لا زال صدى الكارثة معنا إلى اليوم

اليوم يصادف الذكرى الثانية والعشرون لكارثة زلزال 12 أكتوبر 1992 الذي ضرب وسط مصر وأدى إلى تدمير آلاف المنازل وتشريد الآلاف من الأسر. فكانت مصر آنذاك غير مستعدة لمثل هذه الظاهرة الطبيعية، والتي أدت إلى كارثة إنسانية راح ضحيتها أكثر من ٥٦١ شخص، غالبيتهم لقوا مصرعهم أسفل أنقاض مبانٍ قديمة مشيدة من الطوب اللبن أو الحجر، وأيضًا مبانٍ جديدة من الخرسانة المسلحة. منهم من عجز الأهالي وأفراد أجهزة الحماية المدنية عن إخراجهم نظراً لضعف الإمكانيات والخبرات للتعامل مع أنقاض عمائر كانت تعلو لعدد من الطوابق فوق سطح الأرض. قلت الخبرة أدت أيضًا إلى مصرع العديد من المحبوسين الأحياء أسفل كتل الخرسانة، حيث استعان المنقذون بحفارات كانت تغطى على أصوات المستغيثين أثناء تحريكها الأنقاض والحفر بينها. ولكن كان البديل، وهو الحفر اليدوي، يستغرق الكثير من الزمن مما كان يقلل من فرص العثور على الضحايا أحياء.

مصر لم تكن مستعدة. نسبة أخرى من شهداء الكارثة توفت نتيجة الذعر وعدم الاستعداد والتوعية. لقى ٤١ طفل حتفهم فى ثلاث مدارس بحى شبرا بالقاهرة نتيجة الهرولة والتسارع للهروب من الفصول، التي لم تنهار. كانت هناك معجزات أيضًا، مثل خروج أكثم السيد إسماعيل حيًا بعد دفنه هو وأسرته لأكثر من ثلاثة أيام أسفل حطام عمارة كانت قبل الساعة  3:10، يوم 12 أكتوبر 1992، مكونة من 14 طابق. ولكن رغم كتابة عمر جديد له، كان عمر غير مكتمل دون زوجته وابنته ووالدته الذين عاش معهم آخر لحظات حياتهم في ظلام الحطام.

من كُتب لهم عمر جديد مثل المهندس أكثم، سرعان ما وجدوا أنفسهم في عالم موازي منزوع منه الاستقرار والسكينة التي كان يوفرها لهم مسكنهم. فأكثر من 10 آلاف أسرة أصبحت بلا مسكن خلال نصف دقيقة من الاهتزاز الأرضي، والذي أدى إلى انهيار نحو 5000 منزل وتضرر 11500 آخر. تركز جزء كبير من الدمار في قرى الجيزة خاصة منشأة فاضل والعطف والبدسا والبليدة بمركز العياط، والتى دمرت غالبية منازلها نظرًا لقربها من مصدر الزلزال. تأثرت أيضًا قرى بني سويف والفيوم خاصةطامية، ولكن تمركزت جهود الإغاثة بالقاهرة نظرًا لكثافة الدمار، ولكونها عاصمة الدولة. انتقلت نسبة كبيرة من المشردين ليبدأوا حياة جديدة في وحدات حكومية بمناطق سميت بـمساكن الزلزال، أشهرها بحى المقطم، وأخرى بالمدن الجديدة خارج القاهرة، ليست جميعها بدون مشاكل.

السؤال اليوم هو؛ هل تلقنا الدرس الأليم والذي قدمت نحو 600 روح حياتها له لتستفيد منه الأجيال الجديدة؟

للأسف، لا، فلا زال صدى زلزال أكتوبر 92 يضرب مصر بصفة دورية. فخلال عام 2012-2013 لقى ثلث عدد ضحايا زلزال 92 مصرعهم (192 شخص) نتيجة الانهيار التلقائي لأكثر من 390 عمارة أو منزل، وتشردت أكثر من 800 أسرة. تشبه ساحات كوارث انهيار هذه العقارات ساحات كارثة زلزال 1992، فلا يزال الأهالي هم أول من يقوم بأعمال الإغاثة وآخر من يترك الساحة، فيما استدعى الأمر في عدد من الحوادث لجوء السلطات المحلية لفرق إنقاذ من القوات المسلحة لمباشرة أعمال الإغاثة.

تفيد الإحصاءات أن ثلث هذه الحوادث يرجع لقدم وتهالك المبنى. قد يرجع تدهور الحالة الإنشائية لنسبة غير قليلة من هذه المباني لزلزال 1992، فيوجد من صدر له قرارات بالترميم منذ ذلك الحين ولم تنفذ، فيما لا زال هناك أكثر من 225 ألف قرار ترميم لمنازل تسكنها نحو 600 ألف أسرة “حبر على ورق، لم تباشر الأجهزة المحلية تنفيذها ولم يقم الشاغلين بتنفيذها سواء لعدم مقدرتهم المالية، فالكثير من المباني المتهالكة يسكنها الفقراء، أو امتنع أصحاب العقارات عن تنفيذها لإجبار المستأجرين تحت قانون الإيجار القديم على إخلاء المسكن. المباني التي لا يتم ترميمها سرعان ما تصبح مبانٍ آيلة للسقوط، ولدينا رصيد كبير من هذه المباني يصل إلى 65 ألف عقار تمثل خطر داهم على نحو 200 ألف أسرة.

في الذكرى الثانية والعشرون لكارثة زلزال أكتوبر 1992، نتساءل: لماذا تُجبر عشرات الآلاف من الأسر المصرية على أن تقبل السكن بمسكن غير آمن؟ ونتساءل: لماذا لا توجد خطة لحماية هذه الأسر من خطر الانهيارات التلقائية؟ كما نتسأل: في حال لا قدر الله وقوع كارثة، هل نحن مستعدون؟ أرجو أن نكون توصلنا لإجابات لهذه الأسئلة قبل الذكرى الثالثة والعشرين لكارثة زلزال أكتوبر 1992.

اعلان