Define your generation here. Generation What

عن أهمية الكلوت كحد أدنى للاستثمار!

(3 مشاهد من فيلم مصري طويل ـ خارجي ـ ليل بهيم)

 

(1)

دخلنا إلى ميدان التحرير فجاءني صوت سائق التاكسي “شايف يا أستاذ الحلاوة والنضافة والشياكة”، وجدته ينظر لي في المراية مبتسما فهززت رأسي دون اكتراث، ليضيف قائلا “معلهش أصل الفوضى وحشة يا أستاذ”، ومع أنني كنت قد عزمت منذ فتح فمه فور ركوبي على الطناش لكني إكراما للمكان رددت من طرف لساني “طبعا مش عايزة كلام.. الفوضى أوسخ حاجة وآخرتها وحشة على الكل.. على اللي عملوها وعلى اللي استغلوها كمان”، لم يكترث بما قلته وواصل كلامه “ولّا شوارع وسط البلد لو تشوفها دلوقتي.. يا سلاااام.. عاملة زي باريس في عز مجدها”، كنت على وشك أن أقول له “حمد الله على سلامتك.. جيت إمتى من باريس”، لكنني قررت الطناش حتى يأتي الفرج وأفارقه.

واصل قائلا “هو بس في حاجة واحدة مش عاجباني في اللي حصل.. إزاي ينقلوا البياعين حتة تانية يروحوا يبلطجوا فيها ويبيعوا مخدرات ويقرفوا الناس.. كان لازم يحرقوهم كلهم ويخلصوا البلد من وساختهم”، فشلت في التزام الطناش، وسألته عما سيشعر به لو وجد أحدا يطلب الحرق لأمثاله من سائقي التاكسي الأبيض عندما قاموا بمظاهراتهم قبل أشهر، رد بتلقائية دون أن يرى مشكلة تخصه فيما قلته “بس احنا مظاهراتنا جابت نتيجة والجيش كتر خيره هيدفع لنا الديون.. مش هيسيبونا كده يعني أكيد هيشوفوا لنا حل عشان لو احنا عطلنا البلد كلها تعطل”، سألته عما سيفعله إذا افترضنا أنه ـ يعني لا سمح الله والعياذ بالله وبعد الشر ـ لم يتم دفع الديون وتم طلب تحصيلها بالقوة أو الإستيلاء على التاكسي لسدادها، فقال كأنه يردد بديهية “هاولع لهم في التاكسي.. أُمال هاأكل عيالي منين؟”، وعندما قلت له “وتهون عليك مصر؟.. ده أي حد بيحب مصر لو شافك بتعمل كده هيرميك جوه التاكسي وهو بيولع عشان ما تشوهش سمعتها”، نظر إليّ بعدائية وساد صمت لم تقطعه سوى جملة “على يمينك يا أسطى”.  

(2)

يومها شبطت فيّ ابنتي الصغرى عندما قلت أنني ذاهب لدفع فاتورة الموبايل في فرع قريب لمنزلنا بشارع القصر العيني، حاولت تسخيف فكرة نزولها معي لأنني أعرف أن علاقتها بالشوارع المحيطة بنا مقتصرة على الفرجة عليها من الشبابيك الثابتة والمتحركة، لكن جملة “عايزة أمشي معاك في الشارع شوية” هزمتني فاستسلمت لها.

