Define your generation here. Generation What

ماذا قال (جان تيرول) كي يحصل على نوبل للاقتصاد 2014؟

تؤكد النظرية الاقتصادية التقليدية على تفوق نظام السوق الحر (السوق التي لا تتدخل الدولة أو أي يد خارجية لضبطها) على باقي الأنظمة الاقتصادية، وهذا الدعم الذي يتلقاه نظام السوق الحر من هذه التنظيرات الاقتصادية يستند على مجموعة افتراضات تبدو منطقية كالبديهيات، أحد هذه الافتراضات هو أن المنافسة بين المنتجين تضمن أن يحصل المستهلك في السوق الحر على السلع بأعلى جودة وأقل سعر. وكبديهية، يبدو أن كثرة محلات البقالة في شارع ما سيؤدي إلى تنافسها في جذب الزبائن، وهذا التنافس سيُترجم لحرص كل محل على تقديم أفضل أنواع الجبن بأقل سعر ممكن، وهكذا لا يحتاج السوق الحر إلى تدخل الدولة أو أي أحد لدفع المنتجين لتحسين أساليب انتاجهم حتى يستطيعوا تقديم منتجاتهم بأقل سعر وأعلى جودة ممكنة.

يقف جان تيرول، الفرنسي صاحب نوبل للاقتصاد 2014، مع عدد ليس قليل من الاقتصاديين الذين يرون الطرح السابق مجرد تلفيق نظري وليس بديهية.

 

نظرية الألعاب:

تبلورت نظرية الألعاب قبل ميلاد تيرول بـ 10 سنوات على يد عالم الرياضيات المجري فون نيومان 1944، وهي نظرية مفادها أن الأطراف الاقتصادية كالمؤسسات الإنتاجية في أحيانٍ كثيرة تتخذ قراراتها وفقا لتوقعاتها عن قررات المؤسسات المنافسة.. كلاعب البوكر الذي يُقيّم قوة أوراقه بناءً على توقعه لقوة الأوراق في يد اللاعب الآخر، وسلوك اللاعبين هذا لا يجعل من المنافسة الإقتصادية ضمانه كافية للوصول لأفضل نتيجة ممكنة. يمكن شرح الأمر بالمثال الأبرز في نظرية الألعاب وهو معضلة السجين.

تخيل أنه تم القبض على شخصين واتهامهما بجريمة ما (وبغض النظر عن ارتكابهم الجريمة من عدمه). هذان الشخصان يواجهان مجموعة من الاختيارات ستحدد العقوبة التي ستقع عليهما، وهذان الشخصان المربوط مصير كل منهما باختيار الآخر لا توجد لدى كليهما فرصة للاتصال بالآخر لمعرفة اختياره.. والاختيارات هى:

 1- لو أنكر الشخصان (إنكار/ إنكار): سيحصلان على البراءة.
2- لو اعترف الشخصان (اعتراف/ اعتراف): سيحصل كل منهما علا 5 سنوات سجن.
3- لو أنكر أحدهما واعترف الآخر(إنكار/ اعتراف): الذي أنكر سيحصل على عقوبة مشددة 15 سنة سجن والمعترف سيحصل على سنتين فقط.

الاختيار وفقًا للمنطق الاقتصادي والطبيعي هو أن ينكر الاثنان ويحصلان على البراءة، ولكن الإحصاءات التي أجريت على اللاعبين في هذه اللعبة وعلى مواقف مشابهة في المجال الاقتصادي تفيد أن الشخصين غالبا ما يختارن الاعتراف، وهذا ما تفسره نظرية الألعاب بأن كلا الطرفين يأخذ قرراه بناءً على تصوره عن قرار الآخر. ولفهم سلوك اللاعبين هذا دعنا نفكر بطريقة واحد منهما ما دامت اختيارات الاثنين متماثلة.

أسوأ ما قد يجلبه الاعتراف لي هو 5 سنوات سجن، وذلك إذا اعترف الآخر، ويمكن أن يجلب الاعتراف لي سنتان فقط إذا أنكر الاخر، أما الإنكار فيمكن أن يلقي بي 15 عاما في السجن إذا اعترف الآخر.. وهكذا لا يفكر الطرفان أن الإنكار يمكن أن يجلب البراءة إذا اتفقا عليه. فمعظم اللاعبين يختار الاختيار الآمن (اعتراف / اعتراف) وفقا لعدم تأكده من دعم اختيار الآخر لاختياره، فيختفي الاختيار الأمثل غالبا.. هكذا تُكبَل الطاقات الإنتاجية للمؤسسات الاقتصادية، لأنها لا تأخذ قراراتها بهدف الوصول لأفضل نتيجة ممكنة (إنكار/ إنكار) ولكنها تأخذ القرارات (اعتراف/ اعتراف) والتي لا تضعها في مأزق إذا قرر اللاعب الآخر أخذ القرار العكسي. ومعضلة السجين ليست هي النوع الوحيد من الألعاب التي يمكن أن تعْلق به المؤسسات الإنتاجية والتي تمنع ـ أي الألعاب ـ المنافسة من مزاولة التأثير الإيجابي على نشاط ونتائج تلك المؤسسات.

 

جان تيرول ونظرية الألعاب :

(تيرول) يثبت فشل السوق الحر رياضيا، أو فشل المنافسة في دفع المنتجين إلى تقديم منتجاتهم بأقل الأسعار وأعلى جودة كما تدعي التنظيرات الاقتصادية الكلاسيكية والنيوكلاسيكية.. ولكن ليس هذا هو الإسهام الذي استحق (تيرول) نوبل عليه.

