Define your generation here. Generation What

عن الطلبة والسياسة: “الأولى مأساة والثانية مهزلة”

-1-

“وكانت الحكومة على استعداد للجوء إلى إغلاق الجامعات والمدارس لفترات قصيرة، والقيام بعدد من المحاولات لسن تشريعات من أجل إحكام سيطرتها على الكتلة الطلابية. فأصدرت حكومة محمد محمود باشا ـ في غياب البرلمان ـ القرار بقانون رقم 22 لسنة 1928 “من أجل حفظ النظام في معاهد التعليم”، الذي حظر الاشتغال بكافة الأنشطة السياسية في الجامعة والمدارس”.

أحمد عبدالله رزة، كتاب الطلبة والسياسة في مصر، ص107.

“استمرت المظاهرات المتفرقة على مدى ما تبقى من العام الدراسي 46/ 1947 وزادت حدتها منذ بداية العام الدراسي التالي. وردًا على ذلك تم الحظر على نشر أنباء المظاهرات الطلابية وتم إيقاف عدد من المجلات بسبب خرق الحظر. وقام البوليس بعمل كوردون مسلح أحاط جامعة القاهرة. في 27 ديسمبر 1947 حاول نحو ألفي طالب اقتحام الكوردون إلا أنهم أجبروا على التراجع فاحتلوا مكاتب إدارة الجامعة مطالبين رئيسها الدكتور ابراهيم بك شوقي إما بطرد البوليس أو الاستقالة وتم سحب الكوردون في 3 يناير 1948”.

أحمد عبدالله رزة، كتاب الطلبة والسياسة في مصر، ص95، 96.

“أصبح وزير التعليم العالي ـ بحكم منصبه – رئيسًا أعلى للجامعة. أما المسئول الإداري الأعلى، أي رئيس الجامعة فقد كان نائبًا للوزير، ويتم تعيينه بمرسوم ملكي بناء على توصية الوزير … وعلاوة على أن الأساتذة وهيئة التدريس كانوا موظفين مدنيين يعينون ويفصلون بواسطة الوزير ويخضعون لاجراءات تأديبية صيغت في لوائح تسمح بعقوبات مثل تخفيض الدرجة الوظيفية والايقاف عن العمل وكذلك الفصل”.

أحمد عبدالله رزة، كتاب الطلبة والسياسة في مصر، ص105، 106.

 

-2-

إذا لم تكن، عزيزي القارئ، من المؤمنين بما أقره كارل ماركس – وهو فيلسوف ألماني عاش في القرن التاسع عشر- في مقولته الشهيرة “التاريخ يعيد نفسه مرتين؛ المرة الأولى كمأساة والثانية كمهزلة”، فأنا أدعوك بجدية ـ بعد قراءة المقتطفات السابقة، وهي غيض من فيض لن تتسع هذه المساحة للمزيد منه – إلى الإيمان بها وتصديقها، فما تشهده الجامعات في مصر الآن ليس سوى المهزلة التي حكى عنها الفيلسوف والمُنظّر الشيوعي المرموق. ما يفعله القائمون على أمر الجامعات اليوم ليس سوى تكرار ـ مع بعض التعديلات الطفيفة نظرًا لتطور الزمان – لما وقع منذ ما يقرب من قرن كامل، كما حكاه “رزة” في كتابه.

الحكاية/ المهزلة بدأت عندما حاولت إدارات الجامعات ومن خلفها السلطة التنفيذية، منذ أواخر الفصل الدراسي السابق، اتخاذ خطوات حثيثة للقضاء على أي أثر للحركة الطلابية التي تصاعدت واتخذت سلوك صدامي إلى حد كبير خلال هذه الفترة متأثرة بجو الاستقطاب السياسي الذي كان يضرب المجتمع ككل آنذاك على خلفية أحداث 3 يوليو وما لحقها من ناحية وبسبب تدخل قوات الشرطة العنيف ردًا على مظاهرات طلابية في أكثر من جامعة من ناحية أخرى.

في البداية سمحت الحكومة، بمباركة من مجالس الجامعات، لقوات الشرطة بالانتشار في محيط الجامعات على أن تتدخل في الوقت الذي ترى فيه أن خطرًا ما يمس المنشآت الجامعية ويهدد استقرار العملية التعليمية، وليس بعيدًا عن الجميع ما حدث بعد اقتحام الشرطة لأكثر من 12 جامعة. بعدها اقترح المجلس الأعلى للجامعات تعديلًا في قانون تنظيم الجامعات باستحداث المادة 184 مكرر والتي تسمح لرئيس الجامعة بفصل أي طالب يرى أنه “يحرض على العنف أو يمارسه أو يعمل على تعطيل العملية التعليمية”، وذلك دون اتخاذ الإجراءات القانونية المتبعة في النظام التأديبي الطلاب، بما يمنح رئيس الجامعة سلطة تقديرية مطلقة في فصل أي طالب بشكل نهائي.

