Define your generation here. Generation What
لمن المدينة اليوم؟
 
 

منذ ثلاثة أسابيع، بدأت الحكومة إخلاء منطقة وسط البلد من الباعة الجائلين الذين احتلوا الأرصفة والشوارع. وتم نقلهم لجراج الترجمان والذى يبعد 15 دقيقة من محطة قطارات رمسيس، ويجاور محطة الأتوبيس المركزية.

جراج الترجمان مهجور تماماً تقريباً، وهو بعيد عن الطريق المطروق، كما أن هناك القليل من الناس بالكاد يقصدونه، ولا يوجد به أى أكشاك و أى شىء يشبه السوق. في المقابل تغلق ​مدخله عربات الشرطة الضخمة.

تدّعى الحكومة أن هذا وضع مؤقت، حتى يتم بناء سوق تجارى رسمى للباعة الجائلين فى منطقة وسط البلد.

أما الباعة الجائلون الذين خُصص لهم عدد من المساحات فى الجراج فيشكون من أن أحدًا لا يرغب فى المجىء للمكان، ربما لأن المكان لا يشبه الأسواق، فبعد مرور أسبوعين من إخلاء وسط البلد، تم فتح “كشكين” فقط، وبرغم وجود حوالى 15 بائعاً إلا أنه لا يوجد زبائن، أما شاغلو المكان الآخرون فهم حوالي 20 رجل شرطة موجودون عند مدخل الجراج.

الباعة الجائلون فى جراج الترجمان لديهم العديد من الشكاوى المتماثلة، وهي أنهم لا يستطيعون بيع أى شىء فى الجراج، وبدون المال لن يتمكنوا من إعالة ذويهم. أبو فايدة، بائع عجوز لديه ابنان فى المرحلة الجامعية، يقول إنه بدون العمل في وسط البلد، فلا يعرف كيف سيستمر فى دفع مصاريفهما، “أجيب أكل منين؟، أجيب إيجار منين؟، إيه الحل؟.

الباعة ليسوا فقط معزولين، فطبقاً لباسم، أحد الباعة فى الجراج، فهم عاجزون عن ايصال شكواهم للحكومة ولا يستقبلون أى تطمينات تفيد أنهم سيتمكنون من كسب أقواتهم. “أنا كنت هنا من البداية وما كسبتش حتى جنيه لحد دلوقتى، لازم رئيس الوزراء ييجى هنا النهادره عشان نعرف نتكلم معاه، لازم كل حاجة تبقى واضحة بالنسبة لنا، القانون بيقول كده”، يقول باسم.

فى الوقت نفسه، يبدو أن أغلب أصحاب المحلات فى وسط البلد سعداء بهذا التغيير، رجب محمد علي، صاحب محل بقالة في شارع نوبار، يقول أن نقل الباعة الجائلين كان أمرًا جيدًا، لأنهم كانوا يغلقون شوارع وسط البلد ويسببون تكدسًا مروريًا، كما أوضح أن عددًا من هؤلاء الباعة كانوا من البلطجية ويتصرفون مع الزبائن والعابرين بشكل سيئ.

غياب الباعة الجائلين من شوارع وسط البلد مؤمّن بتواجد أمنى كثيف، حيث تتمركز مدرعات الشرطة عند مخارج شارع نوبار بينما الممرات المؤدية له مغلقة بالحواجز المعدنية، علي كان سعيداً بهذا، يقول: “كويس إن الشرطة موجودة، كويس للمرور وكويس لأمان الناس العادية، كويس للمواطنين“.

وجود الشرطة أيضاً هو محاولة لمنع عودة محتملة من الباعة الجائلين لمنطقة وسط البلد، والذين كان قد تم نقلهم من قبل، لكنهم عاودوا الرجوع إلى وسط البلد مرة أخرى. وبينما تتواجد مدرعات الشرطة لمنع العودة المحتملة للباعة، وما يسببوه من اختناق مروري، يعتبر البعض أن تواجد تلك المدرعات هو في حد ذاته سببًا في الاختناق المروري.

بالنسبة لشهير جورج، باحث فى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية، يعمل على قضية الباعة الجائلين، فإن التواجد الأمني هو فرصة أخرى للدولة لتُذكر الناس بحضورها القوي في شوارع القاهرة. “يريدون فقط أن يُظهروا أن الجهاز الأمنى قد عاد بكامل قوته، وأنه قادر على فرض قواعده”، كما يقول جورج.

