المتاحف الفنية المصرية: بعيدة عن العين، بعيدة عن القلب

في شارع محمود باشا سعيد المزدحم بالمحال التجارية، بمنطقة جناكليس بالإسكندرية، يختبئ قصر حجري مبني على الطراز الإيطالي يضم بعضًا من أثمن الكنوز في مصر. لا يحتوي هذا المبنى على تماثيل فرعونية أو مومياوات، لكنه يحتوي على مجموعة تملكها الدولة لثلاثة من أهم فناني القرن العشرين.

ينقسم هذا القصر المعروف باسم مجمع متاحف محمود سعيد إلى ثلاثة طوابق؛ يستخدم الطابق الأرضي كمكان للتخزين، ويضم الطابق المتوسط مجموعة من أعمال الرسام المعروف محمود سعيد (1897-1964)، بينما يحتوي الطابق العلوي على مجموعة من أعمال الأخوين سيف وأدهم وانلي. ولقد سنحت لي فرصة لا تتكرر كثيرًا لمشاهدة هذه المجموعة الرائعة في بداية العام الجاري، بالإضافة إلى زيارة عدد من المتاحف الأخرى المقفلة. وأقول إنها فرصة لا تتكرر كثيرًا لأن المتحف مغلق أمام الجمهور منذ عدة سنوات.

من بين الأعمال المعروضة في متحف محمود سعيد جدارية ضخمة حجمها 2.7 x 4 أمتار بعنوان “افتتاح قناة السويس” (1947). قد تصل قيمة هذا العمل إلى عدة ملايين دولار أمريكي، حيث تم بيع لوحة محمود سعيد “الشادوف” (1934) الأصغر حجمًا (89 x 117 سم) بـ 2.4 مليون دولار في مزاد كريستي بدبي في عام 2010 ـ وكان هذا العمل يعد أغلى الأعمال الفنية العربية إلى أن كسرت الرسامة التركية الأردنية فخر النساء زيد هذا الرقم بعملها الذي تم بيعه بـ 2.7 مليون دولار عام 2013.

[افتتاح قناة السويس، محمود سعيد (1934)، متحف محمود سعيد]

كان العاملون في متحف محمود سعيد متعاونين ومفعمين بالحماس، وقد انتهزوا الفرصة لإرشادي كزائر بين هذه الأعمال الفنية الرائعة. ومع ذلك فإن الحالة التي تم تخزين تلك الأعمال عليها لم تكن كما ينبغي. في أحد المتاحف التي زرتها في القاهرة والإسكندرية، تم تخزين لوحات يبلغ عمرها مئة عام بشكل غير لائق على الإطلاق، حيث لا تستند الأُطُر الخشبية الثقيلة إلى بعضها بل إلى اللوحات نفسها، مما يترك أثرًا على اللوحة. وفي متحفٍ آخر كانت وحدة التكييف التي تقطر ماءً تنفخ الهواء على خلفية اللوحة بشكل مباشر، مما جعلها تتأرجح. لم يكن في أي من تلك المتاحف كاميرات مراقبة، وكان العديد من الأعمال الفنية مكشوفًا لعوامل التعرية.

إن قصر محمود سعيد ليس المتحف الفني الوحيد الذي تم إغلاقه. فهناك متحف آخر يضم مجموعة من أعمال النحات المشهور محمود مختار قد تم إغلاقه عدة مرات على مدار العقدين الماضيين لسنوات طويلة، إلى أن تمت إعادة افتتاحه في عام 2012. كما أن متحف الفن المصري الحديث مغلق هو الآخر منذ عام 2011، رغم تواجد العاملين به يوميًا. ولقد قام المسؤولون المصريون في يوم الإثنين 29 سبتمبر الماضي بافتتاح جزئي للمتحف، الذي يضم 12,000 عمل فني.

