Define your generation here. Generation What
أحمد سيف: المقاتل الرَحيم والمُبدِع القانوني
 
 

في أمسية نظمتها وحدة أبحاث القانون والمجتمع بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، اجتمع زملاء وعائلة المحامي الحقوقي الراحل أحمد سيف الإسلام للإحتفاء بحياته، وتذكر دوره كمناضل لا يهدأ، ومعلم معطاء، وعالم قانوني، وعقل مُبتكر لا يعرف اليأس.

توفى سيف الشهر الماضي عقب إجراء عملية قلب مفتوح، تاركاً تاريخ من النشاط السياسي والحقوقي بدأ منذ انخراطه في الحركة اليسارية كطالب بجامعة القاهرة. توفى سيف بينما كان كلًا من ابنه علاء عبدالفتاح وابنته سناء في السجن بتهم متعلقة بالتظاهر.

درس سيف القانون، ثم حصل على ليسانس الآداب في الثمانينات أثناء حبسه لمدة خمس سنوات بتهمة الانتماء لخلية يسارية مسلحة. ومنذ إطلاق سراحه عام ١٩٨٩، كرّس سيف حياته للدفاع عن المظلومين وأبدع آليات جديدة في الممارسات القانونية والحقوقية بمصر. شارك سيف في تأسيس مركز هشام مبارك للقانون كما كان له دور محوري في نهوض حركة حقوق الإنسان بمصر.

خاض سيف معارك عديدة ومتنوعة، وانتصر في بعضها مُشكلاً علامات فاصلة لحركة المعارضة المصرية في العقدين الماضيين.

في الأمسية الأخيرة تحدث عبدالفتاح، الذي تم الإفراج عنه مؤخراً في انتظار إعادة محاكمته، عن تراث والده وعمله، معبرًا عن صعوبة استحضار علاقته الشخصية بأبيه في حدث يحتفي به كشخصية عامة. “قد أشعر أنا على المستوى الشخصي بهلع وفقدان، وأركز على فكرة أن أبي لن يخبر خالد (ابنه) قصصًا بعد اليوم، ولكن على المستوى العام، لا يجب أن نشعر بهلع أو فقدان، لأن أحمد سيف ترك مفاتيح عمله وطريقته متاحة للجميع، لقد ترك كل ما نحتاجه لنكمل مسيرته”.

كما تحدث عن حالة الهلع التي أصابت الوسط الحقوقي بعد وفاة سيف، خصوصًا مع مرور مصر بأحد أسوأ فترات التضييق السياسي والتردي الحقوقي. وتحدث عن توقيت وفاة والده، التي جاءت في خضم موجة من اليأس يعاني منها أبناء الثورة. وأكد أن أبيه قد مر بفترات يأس مماثلة، قرر على إثرها ـ في مرحلة ما ـ الانضمام للمقاومة المسلحة، مؤكداً أن سيف، مثل شباب الثورة الحالي، كان يُنهَك ويقلق ويناضل لفهم العالم.

عبدالفتاح حذر كذلك من تأليه والده، مؤكداً أن سيف نفسه كان يحارب ضد ذلك في حياته. “لم يكن والدي خارقًا للطبيعة، بل كان مثلنا، كان دائماً ما يخبر الناس عن صعوباته، وضعفه وأخطاءه، ليس تواضعاً منه و لكن ليوصل رسالة أن كل ما تحتاجه هو أن تصر على انتصارك للحق”.

وأعطى عبدالفتاح للحضور مقتطفات من الجوانب المتعددة لحياة سيف. فتحدث عن انضمامه لحركة المقاومة الفلسطينية بجنوب لبنان، وتأسيسه لدار نشر بأحد أحياء القاهرة الفقيرة. كما تذكر الجانب الطفولي عند سيف ،عندما أخذه مع ١٣ طفل آخرين في رحلة إلى الفيوم لحضور جلسة محكمة، وسألهم إن كانوا يريدون التوهان، ثم خرج عن الطريق ليأخذهم في مغامرة ويريهم جزء من مصر لا يعرفوه.

لم يكن سيف محاميًا عاديًا. هذا ما اتفق عليه جميع زملائه الذين تحدثوا عنه في التأبين. ولذلك اعتبرت وحدة أبحاث القانون والمجتمع، المنظمة للأمسية، أن تناول سيف للقانون وتفاعله مع المجتمع كان تناولًا مثاليًا، بحسب ما قال عمرو شلقاني مدير الوحدة ومنظم الأمسية.

