Define your generation here. Generation What
بابا.. هو ربنا بيشتغل إيه؟
 
 

يبدو في تجهيز باسم يسرى الذي يحمل عنوان  RGB “أحمر، أخضر، أزرق (١)” وكأنما قد تناثر ما بذهن الفنان على جدران الجاليري في شكل لوحات مصوّرة متفرقة اختلفت أحجامها.

حينما دلفت إلى جاليري مشربية بوسط المدينة، تبادر لذهني فوراً أحد أفلامي المفضلة، وهو فيلم “أن تكون جون مالكوفيتش” (١٩٩٩). يكتشف لاعب الدمى في هذا الفيلم طاقة مسحورة تفضي إلى وعي نجم السينما الأمريكي جون مالكوفيتش، ويستغل الفرصة في حل أزمته المالية إذ يعرض على زبائنه قضاء ١٥ دقيقة في رحلة داخل ذهن مالكوفيتش يختبرون فيها ما يستشعره وقت الأكل أو المطالعة أو المضاجعة. في آخر الرحلة يقذف بهم بين الحشائش البرية على جانب الطريق السريع، فيرتدّوا إلى أزماتهم الوجودية متعطشين إلى المزيد.

تناثرت على جدران الجاليري ـ التي تم طلاؤها باللون الأسود لهذا المعرض ـ لوحات يسري التي تسخر من لحظات تخيلها من حياة القاهريين اليومية. يتكون المعرض من ١٢٥ صورة بالخطوط السوداء تمثّل في مجملها شخوصًا وحيوانات تخرج من أفواهها فقاعات كلام طليت على قماش أبيض، فيبدو المعرض وكأنه بوابة تفضي إلى رأس الفنان ذي الـ٣٣ ربيعًا.

يقول يسري: “يأتي السرد هنا عرَضًا للحظات صغيرة رُصّت بعشوائية، لحظات انتُزعت من سياقها فصارت حكيّا غير خطيّ لرواية مصوّرة تعرض في فضاء الجاليري”.

يشير عنوان المعرض إلى نظرية اللون التي يمتزج فيها الضوء الأحمر مع الأخضر مع الأزرق بمختلف الأشكال، الأمر الذي ينتج عنه طيف اللون بأكمله. إنها فكرة متجذّرة في صميم العمل: ففي الوقت الذي قد يبدو فيها تراص الصور تراصًا اعتباطيًا، فإنها تصوغ سوية ما يبدو تتابعًا (متفككاً) أكثر شمولًا، أو تتسق معه. فقد طليت جوانب جميع اللوحات بالطلاء الأحمر والأخضر والأزرق، الأمر الذي يبرز ثيمة الألوان الثلاثة، كما يبرز اللوحات نفسها بعض الشيء.

رُسمت اللوحات في عجالة وخشونة بشكل يذكّرنا بالكاريكاتير السياسي أو برسوم الفنان المصري محيي الدين اللباد. تتسّم الشخوص في كثير منها بالتشوه، بأذرع طويلة نحيلة والكثير من الأصابع.

لقد خرجت فكرة هذا التجهيز إلي العالم منذ عامين، بحسب ما جاء على لسان الفنان، وقتما كان يستكمل تجهيزًا عامًا أقامه في لندن في أغسطس/ آب من العام ٢٠١٢ يحمل عنوان “مصنع الأوهام“. استمر يسري من وقتها في رسم المزيد من اللوحات الجديدة، وإن كان السواد الأعظم من اللوحات المعروضة يرجع إلى ذلك الصيف.

يتعاطى تجهيز يسري ـ شأنه في هذا شأن “أن تكون جون مالكوفيتش” ـ مع قضايا الحب والهوية والجنس والنوع بشكل لا يخلو من الانحراف، الذي يستثير بدوره جدلًا حول الصور المنمّطة وحول المحظورات. لا تعتبر تلك الأعمال حججًا، وإنما هي تمثّلات واستحضارات لنماذج لا تنضب، ومن ثم تمثّل في مجملها سعي الإنسان نحو الهوية.

يحاكي يسري في بعض اللوحات “لحظات صغيرة” تمثّل مداعبات شبه مثقّفة تذكّر المرء بحرم الجامعة. شاب يقول لامرأة “ممكن لو قريتي “استشراق” إدوارد سعيد تقدري تفهمي إن اللى باقوله صح. عمرك قريتى نظرية جاك رانسيير بتاع تبادل المعرفة؟” فتجيبه المرأة قائلة “أعذرنى، بيتهيألي إنى سمعت حد بينادي عليا من هناك”.

وفي لحظات أخرى لا يتورّع الفنان عن الإفصاح عن مغزاه حينما يتعلق الأمر بأزمة هويته هو ذاته، كما يبدو في اللوحة التي تحاكي صورة شخصية لشاب متحيّر رُسمت على قماش، تخرج من فمه فقاعة يتساءل فيها “أنا مين؟”.

ثمة أيضاً عدة ومضات من ذهن الفنان حول قضية الإسلاميين. يظهر في إحدى تلك الومضات شخص ملتحي أصلع الرأس غاضب الملامح تعلو جبهته علامة السجود يتحاور مع ولده الصغير. يسأل الصبي “بابا! هو ربنا لونه إيه؟” فيرد الأب “اخرس يابن الكلب.” وفي أخرى يبدو الأب والابن نفسهما في حوار مشابه: يسأل الصبي “بابا! هو ربنا بيشتغل إيه؟” فيصيح الأب معنّفاً من جديد “اخرس يا ابن الكلب”.

يقول يسري أن رسومه التي تظهر فيها نساء منتقبات لا تهدف إلى السخرية منهن، وإنما هي محاولة لتمثيل محادثات جائزة. كثيرًا ما يقوم الفنان برسم امرأتين منتقبتين في نقاش حول الجنس والحب. يظهر في إحدى اللوحات سيدتان ملتحفتان بالسواد، تقول إحداهما للأخرى  “بس أنا نفسي ألاقي الحب الحقيقي”، فترد الأخرى “أنا رأيي انك تنسي الموضوع ده خالص!!”. في لوحة أخرى تقول امرأة للأخرى “مش عايزة أشوف وشك هنا تاني!” فترد الأخرى قائلة “أنا ماشية، بس انتي اللي مسؤولة عن اللي هيحصل بغد كده! وقد أعذَر من أنْذَر!!”.

لا تزيد هذه اللوحات في رأيي عن كونها تمثيلات سطحية لنماذج متديّنة، وإن كانت لا تخلو من الطرافة. يستشعر المرء أنها تسعى إلى التفكّه على حال النساء المحافظات، حتى وإن لم يكن ذلك في نية الفنان. لربما كان من الأجدر أن تعرض أعمالاً تسخر من الفكر الإسلامي في العام الماضي حينما كانت البلاد تعج بهم، وليس اليوم وقد دُفعوا للتواري تحت الأرض، لقد فات الأوان بل وربما لا يخلو ذلك من درجة من عدم الاكتراث.

لقد تعرّض يسري في السابق لنقد لاذع بسبب أعماله التي أعقبت الثورة، ولا سيما “تحية للثورة المصرية” (٢٠١١)، حينما قام بعمل تجهيز يتضمّن تماثيل صغيرة تمثّل رجال الشرطة والقوات المسلّحة في جاليري بالولايات المتحدة. لقد انتُقِد هذا العمل إبانها نظرًا لما اتسّم به من حرفية، واتهم بأنه لا يزيد عن أن يكون ردة فعل من ناحية التمثيل.

ولكن على ما يبدو فإن الفنان يتمتع بحس دعابة لا بأس به فيما يتعلق بالنقد. تخاطب عدة لوحات مرحة في “أحمر… أخضر… أزرق (١)” منتقديه بشكل مباشر. يشير شخص ضئيل في إحدي لوحاته مثلاً إلى نقطتين على لوحة قائلاً “وزيّ ما حضراتكم شايفين، فى الركن الأعلى ناحية اليمين فيه نقطتين صغيرين!” وفي أخرى يقف شاب وفتاة أمام عدد من اللوحات فيقول الشاب “أنا رأيي إن اللوحات فيها أفكار حلوة، بس بصراحة الرسم زي الخرا!”.

ولكن تتسم اللوحات في أغلبها باعتمادها الزائد على ما فيها من فقاعات الكلام والتي تلعب دوراً في إيضاح الصور بدلاً من أن تكملها، الأمر الذي قد يوحي بالتدريس. كذلك فإن خطوط القلم الرصاص التي تركها الفنان ظاهرة للعيان جنباً إلى جنب مع الطلاء الأسود في معظم اللوحات تضعف بدورها من تأثير الخطوط السوداء السريعة والواثقة، الأمر الذي يطرح تساؤلاً حول الداعي من عمل لوحات على قماش تشبه في هيئتها الرسوم الهزلية وتعليقها في جاليري. لا تظهر خطوط القلم الرصاص في النسخ، ربما تغدو الأعمال أكثر توفيقًا من الناحية الأسلوبية في الكتاب المزمع نشره تحت العنوان ذاته.

بيد أنه ثمة العديد من القطع التي تأسر مخيلة المرء. ففي الوقت الذي لم تثر اهتمامي فيه أعمال تستند إلى حس فكاهة مقرف، فقد أعجبني غيرها الكثير. أحدها لوحة تمثّل فيلين، يقول االأول “أنا عايز أسافر بعيد عن هنا وأبدأ حياة جديدة في حتة ما حدش يعرفني فيها، أنا زهقت من المكان ده”، فيجيبه الآخر “أنا حاسس بيك”.

 لوحة أخرى دغدغتني بشكل خاص، يظهر فيها رجل برأس متضخم مقزز يقول “أنا عارف انك أكيد مستغرب ازاي دماغي فجأة بقت كبيرة قوي كده، بس أنا للأسف ما عنديش وقت أشرحلك دلوقتي!”.

على الرغم من زلاته، ينجح يسري في التعبير عن أفكاره حول العالم ومن يشغلونه بانفتاح رابط الجأش وإن كان أخرقًا. ينجح “أحمر… أخضر… أزرق (١)” في أن يغدو طاقة تنفتح على عقله، بصرف النظر عن نجاحه أو إخفاقه في تمثيل نماذجًا معينة. في نهاية المطاف، وبعد ١٥ أو ٣٠ دقيقة من الفرجة، يقذف بك يسري إلى شارع شامبليون وواقع حياتك الرتيب متعطش إلى المزيد.

أقيم “أحمر.. أخضر.. أزرق (١)” في جاليري مشربية في أكتوبر الماضي.

اعلان