بعد أن أخذت زخرفها وازيّنت، بدأنا رحلتنا القصيرة التي كان لا بد أن نبدأها بالسير في شارع مجاور لضريح الزعيم سعد زغلول المحاط بأكوام الزبالة من كل جانب باستثناء جانبه المواجه لوزارة الإنتاج الحربي!، ومع أول ثلاثة أكوام زبالة ـ صغيرة للأمانة ـ حدث ما كنت أخشاه، بدأت ماكينة الأسئلة الطفولية التي لم تعد المرارة تتحملها: “بابا ليه الناس بترمي الزبالة كده في الشارع؟”، بعد صمت مطبق من جانبي جاء السؤال الثاني “هم مش عارفين إن ده بيجيب أمراض؟”، ولكي لا يبدو صمتي سلبية لا تليق بأب يفترض أنه يملك “زتونة” الحكمة، هززت رأسي باستنكار وقد رسمت علامات الإشمئناط على وجهي، لكن ذلك لم يمنع مجيئ السؤال الثالث “طب مش المفروض السيسي يشيل الزبالة دي؟”، كررت هز رأسي في الإتجاه العكسي هذه المرة، لكن ذلك لم يكن مقنعا لها، فسألتني “بابا إنت مش بترد عليا ليه؟”، وعندها كان لا بد أن أجيب بهراء مقنع لا يجر المزيد من الأسئلة دون أن أقول كلاما غاضبا يلعن كل شيئ، فتردده في حديث مع أحد ما من صديقاتها فينتهي الأمر بتسليمها لشرطة الأطفال العسكرية، تقمصت شخصية مواطن شريف يخاف من مصير سوريا والعراق وقلت كلاما عن ظروف البلد الصعبة وعن لم الزبالة الذي يحتاج إلى فلوس كثيرة ستأتي في القريب العاجل وحتى يحين ذلك فها هي الزبالة تحل لنا مشكلة تأكيل الكلاب والقطط ولم أقل وبعض الناس حفاظا على مشاعرها البريئة، وعندما نظرت إليها لأرى وقع كلامي عليها، وجدتها تسد مناخيرها بيديها، فلم أعرف هل كان ذلك بسبب رائحة كلامي أم بسبب الهبو المنبعث من كوم زبالة عملاق كنا نسير إلى جواره.

عندما مررنا إلى جوار مبنى وزير التربية والتعليم نظرَت إلى المبنى الضخم المظلم ليلا، وقالت “إيه المكان ده يا بابا؟.. ده عامل زي القصر المسحور”، ضحكت وقلت “ما هو زمان كان قصر فعلا بس دلوقتي بقى مبنى وزارة التربية والتعليم.. الوزارة بتاعتكو يعني”، وقفت للحظة تتأمل المبنى قبل أن تقول لي بجدية “ده شكله مسكون”، وأنا لم أكن في مود الهزار، فقلت لها متقمصا دور عبد الحفيظ التطاوي “طبعا مسكون بشبح التخلف”، قالت مبتسمة “لا يا بابا ده مسكون بشبح وزير اتقتل من أربع سنين ولو ركزت شوية هتلاقيه واقف على السور دلوقتي”، ضحكتُ فسألتني فخورة “حلوة مش كده”، كنت على وشك أن أحتضنها بقوة لولا أنها أشارت إلى كلب مريب الطلعة يقترب نحونا وقالت “مد شوية يا بابا الكلب ده شكله مسعور”.

على ناصية الشارع التالي وإلى جوار كوم زبالة جديد، سألتني بمناسبة أني سأسافر إلى نيويورك: “بابا هي نيويورك فيها زبالة كده؟”، قلت بحماس أب يهدف إلى أن لا تشعر ابنته بعقدة نقص أمام العالم “طبعا فيها زبالة كتير زي أي مدينة كبيرة”، وعندها تذكرت مناقشة بيني وبين كاتبة أمريكية صديقة قالت أنها لا تفهم سر إعجاب أمثالي بنيويورك التي تتحول كل مساء إلى مدينة مزينة بأكياس القمامة في كل ناصية، حاولت أن أشرح لها عبثا أنني لا أطلب أبدا المستحيل وهو أن أعيش في مدينة ليس بها زبالة مطلقا، مع أني رأيت ذلك في مدينة مثل إدنبرة الإسكتلندية التي بدا لي بعد فترة من الإقامة فيها أن أهلها يقومون برش مادة كيميائية تقوم بإخفاء الزبالة لكي لا يراها أحد من زائري المدينة، قائلا أن فكرة وجود أكياس زبالة توضع على النواصي عدة ساعات حتى تمر عربيات الزبالة لجمعها في وقت معلوم تشبه تصوري عن المدينة الفاضلة، أخذت أحاول تبسيط فكرة حتمية الزبالة في المدن الكبيرة لابنتي، فقاطعتني قائلة “طب ماهو طبيعي يبقى في زبالة بس برضه لازم إنها تتشال”، هززت رأسي موافقا وأنا أدعو الله أن يخلص هذا المشوار سريعا، خاصة أن تعليقها التالي كان بعد رؤيتها لجنينة دار العلوم “بابا الجنينة دي شكلها يخوف أوي”.