[البورصة، مارجرت نخلة (1945)، متحف الفن المصري الحديث]

قام النحات والرسام المصري آدم حنين، من مواليد 1929، بافتتاح متحفه الخاص في شهر يناير 2014 بمنطقة الحرانية بالقاهرة. أنشأ حنين هذا المتحف من أرباح مبيعات أعماله بدافع حبه للفن، ليسمح للزائرين بمشاهدة منحوتات ولوحات واحد من أشهر الفنانين بالشرق الأوسط.

وفي شهر أغسطس 2010 تلقى المجتمع الفني في مصر صدمة بعد خبر سرقة تحفة فان جوخ الفنية “زهرة الخشخاش” من متحف محمود خليل بالجيزة. كانت تلك اللوحة تقدر بخمسين مليون دولار، ولم تنجح محاولة استعادتها كما لم تتم محاسبة أي من المسؤولين. ولقد ترتب على حادث السرقة المشؤوم هذا إغلاق متحف محمود خليل أمام الجمهور، والذي يضم لوحات ومنحوتات لكبار فناني المدرسة الانطباعية مثل مونييه، ورنوار، ورودان، وجوجان. ولكي نكون منصفين، فإن سرقة الأعمال الفنية تحتل المركز الرابع في الأعمال الإجرامية المنظمة؛ فهي صناعة عالمية تقدر قيمتها بستة مليارات دولار سنويًا، ويشتغل بها لصوص محترفون يعملون في الخفاء.

ولطالما كان بعض من أهم المتاحف على مستوى العالم مستهدفًا بغرض سرقة الأعمال الفنية، بما في ذلك متحف اللوفر في باريس ومتحف فنسنت فان جوخ في أمستردام. وفي حالة مشابهة لسرقة متحف محمود خليل، تعرض متحف إيزابلا جاردنر في بوسطن إلى عملية سرقة محكمة في عام 1990، حيث تم الاستيلاء على 13 عملًا فنيًا، من بينها أعمال مهمة لرمبرانت وفيرمير. لكن على عكس ما حدث في متحف محمود خليل، تمت إعادة فتح متحف جاردنر بعد وقت قصير، وتخصيص جائزة مالية قدرها خمسة ملايين دولار لمن يقدم معلومات تساعد في استرجاع الأعمال المسروقة.

إن المتحف المغلق تنقطع روابطه بالمجتمع. فالأطفال حين يكبرون دون زيارة المتاحف لا يعبأون بما فيها. كما أن الأساتذة والطلاب والفنانين الصاعدين لا تكون لديهم فرصة الاطلاع على تلك الأعمال. وكلما طالت فترة إغلاق تلك الأماكن كلما قل الاهتمام بإعادة فتحها. بالإضافة إلى ذلك، لم يعد هناك فحص للحالة التي يتم تخزين تلك الأعمال عليها. إن المتاحف المصرية من شأنها أن تساهم في مجال السياحة الحيوي، حيث تعد مصدر جذب للسياح يشجعهم على قضاء وقت أطول بالبلد.

وفي نهاية الأمر لا تعد إعادة فتح المتاحف غاية في حد ذاتها. بل ينبغي لهذه المتاحف تجنب أخطاء الماضي باستخدام كاميرات مراقبة حديثة، ومرشدين محترفين، وإنشاء مواقع إلكترونية لها، والتحسين من مستوى الإضاءة وتصنيف الأعمال والقائمين عليها، وتقديم كتب وفهارس عنها، واستضافة المعارض لجذب الزوار بشكل مضطرد.

إن قيام الحكومة بإعادة فتح متحف الفن المصري الحديث خطوة هامة على هذا الطريق. لكن يجب أن يكون هناك الآن جهد جمعي من المصريين لزيارة تلك الكنوز والتعلم منها والترويج لها لدى أصدقائهم وأسرهم ومتابعيهم على مواقع التواصل الاجتماعي.

[أحلام في المسجد الأقصى، محمد رياض سعيد (1937)، متحف الفن المصري الحديث]

* الصور مهداة من الكاتب.

اعلان
 
 
سلطان القاسمي 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن