Define your generation here. Generation What
الشتات الإخواني: كواليس خروج الإخوان من قطر
 
 

أثار إعلان عدد من قيادات جماعة الإخوان المسلمين عزمهم مغادرة دولة قطر عبر بيانات اعلامية متوالية صادرة عنهم، العديد من التساؤلات عن حقيقة التحول في الموقف الرسمي للحكومة القطرية، التي كانت أحد أكبر الداعمين لهم ماديا وإعلاميا في معركتهم القانونية والإعلامية لنزع الشرعية عن نظام حكم الرئيس الحالي عبدالفتاح السيسي، كما أثار استفسارات عن المحطة القادمة لهذه القيادات، وتأثير هذه الخطوة على تماسك التنظيم الذي يتواجد معظم قياداته ما بين السجون والمنفى، في محنة جديدة تضاف لسجل الجماعة الحافل بالمحن على مدى تاريخها الممتد لأكثر من 85 عامًا، في أعقاب تحول الربيع الإخواني إلى خريف مشئوم.

عصام تليمة، أحد المدرجة أسمائهم ضمن قائمة المطرودين من قطر، والقيادي بجماعة الإخوان المسلمين، أكد في تصريحات خاصة لـ«مدى مصر» من مقر اقامته بماليزيا التي يستعد لمغادرتها خلال أيام، أن ما تم تداوله إعلاميا بشأن صدور قرارات من الحكومة القطرية بترحيلهم غير صحيح ويستهدف النيل من هذه الشخصيات، وأضاف موضحًا: “بعضٌ منا من قرر مغادرة البلاد بمبادرات شخصية رفعًا للحرج عن دولة قطر، التي تتعرض لضغوط من 6 شهور من مصر ودول الخليج التي تعمل لخدمة نظام السيسي لترحيلنا، ولم يطلب منا أحد الخروج حتى برسالة مبطنة أو بشكل سري، ولم تقصر معنا قطر في تذليل أي عقبات خلال فترة تواجدنا”، قبل أن يستطرد متسائلًا: “ما الذي يمنع الديوان القطري من استصدار قرار بشكل علني ورسمي بترحيلنا من البلاد طالما أنهم عزموا النية على ذلك؟”، واصفا الحرج الذي استشعروه بالمثل الشعبي المصري “لو كان حبيبك عسل ما تلحسوش كله”.

بدوره، أكد لنا جمال عبدالستار، أحد قيادات جماعة الإخوان المسلمين، وأحد المدرج أسمهم ضمن قوائم الطرد كذلك، في تصريحات خاصة من دولة قطر، التي جاء إليها في زيارة للانتهاء من بعض الأوراق الخاصة به عقب مغادرته إلى تركيا منذ أسبوع، أن الحكومة القطرية لم تمنعه من دخول البلاد، مؤكدًا أنهم يتمتعون بتسهيلات في الاجراءات وعلاقات طيبة مع المسئولين، كما أنهم لم يجدوا أي محاولات تضييق على إقامتهم الجديدة في تركيا.

شهادة تليمة وعبدالستار، بنفي إصدار قرارات من الديوان القطري بترحيل هذه القيادات من البلاد، تطابقت مع الموقف الرسمي للحكومة القطرية تجاه هذه القضية، حيث أكد وزير الخارجية القطري خالد بن عطية، في حوار مطول نشرته “فاينينشال تايمز” البريطانية الأسبوع الماضي، أن الدوحة لم تطلب من قيادات بجماعة الإخوان المسلمين مغادرة البلاد، وأن قطر ستبقى منصة للآراء المختلفة، وأضاف “لن نمارس أي ضغوط لإغلاق قناة الجزيرة أو تغيير خطابها الإعلامي”، وهو ما أكده كذلك البيان الصادر عن شبكة الجزيرة بعدم إغلاق قناة الجزيرة مباشر مصر، المنصة الاعلامية لقيادات الاخوان الهاربة، والذى قيل فيه: “تعد شائعة إغلاق الجزيرة مباشر مصر في غضون شهر، آخر قطرة في سيل الشائعات التي تطال ولا تزال الشبكة الإخبارية العربية الأقدم وقنواتها”.