لكن الأهم من ذلك، أن التواجد الأمني في وسط البلد هو مؤشر لانعدام الحل. يقول جورج :”حقيقة أن الشواع محتلة بمدرعات ورجال الشرطة تُظهر أن هذا الحل غير دائم، إما أن تحتفظ بالمدرعات ورجال الشرطة فى كل أنحاء القاهرة، أو تمتلك حلًا يحصل على الموافقة والشرعية.

من وجهة نظر جورج وآخرين، فإن جزء من إيجاد حل دائم هو الاستماع لاحتياجات الباعة الجائلين، فعلى الرغم من حقيقة أن الباعة قد استخدموا المساحات العامة لمنطقة وسط البلد لعدة سنوات، فلم تسنح لهم فرصة التفاوض مع المجالس المحلية أو مع المقيمين فى المنطقة قبل أن يتم نقلهم.

بدوره، شدد باسم على أن الباعة كانوا يحتاجون فقط لشخص يسمع لهم. “الناس هتجيب فلوس إزاى؟، الحكومة ما عملتش أى حاجة، كله كلام“.

المشكلة مرتبطةب​المظلة الأوسع لطبقة الباعة الجائلين وهى الاقتصاد غير الرسمى، والتي تمثل قرابة 75% من قوة العمل فى القطاع الخاص، وطبقاً لتقرير حالى صادر من منتدى الفوائد الاقتصادى، تزعم نقابة الباعة الجائلين أن هناك ما يقرب من 40 ألف بائع يعملون فى شوارع القاهرة، مع إمكانية وجود أعداد أكبر نظرًا لأن كثيرين منهم غير مسجلين.

طبقاً لجورج، تُعد البطالة المتفشية فى مصر هى السبب الأساسى فى كثرة الباعة الجائلين، فهى التى تقود الكثيرين لابتكار أعمال لأنفسهم. فى الحقيقة، يقول جورج، هؤلاء الباعة “كانوا يساعدون الدولة على تقليل حجم البطالة بطريقة أو بأخرى“.

القانون الخاص بالباعة الجائلين لم يتغير منذ خمسين عاماً، بحسب جورج، وقد فشل فى حماية حقوقهم أو الاعتراف بعملهم. وهو يعتقد أن القانون يجب أن يتم تعديله، كما يجب على الحكومة أن تتعامل مع الباعة الجائلين من خلال كيانات قانونية، كالنقابات على سبيل المثال.

ولكن بدون آلية فعالة للباعة الجائلين أو المقيمين فى المنطقة ليعبروا بها عن مخاوفهم، فإن السلطات سوف تنتهى إلى اتخاذ قرارات أحادية تخدم مجموعات مختلفة من أصحاب المصالح.

المشكلة أن هناك العديد من أصحاب المصالح اعتادوا أن يتشاركوا المساحات العامة، المشاة العابرون من مكان لآخر، الأفراد المقيمين بالفعل فى وسط البلد، الباعة الجائلين، والمحليات. كل هؤلاء أصحاب مصالح، وما رأيناه في السنوات القليلة الماضية هو أن أحد أصحاب المصالح، المحليات، يحصل على أكثر أو أقل مما يريد على حساب صاحب مصلحة أو آخر، وفى هذه الحالة هم الباعة الجائلون”، هكذا يقول يحيى شوكت، وهو مهندس معماري وباحث مختص بحقوق الأرض والسكن فى المبادرة المصرية للحقوق الشخصية.

شوكت يرى صورة أوسع وراء إخلاء وسط البلد من الباعة الجائلين، وهي استراتيجية متعددة الأطراف، لبدء تطوير منطقة وسط البلد، بما يجعل المنطقة حكرًا على أشخاص بعينهم.

كان رئيس الوزراء إبراهيم محلب قد أعلن عقب إخلاء العديد من الباعة الجائلين، أن الحكومة تأمل فى استعادة منطقة وسط البلد كموقع تراث تاريخى، وأحد أهم تلك المواقع فى الشرق الأوسط

وقد أخذت الحكومة بعض المبادرات للحفاظ على منطقة وسط البلد، كعمل الجهاز القومى للتنسيق الحضارى علي ترميم العديد من بنايات منطقة وسط البلد، والذى تعرض لانتقادات كونه بعيد جدا عن احتياجات الناس.