أما خالد علي، المحامي الحقوقي والمرشح الرئاسي السابق، فقال: “لم يرى سيف النص القانوني مقدس أو يمثل العدالة، ولكنه كان يعتبره مجرد نتاج لتوازن القوى بالبرلمان الذي ينتج التشريعات. لم يكن سيف عبدًا للنص القانوني، ولكن علمنا أن نتعامل معه كباحثين وليس فقط كمحامين”. هكذا أسس سيف للتقاضي الإستراتيجي في مصر، وهو أحد أهم ملامح تركته القانونية، ممكناً محاميّ حقوق الإنسان من تغيير قوانين مجحفة على مدار السنين.

ثم تذكر علي عندما اقترح سيف إنشاء وحدة جديدة في مركز هشام مبارك تختص بالتقاضي الدستوري برئاسته وعضوية علي وزميل آخر. وتخصصت تلك الوحدة في مقارنة القوانين بالدستور للدفع بعدم دستورية بعض القوانين المجحفة. بعد تحديد القوانين غير المتماشية مع الدستور، كانت الوحدة تصمم قضاياها لضمان وصولها للمحكمة الدستورية للدفع ببطلان القانون والمطالبة بإلغائه، واستخدمت هذه الطريقة لخوض معارك مهمة مثل الحد الأدنى للأجور وخصخصة قطاع الصحة.

عبدالفتاح قال أيضًا أن أبيه كان دائماً يذكر نفسه والآخرين: “يمكننا أن نكمل نضالنا في المحاكم”.

بينما قال حسام بهجت، مؤسس المبادرة المصرية للحقوق الشخصية والصحفي الاستقصائي في «مدى مصر» أن ما يميز سيف ليس فقط مبادئه، ولكن أيضاً موهبته القانونية. “لقد تعلمت منه أن كونك ناشط لا يبرر أن تكون غير ماهر بالمهنة. لقد كان أحمد سيف يدخل قاعات المحكمة ويُذهل الجميع بموهبته القانونية وليس بالشعارات أو الهتافات السياسية”.

ثم تذكر بهجت أن سيف كان يدخل مكتبه قبل ميعاد مرافعاته بأيام، ولا يخرج إلا للذهاب للمحكمة، عازلاً نفسه لأيام لتحضير دفوعه. وأضاف أن أوراق تحضير سيف للقضايا، والتي كانت مليئة بالرسوم البيانية، كانت تُظهر أنه يمارس المحاماة بعقل عالم.

هنا يذكر عبدالفتاح أن سيف ذات مرة أذهل القاضي باستخدامه خارطة جوجل في دفاعه، في وقت لم تكن التكنولوجيا مستخدمة في المحاكم المصرية بعد.

 وخلال الأمسية تحدث العديد من الحضور عن تعاطف وطيبة سيف التي كانت تظهر في ممارسته القانونية وعلاقته بالمتهمين.

المحامي الحقوقي محمد عبدالعزيز عرَّف سيف كمعلم وكمحامٍ له شخصياً عندما كان أحد المتهمين في القضية المعروفة بـ”ساراندو”، التي اتُهِم فيها بتحريض فلاحين على إفساد أرض.

عبدالعزيز قال أن سيف لم يكن يرى دوره محصورًا في المحكمة، ولكن كان يرى أن دوره الأسمى يكمن في “الطبطبة” على المتهمين ومساندتهم بأشكال أخرى. وأضاف أن سيف كان آخر من يترك قاعة المحكمة، حيث كان في انشغاله بمساندة المتهمين داخل وخارج المحكمة ينسى كل خططه الأخرى، سواءٌ كانت سفر أو ظهور تليفزيوني أو أشياء أخرى. كان سيف يقضي الليل مع عبدالعزيز أثناء إختبائه في مركز هشام مبارك عندما كان مطلوبًا على ذمة القضية.

أما جمال عيد، رئيس الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان، فتذكر موقفًا يلخص بالنسبة له أولويات سيف في ممارسته القانونية.

