Define your generation here. Generation What
الإلحاد.. بين الملاحقة القضائية والعنف البدنى
 
 

تسببت حلقة من برنامج “أسرار مِن تحت الكوبري” الذي يقدمه الإعلامي طوني خليفة، خصصها لمناقشة قضية الإلحاد في مصر، في سلسلة من الاعتداءات على ضيف الحلقة أحمد الحرقان وعائلته. كان خليفة قد  استضاف الحرقان كمثال لشاب لا ديني ترك الإسلام برغم خلفيته العائلية المتشددة دينيًا، ودراسته لأصول الفقه.

كان النائب العام، المستشار هشام بركات، قد أصدر أمراً بالتحقيق في بلاغ قدمه المحامي هشام إبراهيم مصطفى والمحامية إيناس البيطار والعميد السابق لكلية الحقوق بجامعة عين شمس خالد حمدي، ضد أحمد الحرقان، بعد إذاعة الحلقة، بتهمة ازدراء الأديان. وطالب المدعون بإحالة الحرقان للمحاكمة “لتحدثه بأقوال تشعل الفتن بين جموع الشعب وتروج للإلحاد”.  

كما طالب المحامي هشام إبراهيم مقدم البرنامج طوني خليفة بالاعتذار الرسمي عن الحلقة “وإلا سيقاضيه بتهمة ازدراء الأديان”، بحسب بوابة أخبار اليوم الرسمية.

ولم تكن الملاحقة القضائية هى آخر الصعوبات التي واجهها الحرقان وعائلته. فقد صرح الحرقان لـ«مدى مصر» أنه يتعرض لتهديدات عديدة عبر الهاتف وشبكة الإنترنت، كما ادعى أنه تعرض لمحاولة قتل هو وثلاثة من أصدقائه أثناء تواجده في القاهرة مؤخراً.

ولكنه يرى أن أخطر الاعتداءات التي تعرض لها حتى الآن حدثت ظهيرة يوم السبت الماضي عندما اعتدى عليه وزوجته مجموعة من المواطنين المحتشدين بالشارع الذي يقيم به في مدينة الإسكندرية. وأضاف أنه هرع إلى مركز الشرطة المجاور ليتقدم ببلاغ ضد من هاجموه هو وزوجته الحامل في الأسابيع الأولى.

واستطرد: “فور وصولنا إلى نقطة الشرطة لنحتمي بها، تعرف عليّ ضابط المباحث ومعاونوه وتقريباً كل أفراد النقطة، (…) لذلك أوسعوني وزوجتي ضربًا بالأيدي والأقدام”.

وأضاف أنهم تعمدوا ضرب زوجته وطرحها أرضاً وركلها بالأقدام عندما أخبرهم عن حملها. وهاجم أفراد الشرطة الزوجين قائلين: “أنتم لا تستحقون الحياة.. أنتم مرتدون، ومن تطاول على الرسول يجب أن لا يعيش”، على حد قوله. كما ادعى أنهم كبلوهما واستولوا على هواتفهما ومفتاح الشقة وتحرشوا بزوجته “بعبارات جنسية ممعنة في الإهانة”.

واستنكر الحرقان استجواب النيابة له حول عقيدته مع تجاهل السبب الأساسي لتواجده في قسم الشرطة وهو تقديم شكوى ضد من اعترضوا سبيله وحاولوا الاعتداء عليه بدنيًا.

ورفع الحرقان عبى صفحته بموقع فيسبوك، مساء الاثنين، صورة لزوجته “سالي” داخل مبني محكمة الدخيلة بالإسكندرية، ووصفها بـ”الشجاعة البطلة” لتحملها الاعتداء البدني “والطرح أرضًا والركل بالأقدام” بواسطة أفراد الشرطة، لأنها، على حد قوله، جاهرت أمامهم بكونها “مش مسلمة”.

ولم يكن برنامج “أسرار من تحت الكوبري” هو الظهور الإعلامي الأول للحرقان، فقد اشترك في إعداد حلقات البرنامج الديني “لحظة سكون” الذي قدمه الإعلامي خيري رمضان بالاشتراك مع الداعية الإسلامي الحبيب علي الجفري في شهر رمضان الماضي، كما ظهر الحرقان في إحدى حلقات البرنامج لمناقشة أسباب انتشار الإلحاد بين الشباب، وتحدث  في تلك الحلقة عن المراحل التي أوصلته إلى ترك الإسلام بعد ٢٧ عاماً بالإضافة إلى نشأته الدينية وخلفيته العائلية المتشددة، إذ أن جده قارئ مشهور للقرآن ووالده شيخ سلفي.

ويرى الحرقان أن ردود الأفعال على ظهوره الأول لم تكن بالقدر ذاته من العنف بسبب معدلات مشاهدة برنامج “أسرار من تحت الكوبري” التي تفوق معدلات برنامج “لحظة سكون”.

