Define your generation here. Generation What
سيناء.. بين الحلول الأمنية وتصعيد الخطاب الإعلامي

حالة من الغضب والتصعيد سيطرت على المشهد الإعلامي أمس، الجمعة، بعد مقتل ٢٥ فردا من القوات المسلحة وإصابة ٢٧ آخرين في عملية استهدفت كمين كرم القواديس جنوب غرب مدينة الشيخ زويد بشمال سيناء.

ساعات قليلة فصلت بين الإعلان عن الحادث وبدء مشاركة الخبراء الاستراتيجيين في البرامج التليفزيونية بالقنوات الفضائية المختلفة، لتتفق اقتراحاتهم على عدة نقاط؛ إخلاء منطقة شمال سيناء أو جزء منها، وإعلان حالة الطوارئ فورا، واللجوء للقضاء العسكري في محاكمة من يُلقى القبض عليه متهما بممارسة الإرهاب أو دعمه، واتخاذ تدابير أمنية مشددة في عموم البلاد لمواجهة ما وصفوه بمخطط الفوضى والضرب بيد من حديد على «الجماعات الإرهابية» للثأر من عملياتها.

لم تأت الاقتراحات السابقة من الخبراء الاستراتيجيين فحسب، بل اتفق معهم عدد من الإعلاميين الذين ذهبوا في بعض الأحيان إلى أبعد مما اقترحه ضيوفهم من العسكريين السابقين.

«مش عايز كلب ينزل يتظاهر في الجامعة أو أي مكان… يتحرق أي حد يقول حقوق إنسان… مطلوب محاكمات عسكرية لقادة الإرهاب، بطلوا طبطبة… مش عايز محاكمات عادلة وأريد أن أرى دماء وجثث للقصاص من كل الإرهابيين»، وردت العبارات السابقة على لسان أحمد موسى، مقدم برنامج “على مسؤوليتي” بقناة صدى البلد المملوكة لرجل الأعمال محمد أبو العنين، كجزء من مقدمة حلقة برنامجه أمس، قبل أن يستضيف اللواء السابق سامح سيف اليزل ليعلق على الحادث.

عبارات شبيهة جاءت على لسان الصحفي مصطفى بكري خلال حلقة برنامجه “حقائق وأسرار”، الذي يذاع على القناة نفسها، ركز فيها بكري على على من وصفهم بالمحرضين على الإرهاب سواء في الإعلام أو مواقع التواصل الاجتماعي، مضيفا أنهم «حقت عليهم اللعنة وحق علينا قتالهم». كما دعا أيضا إلى العودة لـ«أيام جمال عبد الناصر سنة ١٩٥٤»، مضيفا أن «الديمقراطية والبطيخ دول مينفعوش هنا»، واستطرد «ياترى الشامتين والكاذبين والأفاقين من صدعونا بالحديث عن الثورة وحقوق الإنسان سيستمرون في حديثهم، أين حمرة الخجل!».

واستبق عدد من الخبراء الاستراتيجيين القرارات التي تلت اجتماع مجلس الدفاع الوطني والتي شملت إعلان حالة الطوارئ في شمال سيناء لمدة ٣ أشهر، وفرض حظر التجول يوميا بين الساعة ٥ مساءً و٧ صباحًا، وإغلاق معبر رفح الحدودي لأجل غير مسمى. فطالب الخبراء وعدد من الإعلاميين بفرض حالة الطوارئ وحظر التجول.

وركز الخبراء على أهمية إخلاء منطقة شمال سيناء من المواطنين لإتاحة الفرصة للقوات المسلحة لمواجهة الجماعات المسلحة. فرهن سيف اليزل قدرة الجيش على «القضاء على الإرهابيين بإخلاء المنطقة من المواطنين»، وهو ما اتفق معه اللواءان السابقان محمود عطية وطلعت مسلم، في مداخلاتهما الهاتفية على قناة «أون تي في مباشر». بينما قال اللواء مجدي البسيوني، مساعد وزير الداخلية الأسبق، أنه لا ينبغي الانتظار لحدوث تفاهم أو مشاورات مع الأهالي حول نقلهم من شمال سيناء، مضيفا «مفيش تفاهم في مصلحة البلد… وهذا لمصلحتهم وأمنهم في النهاية».

