Define your generation here. Generation What
وقف طباعة عدد «المصري اليوم» يفتح ملف الرقابة على الصحف

“يعتبر سراً من أسرار الدفاع المنصوص عليها فى المادة 85 من قانون العقوبات الأخبار والمعلومات والبيانات والوثائق المتعلقة بالمخابرات العامة ونشاطها وأسلوب عملها ووسائلها وأفرادها وكل ما له مساس بشؤونها ومهامها فى المحافظة على سلامة وأمن الدولة وحفظ كيان نظامها السياسى ما لم يكن قد صدر إذن كتابى من رئيس المخابرات العامة بنشره أو إذاعته”.

قفزت المادة السابقة من قانون “١٠٠ مخابرات” للسطح في محاولة لفهم ما حدث مع جريدة المصري اليوم مؤخرا. حيث تداول عدد من الصحفيين العاملين بجريدة «المصري اليوم»، على صفحاتهم الشخصية بموقعي التواصل الاجتماعي تويتر وفيسبوك، خبر وقف طباعة عدد الأربعاء الماضي لحين رفع الحلقة السادسة والأخيرة من حوار «المصري اليوم» مع رجل المخابرات السابق الفريق رفعت جبريل. واضطرت الجريدة لاحقا إلى رفع الحوار من العدد وإعدام ٤٠ ألف نسخة كان قد تم طباعتها بالفعل.

المادة السابقة تُقيّد حق الإعلام والصحفيين في نشر أي معلومات يُرى أنها تمس المخابرات العامة وعملها. وتشرح الفقرة “أ” من المادة ٨٠ في نفس القانون العقوبات المفروضة في حالة مخالفة المادة السابقة «يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن ستة أشهر ولا تزيد على خمس سنوات وبغرامة لا تقل عن 100 جنيه ولا تتجاوز 500 جنيه.. ويتم تغليظ العقوبة إلى السجن إذا وقعت الجريمة فى زمن الحرب».

ونشرت «المصري اليوم» على ٥ حلقات حوارها مع الفريق رفعت جبريل، ضابط المخابرات المتقاعد، المتوفي سنة ٢٠٠٩. وكان محمد السيد صالح، مدير تحرير المصري اليوم، قد أجرى الحوار معه قبل عام ونصف من وفاته.

وفي مكالمة هاتفية أجرتها «مدي مصر» مع أحمد رجب، مدير تحرير بوابة «المصري اليوم»، قال إن المطبعة تلقت اتصالا هاتفيا من المخابرات العامة أمرت بوقف طباعة عدد الأربعاء، ١ أكتوبر ٢٠١٤، ولم تتمكن إدارة الجريدة من استئناف طباعة العدد إلا بعد رفع الحلقة السادسة من الحوار مع ضابط المخابرات المتقاعد الملقّب بـ«الثعلب»، إلا أن الكثيرون قاموا بنشر صورة مسربة للحوار على وسائل التواصل الاجتماعي.

وتعليقا على ما حدث قال أحمد عزت، المحامي الحقوقي، أنه لا يوجد أي من مواد القانون تعطي الحق للمخابرات أن تتدخل لوقف طباعة أي مطبوعة، فوقف الطباعة وضبط المطبوعات هو حق قانوني لمن يحملون صفة الضبطية القضائية فقط، وليس من بينهم المخابرات، مضيفا أن مثل هذه الإجراءات لا تستند إلى قوانين وإنما إلى تفاهمات داخلية وإدارية.

ويري رجب أن سبب انزعاج المخابرات العامة من الحوار أنه تم نشره دون الرجوع إليها، مضيفا: “هناك صراع على من يملك حق رواية التاريخ، والدولة تحاول إحتكار ذلك الحق”، وفقا لرجب فإن مشكلة المخابرات العامة مع الحوار بسبب اختلافه في عدد من النقاط عن الرواية الرسمية المعتمدة.

وأشار رجب إلى عدد من هذه النقاط التي جاءت في الحوار على لسان جبريل، ومنها أن عمر سليمان لم يكن يعمل بالمخابرات العامة قبل توليه رئاستها، وإنما بدأ عمله كضابط في القوات المسلحة ثم رأس جهاز المخابرات الحربية ومنها إلى المخابرات العامة. كما قال جبريل في حواره أن شخصية رأفت الهجان تم تقديمها دراميا بشكل براقا أكثر من الحقيقة، وأضاف أن أي عميل يمكث أكثر من ٤ سنوات في إسرائيل يصبح عميلا مزدوجا.

ياسر الزيات، رئيس تحرير موقع “هنا صوتك” الصادر عن إذاعة هولندا، يرى أن الانزعاج الحادث من حوار المصري اليوم لم يكن سببه الحوار نفسه أو ما جاء فيه، “تخميني الشخصي أن المشكلة بدأت مع حوار جريدة الوطن مع ثروت جودة”.