عندما دخلنا إلى مقر البنك المجاور للجنينة وجدناه مُكيّفا أكثر من اللزوم، قلت غاضبا “مش فاهم ليه بيعلوا التكييف كده.. هيخلوا الناس تعيا”، وهي كانت على ما يبدو قد لقطت حس البحث عن الإيجابيات من حديثي السابق، فقالت بثقة “احمد ربنا إن ما فيش هنا زبالة”، وأنا حمدت الله عليها وقبلتها مع حضن جامد جدا، وبعد أن انتهينا من قضاء مشوارنا ساورني قلق من أن تكون نبرة التبرير قد زادت أكثر من اللازم، فأكون قد أقنعتها بحتمية وجود الزبالة في الشوارع، مع أن ذلك ربما كان مفيدا لأن الزبالة لن تغادر شوارعنا سريعا، لكن قلقي زال عندما وجدتها بعد أن أنهينا مشوارنا تقول لي راجية “بابا ممكن نروّح من طريق فيه زبالة أقل”.  

(3)

أخذ رجل الأعمال العائد من الخليج بعد طول غياب يحكي لي كيف أخذت أحلامه العريضة في الإستثمار في أرض الوطن تتضاءل شيئا فشيئا حتى تلاشت تماما.

كانت هذه ثالث مرة يقرر فيها العودة إلى مصر خلال أربعة أعوام، عاد أولا بعد الثورة لينهي غياب خمس سنوات عن مصر التي “هجّجه” منها فساد حكم مبارك، بعد أشهر وجد أن الحال لم يتغير، فسافر وعاد بعد نجاح مرسي ليكتشف بعد شهرين من عودته أن هناك من ينصحه بأنه إذا رغب في تسليك مصالحه سريعا بأن عليه أن يشارك فلان وعلان من رجال أعمال الإخوان، سافر من جديد وعاد بعد رحيل مرسي فرحا بالخلاص من الحكم الإخواني ومصدقا أن مصر أخيرا تغيرت، وعندما سألته أن يوجز لي التغير الذي حدث في مصر منذ عاد، فقال لي بهدوء أن أهم شيئ تغير هو عرض الخازوق الذي كان يجلس عليه من قبل، أصبح أعرض وأعمق.

كان الهدف من جلستنا أن أتعاون معه في مشروع فني يفكر في إنتاجه، لكنني بعد حوالي ساعتين من حكاياته المفزعة عن كواليس الفساد في عالم البيزنس أصبحت أراه هو نفسه المشروع الفني الذي لا بد من كتابته، وبرغم أنه حلّفني منذ البداية أن كل ما يقوله ليس للنشر، إلا أن غواية كتابة ما يحكيه أصبحت أقوى من غواية تنفيذ مشروعي الفني معه، فوجدت نفسي أقول له: “إنت عارف إن المشروع الأحلى والأهم هو إني أكتب مذكراتك كبيزنس مان في ظل عهود مبارك وطنطاوي ومرسي والسيسي.. اللي إنت بتحكيه ده أخطر حاجة تقريبا سمعتها عن أحوال مصر، لإنك ببساطة بتحكي سيرة حياة الفساد اليومي اللي معشش في زواريق البلد”.

انتفض كمن لدغته عقربة، وجرى على مصحف موضوع في دولاب قريب وأحضره ليحلفني على عدم نشر ما قاله، لأنه حكاه فقط للفضفضة مع صديق كي لا يطقّ من جنابه، وكشأن أي مصري صميم أدرك أن الحلفان على المصحف ليس كافيا للإلتزام بالعهد، فأصر على أن يحلفني بحياة بناتي وصحتهم وعافيتهم لكي يضمن ألا أفتح فمي بما حكاه عن أسماء وأشخاص، ولكي أضعك في صورة ما حكاه دون أسماء أو تفاصيل كاشفة لكي لا أحنث بقسمي، يكفي أن أقول لك أن الرجل أثناء سعيه لشراء قطعة أرض ضخمة في منطقة قريبة من القاهرة كان سيقيم مشروعا كبيرا عليها، طُلب منه ترخيص ما من جهة ما، وعندما ذهب إلى المسئول عن إصدار الترخيص، لم يطلب منه رشوة ضخمة ليعطيه تصريحا بأنه لا مانع من بيع هذه الأرض، لأن الرشوة المالية أصبحت موضة قديمة، بل طلب منه أن يدخل شريكا في المشروع بنسبة عشرة في المائة من خلال أحد أقاربه، ليبدأ صاحبنا في التفاوض مع الرجل المهم تفاوضا فريدا من نوعه: هو يعرض على الرجل مبلغ رشوة مالية “توتو على كبوتو”، والرجل المهم يخبره أن “الفلوس مش مضمونة وبتتصرف بسرعة”، ليقطع الإثنان تفاوضهما ليصليا المغرب عندما جاء وقته لأن “المغرب بيتسرق” كما تعلم، قبل أن يعودا ثانية للتفاوض بعد الصلاة، والتفاوض انتهى بأن صرف صاحبنا النظر عن المشروع أصلا، لأنه لا زال من أنصار الدقة القديمة في الفساد، ولا زال أمامه كثير من الوقت لكي يقتنع بفكرة الفساد المشارك الماكث الذي لا يأخذ حقه ناشفا ويجري.

عندما ظل يلُكّ في طلب المزيد من التأكيد على أني لن أكتب ما حكاه لي، قررت من باب العناد أن أقول له كلاما يؤنب ضميره عن أهمية أن يقول شهادته للناس، ليكونوا على بينة مما يجري لهم، وليكون هناك أمل في تغير البلاد، وهو ذهب إلى الدولاب وأعاد المصحف إلى مكانه، وقال بعدها “دلوقتي أقدر أشخر وضميري مستريح”، وبعد شخرة قصيرة أخذ يحدثني طويلا عن عدم جدوى قول أي شيئ عن أي شيئ، وأن الحديث في السياسة يمكن أن يتم التعامل معه بتسامح، لكن الحديث عن فساد البيزنس دونه قطع الرقاب، ولم يقطع انفعاله في الكلام سوى انقطاع النور المفاجئ الذي ذكرني أننا نجلس في الدور “الحاجة وعشرين” في برج اسمنتي عملاق ينقبض قلبي كلما مررت به، وفجأة لم يعد يشغلني لا مشروعه ولا مشروعي، بل أصبح كل ما يشغلني كيف سأنزل كل هذه الأدوار على رجلي حتى لو عادت الكهرباء، لكي لا أغامر بانقطاعها ثانية وأنا في الأسانسير.

في أقل من لحظات عاد النور، وعندما اندهشت قال مفسرا أن هناك شركة أجنبية متعاقدة على بناء مشروع سياحي داخل القاهرة، قرّرت ـ منعا لمهندسيها الأجانب من البهدلة المصاحبة لانقطاع الكهرباء المتكرر ـ شراء مولدات للعمارة كلها على نفقتها، قبل أن يضيف قائلا في لهجة تليق بمسكين يسأل الله حق النشوق “ده أنا بادعي لهم كل يوم والله.. تصور أنا ساعات باجيب المدام والأولاد من الفيلا في المريوطية عشان يقعدوا في التكييف بدل ما هم قاعدين مخنوقين في الحر والكهرباء بتتقطع هناك بالساعات”، سألته مستغربا “طب ما تشتري مولد للفيلا أحسن وتخلص”، وهو رد سريعا دون أن يأخذ وقتا للتفكير “مش لو كنت هاقعد فيها أصلا”، وبعد أن أدرك أن رده يجعل من قعدتنا كلها عبثا لا طائل من ورائه، لأنه لا مبرر أن نتحدث في أي مشروع من أي نوع وهو يستعد لترك الجمل بما حمل، عاد ليحدثني بمرارة شديدة عن حبه لمصر وكيف حاول كثيرا أن يبقى ليستثمر فيها وإلا ما كان قد عاد مع كل عهد مستبشرا مشرئبا، قبل أن يختم كلامه بعبارة ملحمية حين قال “تصدق بالله أنا مرة في قعدة بقيت عايز أقولهم طيب أنا موافق تقلعوني هدومي لكن سيبوا لي الكلوت على الأقل”.

حينها شعرت أن وقتي معه لم يضع هباءا منثورا، فعلى الأقل أصبحت أعرف أنني ذات يوم سأكتب تفاصيل ما سمعته منه في كتاب سيكون وثيقة فريدة من نوعها تحكي كيف ظلت مصر تتردى من نقرة لدحديرة، وهو كتاب لن أجد له عنوانا أفضل من “سيبوا الكلوت على الأقل”.

اعلان