وذهب اللواء محمد مختار قنديل إلى أبعد من ذلك، فبينما فسر أصحاب دعوة إخلاء شمال سيناء من السكان حديثهم بأنها لمنع اختباء العناصر المسلحة وسط المواطنين، مما يمنع إلقاء القبض عليهم أو مهاجمة البؤر الإرهابية من قِبل قوات الجيش، قال اللواء قنديل أن «الأهالي في سيناء متعاونون مع الإرهابيين، ولا يتعاونون مع الجيش. ومن يقال عنهم أنهم أبرياء هم من يأوون هؤلاء الإرهابيين ويحمونهم». ووجه قنديل اللوم إلى القوات المسلحة لعدم استخدامها الطيران للتعامل مع الإرهابيين، وحينما سألته مقدمة البرنامج عن إحتمالية سقوط ضحايا من المدنيين بسبب هذا الإجراء قال «ضحايا ضحايا.. إحنا نعمل إيه الناس بتوعنا بيموتوا»، وحين سألته مقدمة البرنامج عن رأيه في اقتراح إخلاء شمال سيناء من السكان رد قائلا «هنمشّي الناس إزاي من بيوتهم ومزارعهم؟… إذا السكان خايفين على نفسهم يمشوا.. لما كل واحد يعرف إنه هينضرب بالطيران وسيهدم بيته ومزرعته هيمشي».

وفي السياق نفسه طالب الإعلاميان موسى وبكري واللواءان سيف اليزل وعطية بإحالة المتهمين بجرائم الإرهاب في سيناء إلى القضاء العسكري، مشيرين إلى المادة ٢٠٤ من الدستور المصري الحالي، والتي تعطي القضاء العسكري اختصاص محاكمة المدنيين المتهمين بالاعتداء على المنشآت وأفراد القوات المسلحة.

علّق إسماعيل الإسكندراني، الباحث في علم الاجتماع السياسي والمتخصص في شؤون الحركات الإسلامية، على الاقتراحات بإخلاء منطقة شمال سيناء من المواطنين قائلا «أي تهجير في ظل احتقان الأهالي الحالي، سيخلق جيل ساخط على الدولة وسياساتها، وسيستدعي للذاكرة الجماعية مشهد تهجير الفلسطينيين أثناء النكبة، مما سيرسخ أوجه التشابه بين الجيش المصري وجيش الاحتلال الإسرائيلي، وكذلك مشهد تهجير أهالي النوبة».

مضيفا أن «التهجير سيكون ظلم لا يمكن رفعه، أو رد آثاره لاحقا».

يكمل الإسكندراني «لا يمكن قياس الوضع الحالي بما تم من تهجير لأهالي مدن قناة السويس سنة ١٩٦٧. فما حدث مع النكسة كان سببه الرئيسي هو القصف الإسرائيلي لمدن القناة مما كان يستوجب معه نقل السكان لحمايتهم. أما الوضع في سيناء فهو أمر مختلف، نحن نتحدث عن إخلاء المنطقة لتوسيع العمليات العسكرية ضد أنصار بيت المقدس وهو أمر مختلف تماما».

ويقول الباحث، الذي قضى عدة أشهر في سيناء سنة ٢٠١٣ للبحث في شؤون الجماعات المسلحة هناك، أن الإرهابيين سيكونون المستفيدين من تهجير الأهالي، حيث ستصبح هذه المناطق مرتعا لهم بعد إجلاء الأهالي عنها. مضيفا أن هناك مناطق بالفعل في شمال سيناء بالقرب من الشريط الحدودي غادرها أهلها وأصبحت مرتعا للإرهابيين، بحسب وصفه.

ويطرح حلا بديلا وهو تكثيف التعاون مع الأهالي واستعادة ثقتهم، يقول الإسكندراني أن الأهالي بالفعل عرضوا منذ ٢٠١٢ مبادرات لتأمين مناطقهم وإخلائها من العناصر الإرهابية عن طريق تشكيل لجان شعبية لحفظ الأمن داخل القرى، لكن الأهالي طلبوا في المقابل، بحسب إسماعيل، تأمينهم وتمييز سيارات هذه اللجان كي لا يتم استهدافها، وكذلك وقف استهداف الأهالي سواء بالحملات الأمنية أو بـ«القصف العشوائي» الذي يطالهم، ويضيف هنا أن القيادات الأمنية رفضت هذه المبادرة ومبادرات أخرى.