عن تضارب الروايات حول صدور قرارات من الديوان القطري بشأن طرد قيادات الجماعة، أكد أحمد عبد ربه، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة والجامعة الأمريكية، أن الحقيقة واضحة في أن هناك فعليًا ضغوط مورست على قطر لطردهم، وأن هناك تعليمات شفوية برحيل هذه الأسماء التي تحاول بدورها رفع الحرج عنها عن طريق التأكيد على عدم صدور قرار بحقهم، وتتحايل الحكومة القطرية لإخراج الموضوع بشكل يليق بها والإيحاء بعدم تعرضها لضغوط تهدد استقلالية قرارها، واعتبر عبد ربه أن التحول في الموقف الرسمي القطري تحكم فيه أكثر من متغير، أولها متغير داخلي يتمثل في أن أمير قطر الجديد، تميم بن حمد آل ثان، الذي خلف والده، لديه فكر مختلف في التعامل مع القضايا من هذا النوع، سمح بتسهيل قبول الحكومة القطرية أن يكون لديها مرونة تجاهها، فيما يعد تمدد تنظيم داعش هو المتغير الخارجي الذى أحدث تغيرًا في البيئة الاقليمية، وجعل الاهتمام ينحسر عن الوضع في سوريا، ودفع أمريكا للتحالف مع تركيا، كما دفع قطر لتغيير سياستها.

عبدربه أضاف أن المتغير الهام أيضا في هذا التحول يتعلق بموقف دول الخليج، خاصة بعد اجتماع جدة الأخير والخطوة التصعيدية بسحب سفراء السعودية، والإمارات، والبحرين، مشيرًا إلى أن السعودية هى الدولة الأكبر في الإقليم، والتي تعتبر تنظيم الإخوان مهددًا لشريعتها في الحكم، خصوصًا في ظل ارتفاع أعمار معظم أفراد الأسرة الحاكمة، ومعانـتها من مشاكل داخلية في مسائل التوريث، وتواجد التنظيم الدولي للإخوان الداعم للأممية، والمهدد لكيانها. كما أكد على أن المسألة تدخل أيضًا في صراع النفوذ السياسي في المنطقة بعد تمكن قطر من أن تكون صاحب الشراكة الأولى مع مصر في التنسيق والترتيب للقضايا الكبرى في الإقليم في أخر عامين، مقابل انحسار دورها مؤخرًا، وتزامن هذا مع هجوم على مبنى سفارتها بالقاهرة.

بينما اعتبر كمال الحبيب، الخبير في شئون الحركات الإسلامية، أن الحقيقة واضحة بأن المتغير الأساسي في هذا التحول متمثل في رفع الولايات المتحدة الأمريكية دعمها لممارسات قطر بدعم داعش وجبهة النصرة والتنظيمات الاسلامية، بعد أن صار ذلك خطرًا يهدد المصالح الأمريكية في أعقاب اجتماع جدة الأخير، وهو ما يبدو واضحًا في مقالات الرأي والتحليلات الصادرة من المراكز البحثية الأمريكية، بنقس وضوح أن غبار الحملة على داعش كان لا بد أن ينال من الإخوان رغم اختلاف طبيعة تكوين كل منهم.