كان سيف في فريق الدفاع في قضية منع فيلم “المهاجر” للمخرج يوسف شاهين. وفي اليوم نفسه الذي كانت تجري فيه جلسة بهذه القضية، كان عيد لديه مرافعة في قضية أخرى تخص ١٧ عامل أصابتهم قوات الشرطة أثناء إضرابهم في القضية المعروفة بـ”إضراب كفر الدوار”. ذهب كل محاميّ مركز هشام مبارك لحضور جلسة الفيلم وكان عيد متوترًا من تمثيل العمال وحده. يتذكر عيد أن سيف شجعه قائلاً: “إنت قدها” ثم أرسله للمحكمة. وعند وصوله للمحكمة، وجد عيد سيف يترجل من سيارته الـ١٢٨ الشهيرة لحضور الجلسة معه. شرح سيف لعيد يومها أنه لا يجد أهمية لحضوره جلسة يوسف شاهين حيث سيتهافت ١٠٠ محام لتمثيله بينما العمال ليس لديهم أحد.

ثم تذكر عيد نصيحة قالها له سيف تقوده في حياته المهنية. “أخبرني سيف أن أساعد الناس، بغض النظر عن النتائج، أخبرني أن أشعرهم أني معهم بقلبي وروحي وأن أُشعر الجميع بأهميتهم بلا تفرقة”.

قال علي أن أقوى مميزات سيف هي قدرته على الاستماع وشغفه للتعليم. كانت نصيحة سيف الدائمة للمحامين هي أنهم كلما أنصتوا للناس، كلما فهموا شكوتهم أكثر وكانت قدرتهم على مساعدتهم أعلى. ابتكر سيف قاعدة “الكيس الأسود”، كما يحكي علي. كان سيف يؤكد على أهمية تفحص الكيس الأسود الذي غالباً ما يحمله البسطاء عند لجوئهم لمحامٍ، محملاً بكل ما استطاعوا تجميعه عن شكواهم. يضيف علي أن سيف لم يكن يتكبر على الإنصات لأي شخص يتحدث معه، سواء كان متهمًا بسيطًا يطلب المساعدة أو محاميًا جديدًا يعرض وجهة نظره، ولو كانت ساذجة.

أشاد الجميع أيضاً بدور سيف في تطوير حركة حقوق الإنسان في مصر.

تذكر بهجت مساعدة سيف له في تأسيس المبادرة، ليس فقط من خلال تطوير الفكرة معه، ولكن أيضاً بتسليفه ٥٠٠٠ جنيه ليبدأ بها النشاط.

يعطي الكثيرون الفضل لسيف في إدخال ثقافة التطوع على المحاماة واستخدام الممارسة القانونية كأداة في المعركة السياسية الأكبر.

أغلب المجموعات القانونية القائمة على التطوع والتي كان لها دور محوري في السنين الماضية تم إنشائها تحت مظلة مركز هشام مبارك وإرشادات سيف، ومنها جبهة الدفاع عن متظاهرين مصر، ومجموعة “لا للمحاكمات العسكرية للمدنيين”.

أعطى سيف المثل أيضًا في تخطي الاعتبارات السياسية في انحيازه إلى العدل، فتضمنت قائمة المتهمين الذين دافع عنهم على مدار تاريخه إسلاميين متهمين بالإرهاب، شباب يحاكم لممارسة المثلية الجنسية ومتهمين بازدراء الأديان لإدعائهم النبوة.

خلال السنة الأخيرة، قام سيف بالمهمة التي امتنع عنها الكثير من زملائه، وهي الدفاع عن منتمين لجماعة الإخوان المسلمين يحاكمون بتهم متعلقة بالتظاهر، مطبقاً إيمانه بالعدالة للجميع. يعتبر الجميع سيف مثالًا للتمسك بالأمل والاستمرار في المعركة في أحلك المواقف، محتفظًا بروحه المرحة والإيجابية المعهودة.

أضاف علي: “لقد رأيت غضب في عين سيف، ورأيت حزن، ولكن لم أرى أبداً يأسًا أو خوفًا”.

على أمل استكمال مسيرة سيف في العطاء، قال الشلقاني أن المركز يحاول إنشاء منحة دراسية باسمه، وأيضاً يخطط لبدء مشروع لتجميع أبحاثه.
وأخيرًا، لخص عبدالفتاح رسالة أبيه قائلًا: “كل ما نحتاجه هو الانتصار للحق، لا يُشترط أن ننتصر في انتصارنا للحق أو أن نكون أقوياء، علينا فقط أن نُصِّر على الانتصار للحق”.

اعلان
 
 
هبة عفيفي