خطة “القاهرة 2050” التى تم اعدادها خلال عهد حسنى مبارك للبدء فى  بعض التطويرات الحضارية للقاهرة تعد خطة شبيهة حيث تامل لان تكون وسط البلد على شاكلة مدن خليجية كدبى. وقد توقفت الخطة مع قيام ثورة يناير2011. ولكن حاليًا، وطبقاً لموقع Cairo Observer، فإن العديد من مشاريع خطة “القاهرة 2050” عادت للظهور من جديد. الخطة تم انتقادها لأنها تعمل على بيع أجزاء كبيرة من المدينة لمستثمرين من أجل بناء تجمعات فاخرة، فى نفس الوقت الذي سيتم فيه تهجير أعداد كبيرة من السكان من ذوى الدخل المنخفض.

ولكن الدولة ليست وحدها من يدعم أجنداتها أحادية الجانب، حيث يوجد أيضاً القطاع الخاص.

شركة الإسماعيلية للاستثمار العقارى أطلقت مشروعًا للتجديد الحضارى فى منطقة وسط البلد، بالحصول على بعض البنايات فى المنطقة، خاصة البنايات التى يدفع المقيمون بها إيجارات لا تكاد تُذكر، وترميمها وعرضها للإيجار للسكن أو للشركات أو جعلها مساحات للفنانين. يقول كريم الشافعى، المدير التنفيذى لشركة الإسماعيلية للاستثمار العقارى، “خطتنا ترتكز على رؤية، مفادها أننا يجب أن نستعيد منطقة وسط البلد على المستوى المعمارى، فهى المكان الذى تمتزج فيه كل شرائح المجتمع”.

يعتقد الشافعى أنه، حالياً، لا يوجد تقريباً مكان للأثرياء أو متوسطى الدخل فى منطقة وسط البلد، وجزء من رؤية شركة الإسماعيلية، بحسب الشافعى، هو خلق مساحات لهؤلاء، وفى الوقت نفسه إمكانية دعم المشاريع الفنية التى تصل للناس من كل فئات الدخل ومن مختلف الخلفيات.

الشافعى سعيد بإخلاء وسط البلد من الباعة الجائلين، “كانوا يحتلون الارصفة، ومؤخرًا كانوا يشغلون حارتين من نهر الطريق، كما كانت هناك حالات تحرش. الجميع متفقون على التأثير السلبى لوجود الباعة الجائلين”.

وعلى الرغم من ذلك، يبدى الشافعى تعاطفاً مع الباعة الجائلين، قائلا أن الطريقة الأمثل التى يمكن أن يعملوا بها تكون من خلال أسواق صغيرة أو أسواق رسمية، لكنه يضيف: “الطريقة التى اعتادوا العمل بها تدمر الكثير من الأعمال حولهم، وتؤثر سلبيًا على الحالة المرورية والكثير من مظاهر الحياة الطبيعية فى وسط البلد”، ويؤمن الشافعى أن إجلاء الباعة الجائلين أمر إيجابى وسيؤدى إلى إعادة القانون والنظام إلى وسط البلد.

الشافعى انتقد أيضاً الاتهامات الموجهة للتحسينات التى جرت فى وسط البلد كونها “بها الكثير من الدلالات السيئة، بينما تلك التحسينات فى الحقيقة مثل السكين، لها مزايا وعيوب. ففى خلال الخمسين عاماً الماضية، كان هناك تغييرات فى وسط البلد ولكن بالمعنى السلبى للكلمة، حيث تدهورت المنطقة ودُفعت قطاعات كبيرة من المجتمع بعيداً عنها”.

بخلاف ذلك، يرى شوكت أنه رغم أن من يعيشون فى وسط البلد ربما يكونوا سعداء برحيل الباعة الجائلين الآن، إلا انه فى حال استمرار عملية التطوير هذه سيكون الكثير من السكان الأفقر فى وسط البلد هم من يتم ترحيلهم عنها لاحقًا.  يختتم شوكت قائلا: “لو أنها مسألة تطوير، فإننا سنشهد نوعًا آخر من الإقصاء، حيث سترتفع أسعار العقارات والإيجارات، وسيكون على الكثير من المقيمين فى وسط البلد والعاملين بها أن ينتقلوا إلى خارجها نظرًا لارتفاع الأسعار”.

اعلان
 
 
بِشا ماجد