تليمة، الذي عمل مديرًا لمكتب الشيخ يوسف القرضاوي وسكرتيرًا خاصًا له لمدة ست سنوات، وصف الأنباء المتداولة عن عزم قطر ترحيل القرضاوي كخطوة قادمة بـ”المستحيل”، لاعتبارات تتمثل في حمله الجنسية القطرية منذ عام 1966 وأن لديه جواز قطري خاص، مستشهدًا بواقعة مطالبة النظام الناصري سنة 1965 لقطر بتسليم قيادات الإخوان، كيوسف القرضاوي وعبدالمعز عبدالستار، وهو الطلب الذي تم رفضه، ليس بغضا لنظام عبدالناصر لكن التزامًا بأخلاق الشهامة في القبائل العربية والعُرف السائد بينهم،بحسب تليمة، الذي استبعد أن يكون هناك تحول في الموقف القطري الداعم لهم، لاعتبارات تتعلق باستعداء نظام السيسي لقطر، ونشر العديد من الشائعات ضد الأسرة الحاكمة ومحاولة النيل منها، ووجود تحركات مصرية ضد تنظيم قطر مونديال كأس العالم 2022.

كان اللواء جمال عبدالبارى مدير شرطة الإنتربول المصرى قد أكد في تصريحات تليفزيونية أن الجهاز لم يتسلم أي مخاطبات رسمية من السلطات القطرية بشأن تسليم قيادات الإخوان إلى القاهرة. وأنهم سيتخذون كافة الخطوات القانونية مع الدول المتوقع لجوئهم لها بعد ترحيلهم من قطر، كما أن الإنتربول المصري سيطالب كافة البلدان بتسليم المطلوبين للمحاكمة القضائية، بحسب عبدالباري.

وأوضح: “جميع المتهمين الهاربين يتم التعامل معهم من خلال الإطار القانوني، سواء من الإخوان أو غيرهم”، مضيفاً أنهم وضعوا الأسماء التي وردت من مكتب النائب العام في إطارها القانوني. موضحًا أنه لا يوجد بين مصر وقطر اتفاقيات تسليم متهمين، وهو ما يجعلها غير ملزمة بتسليم تلك القيادات الإخوانية الإرهابية الموجودة لديها، بحسب تعبيره، مضيفًا أن هناك اتفاقيات تربطنا مع تركيا لتسليم المتهمين الهاربين ولكن الدولة التركية لديها اتجاه معاكس ومغاير لاتجاه السياسة المصرية مما يجعل عملية تسليم المتهمين صعبة.

وأوضح عبدالباري أن الإنتربول المصرى يعمل على ملاحقة 40 من قيادات جماعة الإخوان الإرهابية الهاربين خارج البلاد، مؤكدا أنه تم استرداد 25 متهما هاربا خلال الشهرين الماضيين، بينهم 3 من قيادات الإخوان كانوا هاربين خارج البلاد، منهم محمد القبوطى نوفل وسامى صبرا، وتمكن الإنتربول الدولى من القبض عليهم وتم استردادهم، مؤكدا على التنسيق مع الإنتربول الدولى في أعقاب مغادرة هذه القيادات دولة قطر لملاحقتها، حبث صدر بحقها طلبات ضبط وإحضار من قبل الجهات القضائية عن طريق تفعيل إجراءات النشرة الحمراء بحق جميع المتهمين الهاربين، تمهيدا لملاحقتهم ومتابعة خطوط هروبهم، حتى القبض عليهم وإعادتهم للبلاد لمحاكمتهم.

وتعد فكرة “الوطن البديل” أطروحة رئيسية تمركزت في أدبيات وتاريخ الجماعة منذ أكثر من 85 عامًا كأحد الحيل للهروب من بطش أنظمة الحكم والتحايل على حملات الاعتقال وتصفية تنظيم الاخوان، حيث كانت السعودية هى محطة اللجوء الأولى فى تاريخ التنظيم خلال عهد عبدالناصر، فيما كانت دول أوروبا هي المحطة الثانية في فترة السبعينيات، في عهد الرئيس محمد أنور السادات الذي دخل في صدامات معهم كادت أن تتسبب في تفكيك أواصل التنظيم، وتعتبر قطر وتركيا أحدث المحطات في تاريخ منافي الجماعة التي إلتجأت اليها قيادات الجماعة في أعقاب عزل الجيش الرئيس السابق والمنتمي للجماعة محمد مرسي في 3 يوليو، واستمرت الدولتان في تقديم كافة أنواع الدعم لهم.

