Define your generation here. Generation What

عندما يختفي السجناء

عمر عبدالمقصود وشقيقاه تعرضوا للاعتقال لخمسة أشهر. ألقى القبض عليهم في أبريل وسجنوا في قسم شرطة ميت غمر قبل أن تحكم المحكمة بإطلاق سراحهم منذ أكثر من عشرة أيام. دُفعِت الكفالة، وتم الانتهاء من الإجراءات المطلوبة، وبدلًا من اطلاق سراحهم، اختفى الأشقاء الثلاثة.

زعمت الشرطة أنها أطلقت سراحهم، ولكنها في المقابل أبقت عليهم محتجزين ومخبأين داخل متاهة الاعتقال فى مصر، بدون حتى تقديم مبرر قانوني. وأخيرًا ظهر الأشقاء بعد أكثر من أسبوع في قسم للشرطة في مدينة أخرى، يواجهون تهمًا جديدة لأفعال من المفترض أنهم ارتكبوها أثناء أيام حريتهم القليلة الوهمية.

حتى بالمعايير القاسية لنظام العقوبات في مصر، تبقى حالة عبد المقصود بارزة.

عمر عبدالمقصود، 27 عامًا، مصور صحفى لدى موقع “مصر العربية” الإلكتروني، اعتقل لأول مرة في فبراير أثناء تغطيته لسبوع الطفلة حورية، التي أخرجتها والدتها، دهب حمدي، للحياة أثناء تواجدها في الحبس، واحتلت عناوين الصحف عندما أشعلت صور الأم، وهي مكبلة اليد بسرير المستشفى، غضبًا شعبيًا عارمًا وأدت إلى إطلاق سراحها في نهاية المطاف.

كان عمر يصور الحدث عندما اقتحمت الشرطة المكان واعتقلت أغلب المتواجدين. تم اتهامه بالعمل لصالح «الجزيرة»، واعتقل لمدة 19 يومًا قبل إطلاق سراحه بدون تهم في 11 مارس.

بعد ما يزيد قليلا على الشهر، وفي 14 أبريل، اقتحمت قوات الأمن ـ التى يرتدي معظم أفرادها ملابس مدنية ـ منزل أسرة عبدالمقصود في ميت غمر. واعتقلت عمر وشقيقه الأصغر إبراهيم الذي يبلغ من العمر 21 عامًا. ولم تخبر الشرطة العائلة إلى أين سيأخذوا الشقيقان.

فى اليوم التالي، اقتحمت الشرطة المنزل مجددًا، واعتقلت هذه المرة “أنس”، 16 عامًا، أصغر الأشقاء الثلاثة. كما اعتقلت الشرطة أيضًا صديقه “عبدالمنعم متولي”، البالغ من العمر 17 عامًا، من الشارع.

تم نقل الأربعة إلى قسم شرطة ميت غمر، وتم اتهامهم بإحراق سيارات والانتماء لجماعة محظورة.

خلال الأيام الثلاثة الأولى من اعتقالهم خضع كل منهم لاستجواب وتعذيب وحشي في غرفة تُسمى “الثلاجة”. وفقًا لـ «أمنية مجدي» زوجة عمر، تعرض الأربعة للضرب والصعق المتكرر بالكهرباء.

حطم الحراس يد ومعصم عمر حتى تكسرت ساعة يده. وبعد مرور خمسة أشهر، ما زال عمر لا يستطيع الإمساك بالأشياء بشكل سليم، وفقًا لأمنية، ويبدو أن يده تعرضت لإعاقة دائمة. كما دهس الضباط قدماه العاريتان وداسوا بكعوب أحذيتهم على أصابع قدميه.

تقول أمنية: “عمر قال إنه لم يكن استجوابًا، إنما كان أشبه بـ : ستقول ما نُمليه عليك”.

تعرض أنس للصعق بالكهرباء بالقرب من عينه وأجزاء أخرى حساسة في جسده. وتم تعليقه إبراهيم في السقف من يديه وقدميه وضربه بشيء يشبهه الكرباج. أما عبدالمنعم، فهددته الشرطة باعتقال والدته وشقيقه البالغ من العمر 15 عامًا، في حالة عدم اعترافه.

أمرت النيابة باحتجاز الأربعة 15 يومًا تحت ذريعة أنهم على ذمة التحقيق، وهو القرار الذي تكرر كل أسبوعين طوال شهور. قدم محاميو الدفاع أدلة تثبت برائتهم ولكن دون فائدة.

كما هو الحال مع الآلاف من المعتقلين الآخرين، بقى الأربعة رهن الحبس الاحتياطى، وهي الآلية القانونية التي اختارتها السلطات المصرية لتحبس من تشاء لفترات طويلة دون الإحالة إلى المحاكمة.

في 12 أغسطس، أفرجت محكمة جنائية في المنصورة بكفالة عن عمر وشقيقيه وعبدالمنعم، لكن النيابة العامة استأنفت القرار وجُدد اعتقال الأربعة بدلًا من منحهم حريتهم. في الأسابيع التي تلت ذلك، أفرجت المحاكم عنهم بكفالة ثلاثة مرات أخرى. وكانت النيابة العامة تستأنف القرار في كل مرة ويقبع الأربعة في السجن. في المرة الرابعة، رفضت المحكمة أخيرًا استئناف النيابة العامة.

كان حكم 11 سبتمبر نهائيًا، وهو إطلاق سراح الأربعة بكفالة 5 آلاف جنيهًا لكل منهم.

