Define your generation here. Generation What

كيف وصف البنك الدولي أحوال المصريين

استخدم النظام السابق تعبير “النهضة” ليعطي إيحاء للمواطن العادي أن متاعبه الاقتصادية شارفت على الإنتهاء مع نهوض الاقتصاد من سباته العميق، وكانت “المشروعات القومية” هى أبرز أدوات الدعايا الاقتصادية للنظام الحالي لتحقيق الهدف نفسه، ومن قبلهما كان العبور الجديد والزهزهة والرخاء والاشتراكية العربية وغيرها، تعبير عن محاولات لاستنهاض هذا العملاق النائم، بينما تنقل لنا دراسة جديدة ومهمة للبنك الدولي عن مصر خبرين، الجيد منهما أن الاقتصاد سبق أن قام وكان في منتهى النشاط عدة مرات عبر العقود الماضية، أما الخبر السيئ فهو أن المواطن المصري لا يستفيد من هذا النهوض لأسباب تتعلق بطريقة إدارتنا للاقتصاد ولاستحواذ “المتنفذين” على نصيب مهم من الكعكة الاقتصادية.

ربما أول ما يلفت انتباهك في دراسة البنك الدولي، الصادرة تحت عنوان “وظائف أكثر.. وظائف أفضل.. أولوية لمصر”، هو أنها لا تتحفظ على سياسات التأميمات الناصرية، على عكس الاعتقاد الشائع بوجود خلاف عقائدي حول تلك القضية، فهى تشير في معرض تقييمها لتلك الحقبة إلى أن سياسات التصنيع المعتمدة على الدولة قادت إلى معدلات نمو قوية للناتج الإجمالي، تجاوزت 6% خلال تلك الفترة، ولكنها اعتبرت أن تلك السياسات “لم تكن فقط ضد القطاع الخاص، ولكن كانت منحازة ضد الإنتاج كثيف التشغيل للعمالة”.

يضع البنك الدولي يده على أول خيط المشكلة المصرية بهذا التعبير، فالحديث عن أن بناء هيكل اقتصادي يقوم على التشغيل الكثيف هدف غائب عن السياسات المصرية، سيظل متكررا في تقييم المؤسسة الدولية للاقتصاد المصري عبر العقود التالية، فبالنسبة للاقتصاد الناصري يرى البنك أنه ركز اهتمامه على تطبيق سياسات إحلال الواردات، بمعنى الاستغناء عن الواردات الأجنبية في مجالات كالصلب والأسمدة والكيماويات بصناعات وطنية، وكذلك تنمية الصناعات الاستهلاكية المتقدمة تكنولوجيًا مثل التليفزيونات والسيارات والأدوية، دون أن يراعي تعزيز تنافسية تلك الصناعات بما يضمن استدامتها، فـ “على عكس ما فعلته دول شرق آسيا بعد 10 سنوات، لم تقم (السياسات الناصرية) بدعم تنافسية المنتجات المصرية في الأسواق الخارجية. بالعكس، بين أعوام 1948 و1973 تراجع نصيب الصادرات المصرية من التجارة العالمية من 1% إلى 2%”.

ويقول البنك إنه بالرغم من أن المنتجات المحلية تم إحلالها بنجاح محل العديد من المنتجات الأولية والاستهلاكية المستوردة، فمصر أصبحت معتمدة على استيراد السلع الرأسمالية (التي تستخدم في الإنتاج). وفي هذا الوقت كانت مصر تبيع بصعوبة منتجاتها في الأسواق الدولية، لذا اضطرت أن تستخدم احتياطي النقد الأجنبي لتمويل الواردات، و”بعد هزيمة مصر في معركة الأيام الستة سنة 1967، أصبح واضحًا أن مصر اقتربت من الإفلاس، والقطاع الخاص قد اختفى تقريبا”.

عدم وجود الهيكل الاقتصادي المؤهل لتشغيل العمالة لا ينفي أن معدلات البطالة كانت منخفضة للغاية خلال حكم ناصر، وهو ما يعزى إلى الالتزام الذي وضعته الدولة على نفسها لتشغيل الخريجين، سواء في قطاع الأعمال العام أو في جهازها الإداري الضخم، وهو ما راكم مشكلات تضخم العمالة في قطاعات الدولة بعد ذلك.

وتنتقل بنا الدراسة إلى سياسة الانفتاح الساداتية التي سعت إلى تقديم امتيازات للمستثمرين الأجانب لجذب رؤوس أموالهم، ولكنها حافظت على تدخل الدولة في العديد من المجالات الاقتصادية، وهو ما شجع المؤسسات غير الكفئة اقتصاديا على الاستمرار في سياساتها، فعلى مستوى سياسات سعر الصرف، على سبيل المثال، كانت مقسمة لثلاثة أسعار: الأفضل لشركات الدولة في الصناعات الاستراتيجية والثاني لباقي شركات الدولة والأعلى للشركات الخاصة.

