Define your generation here. Generation What

ماذا حدث في المئة يوم الأولى؟

علي طريقة الديمقراطيات الغربية، إنشغل الكثير من المؤيدين والمعارضين لعبدالفتاح السيسي بدراسة ما حدث في المئة يوم الأولى من توليه الرئاسة، وبالرغم من الصخب الذي دار حول تقييم تلك الأيام المئة خاصة على الصعيد الاقتصادي، رأيي الشخصي أن حصيلة تلك الفترة تقريبًا لا شيء، وهذا أسوأ ما يمكن أن يحدث للاقتصاد.

على مستوي المؤشرات العامة للاقتصاد، فالعديد منها في وضع الثبات، كسعر الدولار في مواجهة الجنيه، والذي يؤثر مباشرة على تكاليف المعيشة، والذي ارتفع بشكل لافت في بداية شهر يونيو إلى مستوى 7.18، ثم استقر على هذا المستوى على مدار الأيام التالية، كذلك استقرت احتياطيات النقد الأجنبي بالقرب من 17 مليار دولار.

ويعود الفضل الرئيسي في استقرار العملة المحلية واحتياطات النقد الأجنبي إلى ما تدفق على مصر من مساعدات خليجية بعد التحولات السياسية للثلاثين من يونيو، فالمساعدات البترولية من الخليج استمرت في التدفق حتى أغسطس الماضي، وأعلنت الحكومة عن اتفاق جديد مؤخرًا، لتأمين مساعدات بترولية جديدة من الإمارات بـ 8.7 مليار دولار، قد تُطمئن تلك الأنباء المتعاملين الأجانب مع السوق المصرية مما يدفع العملة للاستقرار ويُمكّن الحكومة أيضًا من الاقتراض في سوق السندات وأذون الخزانة بفائدة مستقرة نسبيًا، ولكن الجميع يعلم أن هذا الوضع مؤقت، وينتظر من السيسي أن يقدم إجابة حاسمة بشأن الأزمات الاقتصادية المحلية .

كان السيسي حريصا من البداية على أن يرسل لمجتمع الأعمال الدولي رسالة مفادها إنه قادر على السيطرة على الوضع السياسي المحلي، مما يمكنه من تخطي محظورات السياسات الاقتصادية في مصر وتحديدًا في مسألة تحرير أسعار الطاقة. لقد كان لرفع أسعار الطاقة تأثيرا مباشرا على التضخم، وربما يكون هذا هو المؤشر الوحيد الذي شهد تطورا مهما في المئة يوم الأولى، حيث ارتفع التضخم السنوي من 8.2% في مايو الماضي إلى 11.4% في أغسطس، وبينما أثنى العديد من المؤسسات الدولية على رفع أسعار الطاقة في مصر معتبرين تلك خطوة على طريق حل مشكلات هيكلية في الاقتصاد المصري، كان العديد يتساءلون عن سر هدوء رد الفعل الشعبي على تلك الخطوة، وإمكانية استمرار الأوضاع على هذا النحو؟

ومن أهم ما يغذي الإحساس بالقلق حيال رد الفعل الشعبي لإجراءات تحرير دعم الطاقة هو أن الدولة لا تطبق إجراءات بنفس السرعة لتخفيف الآثار التضخمية لزيادة الأسعار، فتصريحات الحكومة في هذا الشأن بدت مرتبكة للغاية، بدءً من التصريح بأنها سترفع من عدد المستحقين لمعاش الضمان الاجتماعي من 1.5 مليون أسرة إلى 3 مليون أسرة، ثم الإشارة في البيان المالي للموازنة بأنه سيتم زيادة عدد الأسر المستحقة لمعاش الضمان إلى 2.3 مليون أسرة فقط، وحتى الآن لم يتم الإعلان عن تعديل قانون الضمان الاجتماعي بما يمكن من إدخال تلك الفئات الجديدة، بل وتصدر تصريحات عن وزارة التضامن الاجتماعي باعتماد مساعدات موازية لمعاشات الضمان تتمثل في دعم نقدي مشروط وغير مشروط ، تحت اسم “كرامة” و”تكافل” قد يتم فتح باب التسجيل فيهما بداية من نوفمبر المقبل، ولكن لا تزال كل تلك الأخبار غير مؤكدة.. الأمر المؤكد أن الاسعار ارتفعت والمواطنون لم يتلقوا أي تعويض حتى الآن.

ولكن ذلك الركود في الأحداث الاقتصادية لم ينعكس على عناوين الصحف خلال المئة يوم الأولى، فقد كان تدشين مشروع قناة السويس الجديدة مادة ممتازة للأقلام التي تبحث عن حدث كبير يحمل معني رمزيًا يعبر عن رؤية السيسي الاقتصادية، لكن بمرور أيام على بدء الحفر في المشروع لم تعد الاضواء مسلطة على القناة الجديدة، ولم ُيطرح بصورة معمقة العوامل التي بنت على أساسها الحكومة أن المشروع سيزيد إيرادات القناة إلى 13.5 مليار دولار، فقد اختطفت شهادات استثمار قناة السويس كل الأضواء .

خلال الأيام العشرة الأخيرة، من المئة يوم الأولى، كان الإعلام يلاحق العد التنازلي لنفاد الشهادات التي يبلغ إجمالي قيمتها 60 مليار جنيه، وعبرت عناوين الصحف عن إقبال المصريين على شراء الشهادات بوصفه عملًا وطنيًا يعكس تأييد المصريين لسلسلة المشروعات القومية التي أعلن عنها السيسي، لكن القليلين هم من اهتموا بأن يسألوا: لماذا تجمع الدولة تمويل المشروع عبر شهادات بفائدة مرتفعة نسبيا، 12% ، بدلًا من مصادر تمويلية اخرى أقل في التكلفة؟!

المفارقة الأكبر هى أن المئة يوم الأولى للسيسي بدأت بتصريحات شديدة اللهجة من الرئيس ضد ارتفاع عجز الموازنة المستهدف، ومطالبات حازمة بأن يقتصر على 10% من الناتج الإجمالي، وهو ما اضطر الحكومة لتقليص دعم المواد البترولية، وانتهت بتصريح هادئ لوزير المالية بأن العجز المستهدف سيرتفع إلى 11% من الناتج الإجمالي بسبب تكاليف مشروع قناة السويس، وإن كان الوزير قد أشار في تصريحات أخرى إلى أن الحكومة ستسعى لتخفيض الإنفاق في موازنة العام الحالي من عدة بنود بما يراوح بين 20 إلى 30 مليار جنيه لتعويض تكاليف المشروع، ولكنه لم يوضح تأثير ذلك على العجز.

قد يدفع البعض بأن الإنفاق على الاستثمار العام أفيد للاقتصاد من الإنفاق على الدعم، ولكن تحرير الدعم بدون الاستعداد الكافي بالإجراءات الإجتماعية التعويضية، له آثاره السلبية أيضا والمتمثلة في التأثير على القدرة الشرائية للمواطنين في وقت يعاني فيه الاقتصاد من التباطوء، وبصفة عامة أيًا كانت طبيعة الخيارات الاقتصادية للدولة خلال الفترة المقبلة، أتمنى أن تكون مدفوعة برؤية اقتصادية واضحة وليس بروباجندا سياسية تهتم فقط بامتصاص ردود أفعال الرأي العام.

اعلان