الباحث ومسؤول برنامج الحريات الدينية في المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، عمرو عزت يعتقد أن الهجوم الحالي على الحرقان يعود لعدم اكتفائه بالمجاهرة بالإلحاد بل وانتقاده للعقيدة الإسلامية والربط بينها وبين ممارسات الجماعات المتطرفة مثل داعش، “فانتقاد العقيدة الإسلامية خط أحمر في مصر، وهذا هو جوهر الخلاف أكثر من كونه ملحداً”.

واستنكر عزت ممارسات الشرطة والنيابة مع من في وضع الحرقان ممن يلجأون للدولة لتنصفهم، “فتنتهك حقوقهم ويواجهون تجاوزات على حرياتهم”.  

وأضاف عزت لـ«مدى مصر» أنه لا أرضية رسمية فعلية في مصر لحرية الاعتقاد التي كفلها الدستور، فقانون الأحوال الشخصية لا يعترف بوجود غير المؤمنين، ولا يسمح بملء خانة الديانة في البطاقة الشخصية بغير الديانات السماوية الثلاث، “عدا البهائيين الذين خاضوا حروباً قضائية طويلة للوصول لحق كتابة “شرطة” في خانة الديانة، وبالرغم من ذلك ما زالوا يواجهون تضييقات شديدة”.

واستطرد: “الدولة تتعامل مع المواطنين كمسلمين ومسيحيين وبعض اليهود الذين قاربوا على الاختفاء فقط”.

واستنكر عزت ما أسماه التصاعد المخيف في عدد قضايا ازدراء الأديان بعد قيام الثورة، “فكل من هو غير مسلم سني أو مسيحي يواجه خطرًا ماحقًا الآن”. كما أشار إلى عدم دستورية المادة ٩٨(و) من قانون العقوبات والتي يستند إليها الحكم على كل من يُتهم بازدراء الأديان، والتي يرى أنها تحجر على حقوق المواطنين الدستورية في حرية الاعتقاد والفكر والتعبير.

وتنص المادة ٩٨(و) على أن “يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تجاوز خمس سنوات أو بغرامة لا تقل عن خمسمائة جنيه ولا تجاوز ألف جنيه كل من استغل الدين في الترويج أو التحبيذ بالقول أو بالكتابة أو بأية وسيلة أخرى لأفكار متطرفة بقصد إثارة الفتنة أو تحقير أو ازدراء أحد الاديان السماوية أو الطوائف المنتمية إليها أو الإضراربالوحدة الوطنية أو السلام الاجتماعى”.

كما انتقد عزت مقاربة الإعلام لقضايا الملحدين، “فأغلبهم يتعامل معهم كظاهرة أو طائفة محددة، في حين أن الإلحاد أكثر الاعتقادات فردية، فهو لا يتطلب التقاء مجموعة ما لممارسة شرائع منزلة”.

ويرى عزت أن الإعلام يلجأ لاصطياد مجموعات الشباب المهتم بالجدل الديني لينصبهم كممثلين عن الإلحاد والملحدين في مصر. “في الأمر انعدام مهنية وجهل شديد يكرس للميول السلطوية والطائفية عند مجتمع متحفز، يستجيب للحلقات الجماهيرية المصممة لاستفزاز المؤمنين ويستقي منها الدوافع لمهاجمة كل من يراه كافر أو مرتد”.

وأضاف: “الوضع الحالي هو لعبة بين الدولة والمجتمع والإعلام الذين صنعوا دائرة محكمة تحتجز ذوي الحظ العاثر من الشباب، فتأتي تصريحات رسمية من جهات كوزير الشباب وشيخ الأزهر ترغب في شيطنتهم، فتتهمهم بتشكيل خطر على الأخلاقيات وتلقي تمويل من جهات خارجية ترغب في إفساد المجتمع”.

وبينما يرى الحرقان أن السبيل الوحيد للتخلص من الضغط المجتمعي على الملحدين هو الإعلان عن معتقداتهم على نطاق واسع. نصح عزت، كطرف في جهة معنية بسلامة المواطنين أولاً، أن يتفادى ذوو المعتقدات المختلفة جهات الإعلام التي تحول حيواتهم إلى عروض مسرحية أو تهينهم أو تتعامل مع أفكارهم باستخفاف.

وقال الحرقان: “المشكلة الوحيدة هي التكتيم على الإلحاد، كما لو كان أمرًا مستحيلًا أو كارثيًا. في حين أن المجتمع يحتاج بعضًا من التشجيع فقط ليدرك أن الملحدين ليسوا شخصيات وهمية ولكنهم مواطنين لهم حقوق كغيرهم”.

اعلان
 
 
نادية أحمد