Define your generation here. Generation What
وسط جدل حول دور الإعلام.. إعلاميون: الدولة قبل الصحافة
 
 

مؤخرًا، أظهرت منظومة الإعلام الخاص المصرية تصميمًا على التماهي مع الخطاب الرسمي للدولة وحرصًا على استبعاد أي أصوات مغايرة. ففي خلال أسبوع، تعرض إثنان من كبار مقدمي البرامج للتكميم من قبل إدارات قناتيهما، بينما اجتمع رؤساء تحرير أكبر الصحف الحكومية والخاصة يوم الأحد الماضي في مقر حزب الوفد، لإعلان مساندتهم للحكومة ووضع إستراتيجية مشتركة للإعلام لدعم الدولة في حربها المعلنة على الإرهاب، وأعلن رؤساء تحرير الصحف وشخصيات إعلامية أخرى أن الدور الأساسي للإعلام في هذه المرحلة يجب أن يكون مساندة الدولة في حربها ضد الإرهاب، ويجب تقديم هذا الدور على أي إعتبارات أخرى.

اجتماع رؤساء التحرير أتى بعد يوم واحد من اجتماع أعضاء غرفة صناعة الإعلام المرئي والمسموع مع ممثلي اتحاد الإذاعة والتليفزيون، لبحث الدور الذي يرونه واجب على الإعلام المصري في الوقت الذي تحارب فيه الدولة الإرهاب.

الاجتماعان أتيا بعد الحادث الإرهابي الذي راح ضحيته ٣٣ مجند في العريش يوم الجمعة الماضي.

في بيانهم أعلن رؤساء تحرير أغلب الصحف المصرية، ومنها الأهرام والمصري اليوم والشروق والوطن، عن “دعم الإجراءات كافة التى اتخذتها الدولة فى مواجهة العناصر الإرهابية وحماية الأمن القومى للبلاد”. وهو البيان الذي وقع عليه أيضًا نقيب الصحفيين ضياء رشوان، والذي أكد الموقعون عليه رفضهم لمحاولات التشكيك في مؤسسات الدولة ومنها الجيش والشرطة والقضاء معتبرين أن ذلك يؤثر على آداء تلك المؤسسات، كما تعهد الحاضرون “بالتوقف عن نشر البيانات الصادرة التى تدعم الإرهاب وتدعو إلى تقويض مؤسسات الدولة بشكل مباشر أو غير مباشر”.

البيان جاء بعد أيام من قطع إدارة قناة «دريم» البث عن إحدى حلقات برنامج «العاشرة مساء» الذي يقدمه وائل الإبراشي، بعد انتقاده لآداء عدد من الوزراء. بعدها، وتحديدًا يوم السبت الماضي، منعت قناة «النهار» الإعلامي محمود سعد من الظهور في برنامجه اليومي «آخر النهار»، واستبدلته بالصحفي ـ وأحد مقدمي البرنامج ـ خالد صلاح بدون إبداء تفسير. صلاح، رئيس تحرير جريدة اليوم السابع، كان أحد الحاضرين في اجتماع رؤساء تحرير الصحف.

رشا عبدالله، الأستاذ المساعد بكلية الصحافة والإعلام بالجامعة الأمريكية، تقول أن هذه الموجة الأخيرة من قمع الإعلام بالإضافة إلى التصريحات التي تعكس هيستيريا وطنية، هى علامات لاستمرار انكماش مساحة الحرية الإعلامية في مصر.

محمد شردي، مقدم برنامج «90 دقيقة» على قناة «المحور» ورئيس مجلس إدارة جريدة «الوفد» وأحد من حضروا اجتماع رؤساء تحرير الصحف، قال لـ«مدى مصر» أن الشخصيات الإعلامية يجب أن تتصرف بوازع من حسها الوطني ومن المسئولية التي تفرضها عليها المحنة وحالة الحرب التي تمر بها البلد، على حد تعبيره. يرى شردي أن الدور الأساسي للإعلام في هذه المرحلة هو أن يكون أداة في حرب الدولة ضد الإرهاب. يقول: “يجب أن نختار التوقيت المناسب للحديث عن الموضوعات، ونلاحظ أن هذا البلد يمر بمحنة وحرب تخوضها معه كل مؤسسات الدولة ومنها الإعلام.”

كما يُشبِّه شردي انتقاد آداء الدولة في هذا التوقيت بمن يصب تركيزه على وجود زجاج مكسور بينما هناك من يحاول إشعال النار في منزله.

قبل إيقاف سعد يوم السبت، أصدرت قناة «النهار» بيانًا تعلن فيه عن إجراء تغييرات جوهرية على خريطتها البرامجية ومنع ظهورالمذيعين والضيوف “الذين يروجون لهذه المفاهيم السفيهة لإضعاف معنويات الجيش المصري”.

بيان «النهار» أتى بعد البيان الذي صدر عن اجتماع غرفة صناعة الإعلام مع مسئولي ماسبيرو، والذي أعربوا فيه عن ثقتهم في إدراك الإعلاميين المصريين لمسئوليتهم الوطنية وقدرتهم على تحملها، وأنهم سيقفون صفًا واحدًا وراء الدولة والقوات المسلحة والشرطة في كل الإجراءات الحاسمة لحفظ أمن مصر.

أحمد حربية، أحد معدي برنامج محمود سعد، قال في تصريح لموقع «أصوات مصرية» أن القناة منعت سعد من الظهور بعد وصوله للاستوديو بدون إبداء أسباب.

في بيانها رأت قناة «النهار» أن مبادىء الحرية والديموقراطية تستخدم حاليًا في الخداع لتبرير المواقف التي من شأنها تهديد الأمن القومي المصري، كما قالت أن الواجب الوطني يفرض على الإعلام “دورًا تاريخيًا في مواجهة مخطط إسقاط مصر”. كما اعتبرت القناة من يهاجمون الجيش في هذا التوقيت يمارسون “الإرهاب بالكلمة”.