وكشف تليمة لـ«مدى مصر» أن معظم الأسماء التي جاءت ضمن قوائم المطرودين التي تحدثت وسائل الإعلام عن ترحيلها من قطر، هي في الأساس لا تقيم داخلها باستثناءه والداعية الإسلامي وجدي غنيم، المقيم في قطر منذ عامين، وحمزة زوبع، المتحدث باسم حزب الحرية والعدالة، كاشفًا عن أن محمود حسين وعمرو دراج مقيمان باستمرار في تركيا ويزوران قطر زيارات متقطعة، لافتًا إلى أن الستة أسماء المذكورة ليس عليهم أي أحكام أو مطلوبين للمحاكمة.

وأكد تليمة أنه كان أمامه العديد من الخيارات المطروحة للذهاب إليها، كالنرويج لدراسة الدكتوراة، لكنه فضل ماليزيا، مؤكدا أنه سيغادر وحده وسيترك عائلته في قطر، لأن “قرار العودة والخروج في يدي أنا”، مضيفًا أن كل أولاده من مواليد قطر التي تعتبر مقر إقامته منذ 16 عاما، فيما توجه كل من وجدي غنيم وجمال عبدالستار إلى تركيا، بينما حمزة زوبع حاصل على الجنسية الألبانية ومقيم بصفة دائمة هناك ـ على حد قوله ـ مؤكدا أن ترحيب أردوغان بهم بشكل علني دفع معظمهم إلى التوجه إلى تركيا.

بينما يرى عبدربه أن اختيار تركيا كوجهة لمعظم الهاربين يعود لعديد من الأسباب، على رأسها السياسة الخارجية لتركيا، التي تتمثل في الإعتقاد بأن الرابطة الدينية الإسلامية ستحل محل القومية فى دول الشرق الأوسط كصانع لهويات الشعوب فى تلك المنطقة، والثانى أن قادة الشرق الأوسط وخصوصا فى المحيط العربى ينظرون إلى تركيا باعتبارها المثل الأعلى فى نموذج الإسلام الوسطى المتماشى مع الديمقراطية والحداثة، مشيرًا إلى أنها ليست ملاذًا آمنا لقيادات الاخوان الفارين، رغم التطمينات، لاعتبارت تتعلق بالتغييرات الحادثة بها والانتخابات القادمة وتمركز تيارات علمانية فيها، بالإضافة لرغبة الأتراك في الانضمام للإتحاد الأوروبي وما قد يترتب عليها من تقديم تنازلات، وهو ما يؤكد أن فكرة الوطن البديل لدى جماعة الإخوان المسلمين فكرة ليست سليمة، وسينتهي الأمر بحتمية العودة لبلدهم الأصلي بعد تضحية الجماعة بهذه القيادات وحدوث مراجعات على الخطاب التقليدي للجماعة.

كما يرى الحبيب أن اختيار تركيا كوجهة لمعظم الهاربين يعود لعديد من الأسباب، منها المصالح الاستراتيجية المشتركة بين قطر وتركيا في العالم العربي وتوزيع المهام بينهما، بالإضافة إلى جزء عاطفي يتمثل في رغبة أردوغان في حشد ممثلي الإسلام السياسي المصريين داخل تركيا، ليكون هو الممثل الحصري لتيار الإسلام السياسي داخل تركيا والعالم العربي، وهو ما يتعزز باستضافة هذه القيادات.

وعن التأثير المحتمل لهذه الخطوة المتمثلة في خروج عدد من قيادات الجماعة من الأراضي القطرية على تماسك تنظيم الإخوان المسلمين وعلى استمرار تنظيم الاجتماعات، قال تليمة أنه جرى تصعيد 6 أشخاص لعضوية مكتب الإرشاد داخل مصر، وأن المسيرات التي تنطلق بشكل أسبوعي هي دليل على أن اجتماعات التنظيم تنعقد بشكل دوري وأن هذه الظروف ليست بجديدة عليهم.

اعلان