملياتهم بين الحين والآخر”.

يضيف سواركة: “بقالنا أكثر من سنة والحملات العسكرية يوميا بتهاجم منازلنا وبتعتقل أولادنا.. وتشتد الحملات بشكل انتقامي بعد كل حادث إرهابي يستهدفهم”.

ويقول أحد أقارب سواركة، الذي رفض ذكر اسمه: “الشعب المصري ما بيحاول يفكر نهائيا في الواقع اللي بيصير عندنا.. ليش ما في سؤال في الإعلام للمسؤولين عن الحملات العسكرية عن نتائجها الواقعية بعيدا عن التضليل ونشر أرقام كاذبة أو استهداف المدنيين على أنهم إرهابيين”.

ويضيف: “بعد كل عملية تسمع مقتل 30 إرهابي، مقتل منفذ العملية، وأخبار ما في منها في الواقع وذلك بيعطي ثقة للإرهابيين ينفذوا عمليات أشد وفي الآخر إحنا بندفع الثمن باعتقالات عشوائية وتهجيرنا وقتل أحلامنا.. والحقيقة على أرض الواقع إن في كل مرة بيتم ظلم مدني بريء بيكون لصالح الإرهابيين وعددهم يزيد من المظلومين برصاص الدولة”.

ويتابع سواركة: “تفاجأنا بعد عملية كرم القواديس.. بعنف شديد وعشوائي من الجيش المصري علينا وعلى قرى جنوب الشيخ زويد وخاصة محيط كرم القواديس والجميعي واللفيتات والمقاطعة وقريتنا التومة”.

ويؤكد سواركة أنه نتج عن الاستهداف المتكرر لهذه القرى، نزوح المئات من العائلات باتجاه العريش، في محاولة للنجاة من العنف، على حد تأكيده. وكانت جريدة الوطن قد أشارت في عددها الصادر اليوم إلى توافد عشرات الأسر النازحة من الشيخ زويد إلى تخوم مدينة العريش، وبدأت مبادرات شعبية من أهالي العريش لجمع تبرعات عينية ومادية لإغاثة النازحين خاصة مع بداية فصل الشتاء.

ما يواجهه الأهالي بمحافظة شمال سيناء قد يلقي بظلال عميقة على علاقتهم بالدولة وباقي المجتمع المصري، يقول محمد رضوان، أحد سكان مدينة الشيخ زويد: “إذا كانت الدولة فعلا تريد القضاء على الإرهاب فعليها إصلاح العلاقة مع المواطنين والأبرياء بدلا من تحويلهم إلى قنابل موقوتة في وجه الدول”.

يشرح إسلام محمد، أحد أهالي الشيخ زويد أيضا، جانبا من عبارة رضوان ملقيا الضوء على طبيعة المعاملة التي يلقاها أهالي سيناء أثناء مرورهم بالكمائن الأمنية أثناء سفرهم. يقول محمد: “تم التعدي علي بالضرب والإهانة من ارتكاز أمني أثناء سفري إلى القاهرة بعد مرور يومين على مجزرة كرم القواديس، لمجرد رؤية الضابط محل إقامتي في الشيخ زويد، وقال لي: إحنا هنطردكم من البلد يا خونة”.

يعود سنجر ليعلق مجددا على الأوضاع بسيناء قائلا: “تحدثت فى يوليو 2007 وقبل ديسبمبر 2012 عن تجفيف الحياة فى ‫الشيخ زويد‬ و‫‏رفح‬.. جُففت الخدمات والحقوق و بقى إنسان هزيل، كلٌ يترقب منه الحل (…) يرددون تراتيل التهجير السوداء.. فاقدة الطرح الآدمى.. ويخطر ببالى فور رؤياهم يغزون الفضائيات طيور المخرج ألفريد هيتشكوك الدميمة”.

اعلان

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن