Define your generation here. Generation What

شكري مصطفى لم يكن عود بخور

يخطر على بالي شكري مصطفى كثيرًا.. ذلك الشاب الصغير الذي لم يكن قد أكمل عامه الثالث والعشرون وقت أن تم القبض عليه في 1965 في قضية تنظيم سيد قطب. بجسد نحيل وشعر مفروق من المنتصف وعينين قويتين أتى إلى القاهرة من أسيوط بظروف معيشية شديدة القسوة ليحضر دروس سيد قطب ويتلقى منه “العلم”.. لم يقابله أكثر من بضع مرات، ولكنه كما يقال أحبه كثيرا وتأثر به واعتبره معلمه.

لا أستطيع أن أجزم بالطبع أن حياة شكري مصطفى كان من الممكن أن تأخذ مسارات أخرى لو لم يتم اعتقاله في الأساس، أو لو تمت محاكمته بشكل عادل، أو حتى لو لم يتعرض للتعذيب في السجن.. كلها افتراضات قد تكون غير واقعية ولكنها لم تمنع خيالي من تصور: ماذا فقط لو لم يحدث!

من قلب التعذيب في السجون نشأت جماعة التكفير والهجرة أو “جماعة المسلمون”، في سنة 1967 حدثت مراجعات وانقسم إسلاميون في السجون، فئة منهم رفضت موقف السلطة وأعلنت كفر رئيس الدولة ونظامه، بل واعتبروا الذين أيدوا السلطة من باقي الإسلاميين مرتدين عن الإسلام ومن لم يُكفِّرهم فهو كافر، والمجتمع بأفراده كفار لأنهم موالون للحكام. وكان إمامهم الشيخ علي إسماعيل الذي تبرأ من أفكار الجماعة عام 1971، وتولى بعده شكري قيادة الجماعة وتمت مبايعته أميرا لها وأُفرج عنه وقتها فخرج قويًا غاضبًا يُكفِّر الكوكب ويريد الانتقام. زاد عدد أعضاء الجماعة وتوسعت بسرعة مذهلة، أصبح له أتباع ومريدون يطيعونه طاعة عمياء، حتى أُلقى القبض عليه مرة أخرى في 1973 ثم خرج بعفو في وقت لاحق من السنة ذاتها.

في 1977 بدأ شكري في تطبيق أفكاره تطبيقًا عمليًا، من عزلة عن المجتمع “الكافر” واستباحته والتخطيط لعملية اغتيال الذهبي، وزير الأوقاف في 1978، والتي حوكم على إثرها في محاكمة عسكرية انتهت بحكم الإعدام شنقاً لخمسة من المتهمين، وكان منهم شكري مصطفى.

شكري مصطفى ترك أثرًا كبيرًا على الجماعات الداعية للإسلام، أثر يتجاوز فعله المباشر باغتيال الذهبي، أثر أظنه سيبقى قائمًا ما دام النظام يمنحه مسببات الحياة.

لماذا أتذكر شكري مصطفى تحديدًا الآن؟، لأني أظن أن السجون بوضعها الحالي هي مفرخة للكثير من الـ”شكري مصطفى”.. شاب في مقتبل عمره، ذو خلفية بسيطة، نشأ في ظروف شديدة القسوة، تعاطف مع جماعة أيًا ما كانت ـ وربما لو كان اقترب منهم أكثر لرفضهم بنفسه! أقول ربما لم لا! ـ ولكنه لم يكن بعد قد ارتكب أي جريمة ليجد نفسه يُعَذَب في السجون فيخرج مجرمًا بالفعل، يؤمن بأفكار شديدة العنف، يكفر كل من لا يتبع منهجه معتقدا أنه هو وحده من سينقذ الإسلام ـ لا أعلم من ماذا ـ وسيعيد إحياء الدولة الإسلامية، بيقين راسخ أنه مختار للقيام بهذا الدور وأن مستقبل هذا الدين هو مسؤوليته الشخصية، هوس مثير للشفقة في الحقيقة حتى أن البعض يذكر أنه في محاكمته قال لرئيس المحكمة: “أؤمن أني سأخرج من محكمتكم هذه منتصرا، سيرسل الله عليكم ريحًا صرصرًا عاتية تنجيني من كفركم وسجنكم، وسأطلق على عينك اليسرى التي يكمن فيها الشيطان رصاصة ترديك قتيلا، وسأعيد الإسلام إلى الدنيا مرة أخرى”. شكري مصطفى يشبه الكثير من الشباب القابع خلف الأسوار، سواء كانوا منتمين لتنظيم الإخوان المسلمين أو أيٍ من التنظيمات الإسلامية، أو فقط متعاطفين بشكل انساني مع مأساة فض اعتصام رابعة أو معارضين للسياسات الحالية في العموم بمختلف الانتماءات.

