Define your generation here. Generation What
جواهر السينما المصرية: بين السماء والأرض
 
 

لسنوات تلت ثورة 23 يوليو، كانت السينما المصرية تنتج أفلاما عن هذه الفترة تُرسخ فكرة “ارفع رأسك يا أخى فقد مضى عصر الاستعباد”.

فيلمي “رد قلبى” لعز الدين ذوالفقار، إنتاج 1958، و”الأيدى الناعمة” لمحمود ذوالفقار، إنتاج 1964، يعتبرا أمثلة واضحة لهذه النوعية التى تُمجِّد الثورة وما تمثله من قيم وأفكار، كانت هذه الأفلام غالبًا ما تُقدِّم المَلَكية وما تمثله فى صورة سلبية وكريهة.

فيلم “بين السماء والأرض”، إنتاج سنة 1959، للمخرج صلاح أبو سيف هو أحد هذه الأفلام. تدور الأحداث فى عمارة “لو بون” على كورنيش الزمالك، المبنى صممه انطوان سليم نحاس لشركة تأمين فرنسية وانتهى منه فى عام 1952. ظهر المبنى فى أكثر من عمل فنى، ويُعرف بأن عددًا من السينمائيين يعيشون فيه.

فى مدخل العمارة الأنيق لافتة تقول “ممنوع دخول الخدم المصعد”، اليوم حار جدًا وبسبب تعطل أحد المصعدين، يتكون طابور طويل من الأشخاص المتعجلين والمتأثرين من شدة الحرارة أمام المصعد الآخر. يسمح العامل لـ 13 شخص بركوب المصعد، وهو عدد أكبر من اللازم. حشد يضم رجل فى منتصف العمر وزوجته الحامل، وفتاة فى سن المراهقة، ونشال، ومجنون هارب من مستشفى الأمراض العقلية، وعريس فى السبعين من عمره، وطباخ، وارستقراطى مُفلس، ومتحرش، وزوجة خائنة وعشيقها، ونجمة سينمائية وكلبها.

أحداث الفيلم جميعها تدور داخل المصعد، الذى يتوقف بين دورين بسبب الحمولة الزائدة، وبداخله 14 شخصًا، وكلب. بمرور الوقت ومع طول مدة احتجازهم داخل المصعد ووصولها لأكثر من ساعة، تتساقط أقنعة هؤلاء، فتتخلى الفنانة المشهورة ناهد شكرى (هند رستم) عن لكنتها الفرنسية المفتعلة وتسريحة شعرها الأنيقة وتبدأ فى صب لعناتها على الجميع، تنقلب الزوجة الخائنة ضد عشيقها، ويندم العريس ذو السبعين ربيعًا على فعلته، ويقسم أنه بخروجه من المصعد سيعود إلى زوجته وأولاده، لكن الموت يسبقه بعدة ثوانى، ثم يتوب النشال ويُعيد “غلة” اليوم إلى أصحابها، ظنًا منه أن الموت قريب.

المصعد هو “مصر” مصغرة، ببرجوازيتها المتهالكة آنذاك. صعود الطبقة العاملة الناتج عن الثورة يظهره بوضوح الديالوج الكوميدى بين الأرستقراطى (عبدالسلام النابلسى) والطباخ، ويقوم بدوره أمين وهبة.

“كل حاجة فى البلد دي ماشية غلط”، يقول الأرستقراطى فى نوبة غضب، فيرد الطباخ: “لو مش عاجباك سيبها”. وفى حوار آخر، يسخر الطباخ من عجرفة الأرستقراطى فيسأله بتهكم: “ليك صوتين فى الانتخابات وإحنا لينا صوت واحد؟”.

حراس العقار مثال آخر لتحول الطبقة العاملة فى تلك الحقبة، بينما كل ركاب المصعد يختنقون بداخله، كان كبير الحراس وزملائه يقرأون نتائج سباق الخيل فى الجريدة ويراهنون على الفرس الرابح، وهى تفصيلة أخرى لطبقة مقهورة تتفاعل لأول مرة مع الحرية.

“بين السماء والأرض” يظهر أيضًا مشاعر الكُره والعداء للأجانب التى اتسمت بها هذه المرحلة، من خلال عائلة أجنبية تنتظر خادمها المصرى الذى يتأخر وهو يأتى بـ”الديك من الفُرن”، ولكن فى الوقت نفسه يخافون من معاقبته حتى لا يقعوا فى مشاكل.

يبرز الفيلم أيضًا ظواهر مجتمعية جديدة بدأت في البروز فى تلك الفترة، تتمثل فى سائق التاكسى الذى يمتعض لعدم وجود فكة مع الراكب، والتحرش الذى ظهر فجأة فى شوارع مصر.

“هدوم نضيفة وقلوب وسخة”، قالها الطباخ كلما ظهر “بيه” داخل الصندوق الحديدى على حقيقته، الأرستقراطى، والحرامى، والخائنة، والمنتحرة، ومتعدد الزوجات.

يترك نجيب محفوظ أبطاله جميعًا بلا أسماء ليبرز تعاملاتهم اليومية، ويعطى اسمًا للممثلة المشهورة وكلبها المدلل فقط، لينتقد مجتمعًا سطحيًا تملؤه آفات أخلاقية. يسخر محفوظ من كل شيئ وكل شخص، وبالتعاون مع السيناريت سيد بدير يخلق سيناريو ساخر تبدأ أحداثه عندما تترجل الممثلة المشهورة من سيارتها والكاميرا مثبتة على مؤخرتها.

فى تلك المرحلة السينمائية، تميزت أفلام عديدة بوجود خلاف ساذج بين الخير والشر ـ ينتهى دائما لصالح الخير طبعًا ـ بينما ضم “بين السما والأرض” 14 خلافًا نفسيًا داخل صندوق حديدى صغير معلق بين السماء والأرض. أبطال الفيلم شخصيات واقعية من دم ولحم، كل منهم يعود إلى أخطائه السابقة بعد حصوله على حريته.

موقع التصوير غير الإعتيادى هو أحد إعجازات هذا الفيلم، فمدير التصوير وحيد فريد يبرع فى رصد إحساس الاختناق والخوف الحقيقيان اللذان يعيشهما الأبطال ونقلهما إلى المشاهدين فى تحفة فنية أبيض وأسود. أما الموسيقى التصويرية فهى مجنونة وساخرة تتناقض تماما مع الموقف الكارثى. الذى يرصده الفيلم الذى يصلح كوصفِ مثالي للكوميديا السوداء.

اعلان
 
 
أماني علي شوقي