كما أن “الواسطة” شجعت الكثير من رجال الأعمال الجدد، من أصحاب العلاقات القوية مع السلطة، على الاستثمار في الأنشطة كثيفة رأس المال وليس كثيفة العمالة، لأن علاقتهم بالسلطة كانت تضمن لهم عدم التعرض للإجراءات المتعسفة من السلطة، الأقرب للتأميمات، وهو ما يجعل الأنشطة كثيفة رأس المال مغرية للاستثمار، كما يقول البنك.

وفي الفترة من 1973 إلى 1976 حققت مصر معدلات نمو اقتصادي قوية لتصل إلى 14.5% عام 1976، ولكن تلك المعدلات كانت “استثنائية” لأنها اعتمدت بدرجة كبيرة على زيادة اسعار النفط والغاز عالميا، وهو ما زاد من قيمة الصادرات المصرية.

وتقول المؤسسة الدولية أنه، بعكس الاعتقاد الشائع عن فترة الانفتاح، فإن مصر كانت غير قادرة على جذب استثمارات أجنبية كبيرة وأصحاب رؤوس الأموال المحليين كانوا مترددين حول الاستثمار في الصناعة المحلية، أما الصناعة المحلية القائمة فكانت تتجه للعجز وتحتاج للاعتماد على الدعم، و”خلال السبعينات والثمانينات كان القطاع الصناعي يتدهور”.

وبنهاية السبعينات كانت الملامح الاجتماعية للاقتصاد الناصري تتآكل تمامًا، حيث يرصد البنك معدلات البطالة التى ارتفعت من 1.5%  من القوى العاملة سنة 1972 إلى 5.2% سنة 1980.

“بدا أيضًا أن سياسات مبارك ناجحة” كما يعبر البنك عن الحقبة التالية التي اتسمت بسياسات منح الامتيازات للمستثمرين، من تقديم إعفاءات ضريبية وإنشاء مناطق حرة، وهي المزايا التي استمرت في التدفق على من يتمتعون بعلاقات مع الدولة، إلى جانب تخفيض سعر العملة المحلية الذي حفز نشاط التصدير، وحقق النمو الاقتصادي متوسط 6.8% خلال الفترة من 1981 إلى 1985، ولكن بحلول النصف الثاني من الثمانينات كان مبارك في مواجهة أزمة انخفاض اسعار النفط عالميا والتي خنقت مشروعه الاقتصادي وأجبرته على سياسات تقشفية عنيفة في مطلع التسعينات، ووصل معدل البطالة لأول مرة على الإطلاق إلى 9.6% من القوى العاملة.

شهدت البلاد انطلاقة اقتصادية خلال منتصف التسعينات، واستفاد رجال أعمال من “الواصلين”، كما يصفهم البنك، من فتح قطاعات كانت مغلقة أمام الاستثمار مثل الاتصالات والموانيء والمطارات والأسمنت، وفي عام 2004، مع صعود نجم مبارك الابن، توسعت إجراءات التحرر الاقتصادي، ربما “أكثر حدة من أي وقت مضى منذ عهد ناصر”، بحسب وصف البنك، وتصف المؤسسة الدولية مشهد الاقتصاد المصري بحلول عام الثورة، 2011، بقولها إنه كان هناك “عدد كبير من القطاعات يهيمن عليه الشركات الخاصة التي تستحوذ على أوضاع احتكارية ، .. مجموعة صغيرة من الأفراد والعائلات عبر الملكية المباشرة والإدارة المشتركة والعلاقات الإدارية عملوا على السيطرة على قطاع كبير من الاقتصاد”.

ربما تفسر لنا تلك الصورة لشبكة علاقات المتنفذين لماذا تجاوز النمو الاقتصادي في مصر الـ7% قبل عام من الأزمة المالية، واستمرت الضغوط الاقتصادية على المواطن العادي، تلك الضغوط التى تضاعفت مع تعدد الأزمات من اضطراب الأسواق العالمية إلى تأثير الاضطرابات السياسية إلى تلك الثورة على الوضع المحلي، ويقول البنك إن 20% فقط من 1683 من الشركات العائلية الصغيرة تم حصرها في مسح عام 2006 استطاعوا الاستمرار في العمل حتى 2012، واتسمت تلك الفترة باتساع سوق العمل غير الرسمي وانتشار ظاهرة الوظائف غير الثابتة أيضا.

وقد زاد هامش الوظائف غير الرسمية للسكان بين 25 إلى 29 سنة، من 36% سنة 1998 إلى 46% في 2006 ثم إلى 55 في 2012.

قد لا تعبر قطاعات واسعة من المصريين عن إحساس بالسخط من الأوضاع الاقتصادية مثلما كان الحال قبل الثورة، وهو ما قد يعود إلى حالة الإنهاك التي يعاني منها الشارع المصري، وإلى الأمل لدى البعض في قدرة السلطة الجديدة على التغيير، ولكن الترقب بين المصريين لن يدوم طويلا إذا استمرت الرؤية غير واضحة، فضجيج آلة الدعاية الإعلامية لن يدوم للأبد.

اعلان