يرى الإسكندراني أن هذه المبادرات كانت نقطة القوة الوحيدة التي كان من الممكن أن يتمتع بها الجيش إلا أنه رفضها، ويستطرد أن الأهالي متضررين من العناصر الإرهابية لما يلاقوه على أيديهم أو ما يعانونه من تبعات بسبب وجودهم بينهم، إلا أن الأهالي في الوقت ذاته، بحسب الإسكندراني، قد طالتهم قذائف وعمليات الجيش في سيناء.

يشير الإسكندراني في عبارته الأخيرة إلى الاتهامات الموجهة للجيش بالتسبب في مقتل عدد من المدنيين بسبب قصف الجيش لمناطق سكنية، كانت أخطرها ما حدث في أغسطس الماضي من سقوط قذيفتي هاون على منزلين، في واقعتين منفصلتين، أدتا إلى مقتل ٦ مدنيين وإصابة ٧ آخرين معظمهم من النساء والأطفال، فضلا عن واقعة إطلاق النار على سيارة في الشيخ زويد، قال الجيش في بيان رسمي أن راكبيها كانوا يحاولون اغتيال اللواء أحمد وصفي قائد الجيش الثاني وقتها قبل حذف بيان المتحدث العسكري من صفحته على فيسبوك، وأسفرت الواقعة عن مقتل طفلة وإلقاء القبض على قائد السيارة، وهي الحادثة التي أثارت شكوك عديدة، وتراوحت ردود أفعال الجيش تجاه هذه الوقائع بين الصمت أو نفي مسؤوليته عن الحادث.

وكان أحمد أبو دراع، مراسل «المصرى اليوم» فى سيناء، قد صرح فى إتصال تليفونى مع «مدى مصر» وقتها، قائلا: “كل شهود العيان وسكان القرى وأصحاب المنازل قالوا إن هذه قذائف من الجيش عن طريق الخطأ، لكن الجيش لم يعترف بأي من الضربات. لم يكن هناك أسباب تدفع الإرهابيين للضرب”، واختتم بأنه يرى أن كل الضربات كانت ضربات عشوائية مصدرها الجيش عن طريق الخطأ.

يرى الإسكندراني أن مثل هذه الحوادث المتكررة تكرس وجود أزمة بين أهالي سيناء والقوات المسلحة، وتجعل أي اقتراحات بنقلهم أو تهجيرهم غير مقبولة لعدد غير قليل منهم.

يطرح الإسكندراني وجود أزمة أخرى وهي مدى جاهزية الجيش واستعداده لمواجهة العناصر الإرهابية المسلحة في سيناء.

يقول الإسكندراني «يمكننا أن نرى نمطا متكررا من الأخطاء التي تؤدي في النهاية إلى استمرار سقوط ضحايا من الجيش والشرطة، مثل أسلوب نقل المجندين وتركهم يتحركون وحدهم في سيناء أثناء الأجازات»، مشيرا إلى أوجه الشبه بين واقعتي مجزرة رفح الثانية، في أغسطس ٢٠١٢، والتي راح ضحيتها نحو ٢٥ مجندا أثناء استقلالهم أتوبيس للعودة إلى مدنهم أثناء الإجازة، وواقعة قتل ٤ مجندين في شهر يونيو الماضي بنفس الطريقة.

ويضيف الإسكندراني أن «كمين كرم القواديس الذي أُستهدف أمس، هو كمين ثابت، ويشبه المعسكر بما يضمه من خيام لإقامة الجنود ومع ذلك تم استهدافه بهذه السهولة للأسف، ليسقط ضحايا جدد ينضمون لمن يسقطون كل شهر».

«كل ما تم اقتراحه أمس من الخبراء الاستراتيجيين يحدث بالفعل. فحظر التجول قائم بشكل غير معلن أو رسمي منذ سبتمبر الماضي، وهناك مناطق بالفعل غادرها أهلها أو طُلب منهم مغادرتها، وحتى المحاكمات العسكرية للمتهمين بالاعتداء على الجيش قائمة.. ومع ذلك فكل هذا لم يجدى مع الجماعات الإرهابية»، هكذا لخص الإسكندراني وجهة نظره، ليضيف «نحتاج إلى استراتيجيات وتكتيكات جديدة قادرة على التعامل مع تطور تكتيكات العناصر المسلحة».

اعلان