ذهبت الأسرة لتسلم الأبناء بعد الحكم، ولكن مأمور قسم ميت غمر أخبر والدهم “عليّ” إنهم لن يتمكنوا من دفع الكفالة وأن يعود في اليوم التالي. وعندما عاد عليّ في وقت لاحق ليلًا في محاولة أخرى لدفع الكفالة، قال له المامور: “إنهم إرهابيين ولن يخرجوا”، وفقًا لأمنية.

نجحت الأسرة في دفع الكفالة يوم 13 سبتمبر، وبالتالي اكتملت الصيغة النهائية قانونيًا للإفراج عنهم. من الناحية الفنية أُطلق سراح الأربعة الآن على الورق، لكنهم مع ذلك سيبقون في الحبس.

عندما وصل الوالد إلى القسم مع الأوراق الجاهزة، قيل أن المأمور غضب وطرده، مخبرًا إياه أنه لم يتم الانتهاء من الإجراءات الضرورية. لم تثبط عزيمة “عليّ”، وعاد مجددًا في الليلة نفسها وتمكن من لقاء أبناءه وأخبرهم أنه تم الإنتهاء من إجراءات إطلاق سراحهم. وأخذ متعلقات السجن الخاصة بهم ـ الملابس، والكتب، والأموال ـ استعدادًا لعودتهم المرتقبة للمنزل.

أثناء عملية تبادل المتعلقات، مرر عمر رسالة لوالده، كتب فيها أنه سمع مصادفة الضابط والحراس يتحدثون عن إبقائهم معتقلين.

كتب عمر «لو اختفينا من القسم وحسيتوا إن في حاجة غلط يبقى إحنا رُحنا الأمن الوطني». وبالفعل اختفى الأربعة.

عندما وصل عليّ إلى قسم الشرطة في الصباح التالي، 14 سبتمبر، أخبره المامور إنه تم إطلاق سراح أبنائه الليلة الماضية، احتجت الأسرة ولكنهم تُركوا بلا إجابة.

قدمت الأسرة شكاوى ضد المأمور ورئيس الأمن الوطني، يتهمانهما بـ «الإخفاء القسري» و«الاعتقال غير القانوني». وأرسلت برقيات رسمية للنائب العام، وللمدعي العام فى المنصورة. ولم يفعل أحد شيئًا.

تقول أمنية: “لم نعرف ماذا نفعل. الجميع ـ الشرطة، والنيابة العامة، والقضاء ـ أخبرونا أنه تم إطلاق سراحهم. كيف؟”.

مؤخرًا، تلقت أمنية مكالمة هاتفية من زوجها عمر، في مساء يوم 21 سبتمبر، لتكون المرة الأولى التي تسمع الأسرة أي شيء عنهم خلال ثمانية أيام. كان عمر في مركز شرطة في السنبلاوين، التى تبعد حوالي 30 كيلومتر شمال شرق ميت غمر.

قال عمر إنه يوم 13 سبتمبر ـ اليوم الذي دُفعت فيه كفالتهم وتم الانتهاء من إجراءات إطلاق سراحهم ـ كبلت الشرطة أياديهم عند منتصف الليل وعصبت عيونهم وجمعتهم سرًا في شاحنة للشرطة. وتم اقتيادهم إلى قسم شرطة السنبلاوين، على الرغم من أنه قيل لهم أنهم كانوا في السويس. وظلوا هناك لثمانية أيام، أياديهم مكبلة بقضيب حديدي طوال الوقت عدا موعد الذهاب لدورة المياه مرة واحدة يوميًا.

أحد الضباط في المركز كتب تقريرًا يزعم إنه ألقى القبض على الأربعة يوم 21 سبتمبر على طريق يربط ميت غمر بالسنبلاوين بينما كانوا يشاركون في مظاهرة غير قانونية. التقرير الواهي المتكون من صفحة واحدة يزعم إنه كان هناك 100 شخص يتظاهرون وتم اعتقال الأربعة فقط.

أمرت النيابة العامة في 22 سبتمبر بحبسهم 15 يومًا على ذمة التحقيق في قائمة من التهم الجديدة تتضمن التظاهر غير القانوني وقطع الطرق.

يقول عمرو القاضي، محامي الأشقاء الثلاثة، إنه لم يرى شيئًا مثل هذا من قبل، مضيفًا: “أحيانًا يمكن أن تحتجز الشرطة معتقلين ليومين أو ثلاثة بعد دفع الكفالة، ولكنها تطلق سراحهم في نهاية المطاف”.

ويستكمل: “إن الشرطة لا تخفيهم، وتبقي عليهم في هذه الظروف، وتتهمهم مجددًا. أعتقد أن الأمن الوطني هو المسئول، فهو الهيئة الوحيدة التي بإمكانها القيام بهذا الأمر”.

يضيف القاضى أن الأربعة ظهروا في مكتب النيابة العامة يوم الإثنين “متهالكين، وفي حالة نفسية سيئة للغاية”.

وفي يوم الاربعاء، 24 سبتمبر، تم رفض طلب الطعن على احتجازهم.

وهم يقفون على أعتاب الحرية عاد الأربعة مجددًا إلى السجن وإلى دائرة الحبس الاحتياطى القدرية.

قضية عبدالمقصود هى فقط أحد الأمثلة الصارخة على الظلم المترامي الأطراف في مصر. آلاف وآلاف معظمهم من الشباب معتقلين، يقبعون تحت رحمة سجانيهم. تُقَلِص السلطات القانون إلى مناورة فارغة وإلى حالة من العبث. من وراء القضبان يشاهد المعتقلون السجن يقضي ببطء على حياتهم.

مثل آخرين كثيرين، يجب إطلاق سراح عمر، وإبراهيم، وأنس، وعبدالمنعم.

اعلان
 
 
شريف عبد القدوس