ومنذ انتهاء الفصل الدراسي ومع بداية الأجازة الصيفية، استمرت الحكومة وإدارات الجامعات في نفس الطريق حيث أصدر الرئيس تعديلًا آخر في المادتين 25 و43 من قانون تنظيم الجامعات، يلغي حق أعضاء هيئة التدريس في الجامعات في اختيار رؤساءها، وإعادة الوضع لما كان عليه سابقًا بما يسمح لرئيس الجمهورية باختيار رؤساء الجامعات وعمداء الكليات بناءً على توصيات لجنة هناك الكثير من التحفظات على آلية اختيارها، وبذلك انمحى المكتسب الأهم الذي حصل عليه المجتمع الأكاديمي على طريق استقلال الجامعات بعد ثورة يناير. هذا علاوة على أننا في انتظار إصدار تعديل آخر لنفس القانون يسمح لرئيس الجامعة بفصل أي عضو هيئة تدريس “يحرض على العنف أو يعمل على تعطيل العملية التعليمية …” دون اتخاذ الإجراءات القانونية المتبعة في هذا الشأن.

هذا إضافة إلى أن الإدارات الجامعية عمدت إلى التضييق على النشاط السياسي للطلاب حيث ألغت إدارة جامعة القاهرة معسكرًا لاتحاد طلاب كلية السياسة والاقتصاد بدعوى أن المعسكر ـ ويا للغرابة – يتناول قضايا سياسية بشكل أكبر من اللازم. فضلًا عن تصريحات متفرقة لعدد من رؤساء الجامعات تفيد بحظر الأسر الطلابية على أساس حزبي أو ديني، ما يعني حظر أسر أحزاب الدستور ومصر القوية والنور والوسط وهي الأحزاب التي لم يثبت على أيّ من أعضائها ممارسة أي أعمال عنف أو تحريض خلال العام الدراسي السابق. ناهيك عن تصريحات لبعض المصادر الجامعية تفيد باستخدام طلاب كـ”مخبرين” لنقل أخبار زملائهم إلى إدارات الجامعات.

 

-3-

إذن، فالسلطة في مصر الآن تسعى لاسترداد كافة المساحات التي كانت الحركة الطلابية والمجتمع الأكاديمي ككل قد اكتسبوها في الفترة التي تلت ثورة الخامس والعشرين من يناير، سواء على مستوى الحقوق والحريات الطلابية أو على مستوى استقلال الجامعة.

الخطير في الأمر ليس سعي السلطة الدءوب لذلك، فهذا هو الدور المعتاد الذي تلعبه أي سلطة في أي وقت، إنما هو ذلك التماهي التام بين ما تتخذه الإدارات الجامعية من قرارات وإجراءات مع الهوى السياسي للسلطة الحالية ما يضرب بكل مبادئ استقلال الجامعة والحرية الأكاديمية عرض الحائط. وبالطبع سيكون مفيدًا أن نرى هذا التماهي في ضوء تعديلات قانون تنظيم الجامعات التي ذكرناها آنفًا والتي تمنح رئيس الجمهورية حق تعيين رؤساء الجامعات. وللوقوف بشكل أكبر على هذه النقطة عليك، عزيزي القارئ، مثلًا أن تتابع تصريحات السيد الدكتور جابر نصار، رئيس جامعة القاهرة في فترة ما قبل هذا التعديل وما بعدها لتجد ما أقوله واضحًا بشكل أكبر.

الأخطر في هذا الشأن أن القائمين على الجامعات يزعمون، وفقًا لما يتخذون من إجراءات، أن إغلاق كل الأبواب هكذا أمام أي عمل طلابي سلمي حتى لو كان معسكرًا أو أسرة مرخص لها ولم يثبت عليهما ممارسة أي عنف أو التحريض عليه سيتم تحت إشراف الإدارة.  يزعمون أنهم بذلك يستعيدون للجامعة استقرارها ويقطعون الطريق على المشاغبين من العبث داخل أسوارها، إلا أن مثل هذه القرارات لن تأتي إلا بعكس ما يرغبون، فسوف تفتح أبوابًا أخرى للعمل لن يرضى عليها كل المهتمين بالشأن الجامعي. يكفي أن أقول لك أن أحد قيادات اتحاد طلاب كلية السياسة والاقتصاد قال لي في لقاء خاص تعليقًا على إلغاء معسكرهم “مش هيرتاحوا غير لما نشتغل مع الإخوان من تاني”.

الجامعة يا سادة لن تعد، بعد الآن، تلك المساحة الرحبة للتعبير عن الآراء المختلفة وتبادلها. بل ستصبح مكانًا قميئًا يرشد فيه الطلاب عن بعضهم البعض ويعيش كل أستاذ فيه غير آمن على حياته المهنية ويقف على عتباته رجال مدججين بالسلاح يمنعون كل رأي مخالف من المرور. كل هذا لن يؤثر على مبادئ استقلال الجامعة والحريات الطلابية التي من المفترض أن يتمتع بها أي مجتمع أكاديمي سليم فقط بل سيتعدى تأثيره إلى جودة ومستوى التعليم المقدم للطلاب بل والعملية التعليمية ذاتها.

اعلان