غرفة صناعة الإعلام، التى تضم قنوات «CBC، والنهار، والحياة، وONtv، والقاهرة والناس، ودريم، وصدى البلد، والمحور، والتحرير»، ويرأسها رجل الأعمال محمد الأمين، مالك قنوات CBC وجريدة «الوطن»، قالت في بيانها المشترك مع ماسبيرو: “نحن نثق أن الإعلام المصري قادر على أن يرتفع إلى مستوى التحدي الذي يخوضه وطن يبني ويحارب، وأن هذا الإعلام سيعلي ضميره المهني والوطني، فمن حق ملايين المصريين أن يجدوا في وسائل إعلامهم الحقائق الموثقة والأخبار المدققة والآراء والمناقشات التي تفتح أمامهم آفاقًا جديدة في الفكر والعلم والاقتصاد والدين والفن والحياة التي يجب أن يشارك فيها كل صوت مصري وطني بعيدًا عن ادعاء البطولة الزائفة أو النفاق الرخيص أو الانتهازية أو إثارة نزاعات مختلفة أو تصفية الحسابات الشخصية والمصالح الضيقة والترخص في القول والفعل”.

من جانبها ترى عبدالله أن إستخدام الوطنية كذريعة للتخلي عن كل مبادىء الصحافة العالمية وحرية الإعلام سيؤدي إلى تدهور خطير في آداء الإعلام المصري، وتقول: “يؤدي ذلك إلى ما نراه الآن، وهو رسالة موحدة تمثل جانب واحد ويتم ترديدها بكل منبر إعلامي. فيتحول الإعلام إلى أداة للبروباجاندا وليس للصحافة المهنية”.

رغم أنه بشكل عام لا يُحسب على معسكر الإعلاميين المعارضين، إلا أن سعد انتقد آداء الحكومة والرئيس عبدالفتاح السيسي في حلقات قريبة. وفي الأسبوع الماضي، عرض سعد صورة تعود لفترة حكم المجلس العسكري، تجمع السيسي مع نشطاء بعضهم قضى فترة داخل السجن، وبعضهم مسجونين حاليًا، والبعض الآخر يتم التضييق عليه بأشكال مختلفة، وأشار إلى تناقض موقف الرئيس منهم سابقًا وحاليًا.

ورغم امتناع سعد عن التعليق على ما جرى معه حتى الآن، إلا أن «النهار» أكدت في تصريح أخير لها أنه سيعود للظهور على الشاشة اليوم، الأربعاء، نافية منعه من الظهور، بينما قال صلاح لـ«مدى مصر» أن القناة قررت التركيز على التغطية الإعلامية الشاملة يوم السبت، الذى شهد واقعة المنع، واختارته للقيام بذلك، مضيفًا أنه ليس لديه معلومات عن وقف سعد. ولم يكن مالك ومدير القناة متاحان للتعليق على الأزمة وقت أن اتصلت بهم «مدى مصر».

ما جرى مع سعد هو الموقف الأخير في سلسلة من التضييق الإعلامي تفاقمت مع رحيل محمد مرسي عن الحكم في يوليو ٢٠١٣، واستمرت دائرة ضحاياها في الإتساع.

ففي الأسبوع الماضي فوجيء المذيع وائل الإبراشي بقطع حلقته أثناء بثها على الهواء بعد مناقشته لعدة موضوعات أثيرت في الأيام السابقة  للحلقة، مثل مقتل طلبة بالمدارس الحكومية بسبب الإهمال، وولادة سيدة خارج إحدى المستشفيات بعد رفض الإدارة دخولها المستشفى. وعلى صفحته الشخصية على فيسبوك قال الإبراشي إن وقف حلقته جاء نتيجة ضغط من وزراء على إدارة القناة. امتنع الإبراشي عن الظهور اعتراضاً على قطع حلقته، قبل أن يعود يوم السبت بعد تدخل رئيس الوزراء إبراهيم محلب للصلح.

يقول جمال البربري، مساعد وائل الإبراشي، أن مالك القناة أحمد بهجت طلب من الإبراشي قبل قطع الحلقة تخفيف محتوى برنامجه، بعدما طلب منه محلب ذلك، بناءً على تهديد وزيري الإسكان و التعليم بالإستقالة بعد مهاجمة الإبراشي لهما.

تقول عبدالله أن الموجة الأخيرة تبين أن مساحة تقبل الأصوات المغايرة في الساحة الإعلامية في مصر تتآكل.

كانت حملة التضييق على الإعلام قد بدأت بإغلاق قنوات فضائية إسلامية بدعوى أنها تدعم الإرهاب. بعد ذلك تم استهداف الأصوات المعروفة بمعارضتها للنظام مثل مقدم البرامج الساخرة باسم يوسف، الذ تنقل برنامجه بين قنوات مختلفة قبل توقفه نهائياً. هذا بالإضافة إلى مقدمي البرامج الحوارية الذين توقفوا عن الظهور بعد ازدياد الضغوط عليهم مثل دينا عبدالرحمن، ريم ماجد، ومؤخراً يسري فودة.

تختتم عبدالله قائلة: “الموجة الأخيرة مقلقة للغاية، لأنها توضح أنه ليس شرطاً أن تكون إسلاميًا أو معارضًا بشدة ليتم منعك، حتى الشخصيات المعارضة بدرجة محدودة يتم منعها. الرسالة هي أن التغريد و لو بنغمة واحدة خارج السرب لم يعد مسموحًا”.

اعلان
 
 
هبة عفيفي