فنظرية الألعاب التي تطور نماذج رياضية تثبت انحراف سلوك المؤسسات الإنتاجية عن السلوك الأمثل أو الكفء تم بلورتها قبل ميلاد (تيرول) على يد (فون نيومان) عام 1944، وقد نال جائزة نوبل عن تطوير النظرية نفسها عالم الرياضيات (جون ناش) الذي جسد قصة حياته الممثل (راسل كرو) في فيلم beautiful mind، حتى أن البنتاجون أسس في أعقاب الحرب العالمية الثانية شركة تسمي rand وظيفتها القيام بابحاث علمية “لزيادة رفاهة الشعب الأمريكي وأمن الولايات المتحدة” وقد ضمت الشركة إلى جانب (نيومان) و(ناش) مجموعة من ألمع علماء الرياضيات مثل (ميرل فلود) و(ملفين دريشر) الذين انصب جهدهم في ذلك الوقت على تطوير نظرية الألعاب واستخدامها في تطبيقات اقتصادية وعسكرية.. فما الجديد الذي يمكن أن يقدمه (تيرول) في وسط هذا الاهتمام القديم والمكثف بهذه النظرية؟

يرى (تيرول) أن الشركات الأكثر تأثيرا على رفاهتنا وحياتنا بشكل عام هي شركات احتكارية، أو بتعبير أدق اقتصاديا شركات تعمل في سوق احتكار القِلة (سوق مقسمة على عدد قليل من الشركات الكبيرة) مثل شركات تكنولوجيا المعلومات وشركات الطاقة، وفي الحالة المصرية مثل شركات اتصالات المحمول الثلاث، وفي هذا النوع من الأسواق ـ سوق احتكار القِلة ـ يظهر بشكل حتمي سلوك اللاعبين السابق ذكره في معضلة السجين.. وهذا يعني من ناحية أن هذه الشركات يصعب أن تستخدم طاقاتها الإنتاجية بأقصى حد، مما يقلل من جودة المنتج، لأنهم غالبًا لن يختاروا (إنكار/ إنكار) بل سيختاروا (اعتراف/ اعتراف)، ومن ناحية أخرى تستطيع هذه الشركات إبقاء أسعار منتجاتها عالية بشكل مصطنع، لأن المنافسة بينهم تأخذ أشكالا منحرفة عن التصور الاقتصادي النظري، فلا تضغط المنافسة على الأسعار للهبوط.. ومن هنا تأتي ضرورة التنظيم أو التدخل الحكومي كما يراه تيرول.

ظلت نظرية الألعاب يغلب عليها الطابع التفسيري قبل تيرول.. أي أن معظم تطبيقاتها كانت لتفسير الانحرافات السلوكية للمؤسسات الإنتاجية التي علقت في اللعبة أو حتى للتنبؤ بسلوكيات المؤسسات الإنتاجية أو الأطراف العسكرية العالقة في اللعبة.. في حين ينصب جهد (تيرول) الأساسي على استنباط اللوائح والتنظيمات اللازمة لإخراج المؤسسات الإنتاجية من ألعابها الاحتكارية.. فهو يحاول أن يقرب نظرية الألعاب ذات الطابع التفسيري إلى شيئ أكثر تطبيقية يمكن أن يعطي إشارت بالوقت الذي يجب أن تتدخل فيه الحكومة لضبط السوق واللوائح اللازمة لضبط سلوك المؤسسات الإنتاجية غير التنافسي أو الاحتكاري.

ولأنه يصعب تلخيص النماذج التنظيمية التي يقترحها (تيرول) يمكن إجمال إسهامات الرجل في أنه مناهض للاحتكارات ومؤيد لتدخل الدولة ولكن بشكل رياضي.. فهو طوَّر نماذج رياضية لإثبات أن حالات المنافسة السائدة في الشركات الصناعية الكبرى والنظام المالي لا يمكن أن تأخذ السوق إلى تحقيق الرفاهية المنشودة والمزعومة نظرياً، كما أن نماذجه الرياضية والنظرية تهدف بشكل أساسي للإجابة على سؤال: متى تتدخل الدولة وبأي لوائح يمكنها تنظيم فوضى السوق التي تحدثها الشركات الضخمة؟

وبغض النظر عن مدى جذرية الحلول التي يقترحها (تيرول) لمشاكل السوق الحر، وبغض النظر عن مدى جوهرية رؤيته لمشاكل السوق الحر وهل هى مشاكل تنظيمية فقط؟.. بغض النظر عن كل هذه الأمور الهامة التي لا تتسع لها هذه المساحة التي أفضل تخصيصها لعرض أفكار الرجل وليس تفنيدها.. فإن (تيرول) يعد الاقتصادي الـ 17 الذي يحصل على نوبل من فريق فشل الأسواق أو الفريق الذي يرى في الأسواق الحرة الخالية من التدخل الحكومي أداة سريعة للوصول إلى كارثة، الاقتصادي الـ 17 في مقابل 28 اقتصاديًا من مدرسة شيكاغو، والذين يرون في الأسواق الحرة الآداة الأكثر تفوقا للوصول بالبشرية إلى بر الرفاهة. ويعد (تيرول) ثاني اقتصادي على التوالي من مُنَظّري فشل الأسواق يحصل على نوبل بعد (شيلر 2013)، وربما يعكس هذا التوالي ميلًا سياسيًا أو أكاديميا للتشكك في قدرة السوق الحر على تنظيم نفسه بدون تدخل حكومي.

اعلان