لا أتحدث عن المجرمين، أتحدث عن الشباب المعتقل على خلفية قانون ظالم أسموه قانون التظاهر، أو مجرد معتقلين بشكل عشوائي لتواجدهم بالقرب من موقع أي أحداث، أو لعلاقتهم ببعض المطلوبين للعدالة.. شكري مصطفى مجرد مثال لما ينتج عن الظلم والقهر والتعذيب.

يخطئ من يظن أن السجن إصلاح وتهذيب إلخ إلخ.. السجن للمظلوم قهر لا يساويه قهر آخر، ولا يجب أن نعوِّل على أن ذا المعدن الطيب لا يتأثر بالتجربة سلبًا وسيخرج منها أكثر إنسانية!، ولا يجب أن نسمح لخيالنا الرقيق أن يتصور أن المظلومين سيكونون مثل أعواد البخور يحترقون تاركين رائحة جميلة!، ونستنكر ونتضرر من العنف اللفظي اللذي يمارسه المظلوم فيمط البعض شفتيه ويلويهما ويتأذى جدًا من “الألفاظ” التي يستخدمها المظلوم تاركًا لُب الحكاية.

الظلم ثقب أسود يبتلع المظلوم وظالميه والساكتين على الظلم.. ليس المظلوم وحده هو الخاسر أبدا.

أتعجب فعلا من تجاهل النظام للكارثة التي يعدها للمستقبل، وكيف صور لهم جنون العظمة أن بإمكانهم كسر الشباب للأبد والخلاص من أي صوت معارض، وكيف يتصورون أن هذا الظلم قد يكون حلًا لأي شيء! وأندهش حقًا من تأييد الكثير من الناس الاعتقال بدون جريمة والحبس الاحتياطي لشهور وسنوات بدون محاكمة، والتعذيب وحرمان المعتقل من أبسط حقوقه الانسانية من علاج ورؤية أهله، حتى بشكل أناني ورغبة في المصلحة الشخصية كان الأوقع أن يرفضوا ما يحدث. كيف يتعاملون مع ألاف المعتقلين باعتبارهم ذباب من السهل التخلص منه برشة من مبيد حشري وسيذهبوا غير مأسوف عليهم! يسلمون آذانهم وعقولهم بإرادتهم الحرة ـ فأنا لا أصدق أن في هذا الزمان “أناس مضحوك عليهم” ـ لكل وسائل إعلام النظام، المرئي منها والمسموع والمقروء، يبحثون في خطابهم عن ما يعينهم على إسكات صوت الضمير، لأنه في اعتقادهم صوت العقل، كيف يأمنون على أنفسهم ألا يوقعهم حظهم العثر في موقف المظلوم ويقضون سنوات خلف القضبان يحاكمون ويعاقبون على أشياء لم يرتكبوها، لأنهم باركوا التجاوزات الإجرامية ذاتها بحجة أن كل من في السجون أكيد مجرم!، يصدرون أحكامهم قبل القضاء أساسا!، أنتم بمباركتم تشاركون في صنع مستقبل أسود لنا جميعا.

اعلان