وكانت صحيفة الوطن قد نشرت حوارا مع رجل المخابرات المتقاعد ثروت جودة، وقدمته بصفته وكيلا عاما سابقا لجهاز المخابرات، وأنه تقاعد برتبة لواء، وأثار الحوار جدلا كبيرا لما جاء فيه من تصريحات على لسان جودة، قال في بعضها أن المخابرات لم تمد الرئيس المعزول محمد مرسي بأي معلومات صحيحة خلال فترة رئاسته، لأنها، بحسب وصفه، كانت تراه «خائنا». كما قال جودة في حواره أن شفيق هو الفائز الحقيقي في انتخابات الرئاسة سنة ٢٠١٢، وأن النتيجة تم تغييرها بضغط من الولايات المتحدة الأمريكية، كما قال أن المشير طنطاوي كان يعلم منذ البداية أن مرسي يتخابر لحساب جهات أجنبية، بحسب وصفه، لكنه لم يفعل شيئا.

يقول الزيات: “بعد نشر الحوار اتضح لنا أن ثروت جودة لم يكن وكيلا لجهاز المخابرات، كما أنه لم يكن لواءً أيضا”، وكان اللواء رأفت شحاتة، مدير المخابرات خلال فترة حكم مرسي، قد صرح في برنامج «يحدث في مصر» بهذه المعلومات نافيا أن يكون الجهاز قد أعطى معلومات غير صحيحة لمرسي وقت رئاسته للجمهورية.

يكمل الزيات: “ما حدث أن حوار جودة وضع مصداقية جهاز المخابرات والعاملين به على المحك، وأدى إلى وجود نوع من القلق تجاه أي حوارات تحدث مع ضباط مخابرات متقاعدين”، ويرى الزيات أنه من المفترض ألا يجرى أي ضابط مخابرات حالي أو متقاعد حوارا صحفيا إلا بمعرفة وموافقة الجهاز، إلا أنه يستطرد: “هذه ليست مشكلة الصحفيين، وإنما مشكلة الجهاز نفسه، فإذا تحدث شخص ما فالصحفي من حقه أن ينقل ما قيل له”.

النقطة التي يتوقف أمامها الزيات هي منع الحوار بعد نشر ٥ حلقات منه، بل بعد وصول الحلقة السادسة للمطبعة، متسائلا: “إذا كان هناك اعتراض، فلماذا تأخر حتى الحلقة السادسة؟”، مضيفا: “ينبغي أن يتضح للناس متى ولماذا يتم المنع؟، وبناء على أي معايير؟”.

ويثير الزيات قضية عدم إصدار قانون لحرية تداول المعلومات حتى الآن قائلا: “طالما لا يوجد قانون محترم ينظم هذه العملية فكل الاجتهادات متاحة، وكل الأخطاء واردة أيضا”، مضيفا أن هذا القانون كفيل بأن يضع معايير واضحة للصحفيين والدولة لما يمكن نشره.

ويضيف الزيات: “بدون قانون محترم لتداول المعلومات فإننا سنظل نخضع لمزاج كل طرف وتخميناته تجاه ما يمكن نشره أو ما يجب منعه… الحل الوحيد أن تحترم الأجهزة الأمنية المكتسبات العالمية لحق الإنسان في معرفة المعلومات، وأن تصدر الدولة قانونا محترما لتنظيم تداولها”.

واقعة وقف طباعة صحيفة في المطبعة بسبب موضوع منشور فيها تكررت أكثر من مرة خلال السنوات الماضية. يتذكر رجب عندما تم إعدام عشرات الآلاف من نسخ المصري اليوم، سنة ٢٠١٠، بعد طباعتها، بسبب اعتراض جهة سيادية على تقرير في الصفحة الأولى يرصد انتشار ملصقات في شوارع القاهرة تحمل شعار “عمر سليمان رئيسا لمصر”، وكان الأخير وقتها رئيسا للمخابرات أثناء عهد مبارك.

وفي السياق نفسه، قال خالد البلشي، عضو مجلس نقابة الصحفيين، أنه تم منع أحد أعداد جريدة البديل، التي كان يرأس تحريرها وقتها، في أغسطس ٢٠٠٨، بسبب نشر تغطية حريق مجلس الشورى. ويضيف: “علمنا من مطبعة الأهرام أن هناك أوامر بوقف الطباعة، وطُلب منا تغيير التغطية، إلا أنني رفضت وأصررت على النشر، فلم يتم طباعة العدد، وقمنا وقتها بنشر التغطية على الموقع الإلكتروني بالإضافة لنشر المكاتبات المتبادلة بيننا والمطبعة”.

ويعلق البلشي على هاتين الواقعتين قائلًا: “هناك دائما رقابة على الصحف، بشكل غير قانوني، داخل المطابع. لكننا كنا قد تجاوزنا مرحلة وقف الطباعة منذ سنوات، وما يحدث الآن هو انتهاك واضح وعودة لنظام مبارك”.

يقول الزيات: “السؤال الذي يدور في ذهني دائما: لماذا يفعلون ذلك؟ إذا تم منع الصحف من الطباعة فماذا سيفعلون مع المواقع الإلكترونية وشبكات التواصل الاجتماعي؟”.

ويضيف: “لنتصور أن حريق مجلس الشورى حدث الآن، وقام الأمن بمنع طباعة تغطية جريدة البديل، هل سيمنع المواطنين المتواجدين في مكان الحادث والمحيطين به من نقله عبر تويتر وفيسبوك؟”، ويقول خاتما حديثه: “عليهم أن يفهموا أن شخصا في قرية نائية في باكستان كان ينقل لحظة بلحظة للعالم وقائع قتل أسامة بن لادن.. الزمن تغير”.
 

اعلان