Define your generation here. Generation What
جواهر السينما المصرية: اليوم السادس
 
 

في اليوم السادس من فاعليات مهرجان أسبوع أفلام يوسف شاهين، عرضوا فيلم “اليوم السادس”. الذي تم انتاجه في العام ١٩٨٦، عام حزين على الكثيرين من صنّاع الفيلم. عام حزين على داليدا التي لعبت دور “صدّيقة” الشخصية الرئيسية في الفيلم، ثم انتحرت بعدها بعام، عام حزين على صلاح چاهين الذي قتل نفسه في العام ذاته، وعام حزين عليّ أنا شخصياً لأنه العام الذي ولدت فيه.

في معظم أفلام يوسف شاهين هناك تأرجح ناعم بين حواف لمشاعر متعددة، مناطق إهتمام وتجارب سينمائية. حياة شاهين الشخصية ونشأته نفسها – كما يحكي في الكثير من أفلامه – كانت مثالاً واضحاً لهذا التآرجح. مصري نصف لبناني/ نصف يوناني، خريج مدارس فرنسية يسافر بعد ذلك إلى أمريكا حيث تُصنع مهاراته السينمائية. كان شاهين شخصا شهد الكثير، وشهد على الكثير، عاش حياة ثرية مليئة بالمؤثرات والتحولات التاريخية المجنونة التي شكلت بلا شك الملامح النهائية لأفلامه. في “اليوم السادس” بدأ هذا التأرجح يأخذ إيقاعاً أكثر حدة.

حرصت على مشاهدة أكبر كم ممكن من الأفلام التي عرضتها “زاوية” حتى أوفر لنفسي الفرصة لزيارة أفلام شاهين مرة أخرى في مرحلة مختلفة من عمري، أكون فيها أقل تأثراً بالطريقة الرسمية التي عرفّني المشهد الثقافي المصري بها على يوسف شاهين، وأكون أيضاً أقل تأثراً بآراء والدي في الحياة. لابد أن أعترف أن آراءً كثيرة كانت لدي حول أعماله قد تغيّرت عندما شاهدتها من منظار أكبر قليلاً من سوق السينما المصري بمحدوديته وعزلته. وبالرغم من ذلك كانت لدي طوال الوقت – حتي شاهدت اليوم السادس – تحفظات حول علاقة المصري/الأجنبي في أفلامه. كنت أجد في استكشافه لريف مصر وفقرها، وهوية مصر وثقافتها نوعاً من الإستغلال. خاصة عندما تدمج هذه التفاصيل بشكل معقّد للغاية مع شاهينياته التمثيلية، وجمل حواره الغريبة، أو الرقصات الغربية العجيبة في وسط الأحياء الشعبية أو المقابر.

بكل أمانة كنت أحاول إيجاد مبرراً أخلاقياً لسبب عدم حبّي لأفلامه. أردت أن أقنع نفسي أن هناك شيئاً ما “خطأ” في الطريقة التي يصنع بها الأفلام، وكأن لا إحتمال على الإطلاق أن يكون عدم حبي لأفلامه مشكلتي أنا، أو ليس مشكلة أصلاً.  أجنبية شاهين لم تكن شيئاً يخفيه، هو نفسه قال في أحد أفلامه أنه يكتب نصوص أفلامه بالفرنسية ثم يترجمها للعربية لأنه “يفكر بطريقة أفضل هكذا”، لذا فهو لم ينكر الاتجاه غير المعتاد الذي أتى منه ولم يخجل منه أو يحاول إخفاءه. خاصة في “اليوم السادس” الذي يبدو لي كأصدق أفلامه وأنضجها فيما يتعلق بعلاقة شاهين بمصر وطريقة تواصله معها.

هناك مستويات عديدة للرمزية في الفيلم، أولها وأكثرها مفاجأة بالنسبة لي هو في اختيار الممثلين، مثل اختيار داليدا التي تتحدث العربية بصعوبة لتقم بدور “صدّيقة” غسّالة الملابس الفقيرة الكادحة التي تجاهد من أجل إنقاذ طفلها الصغير من الكوليرا. ملامح داليدا الأجنبية تماماً ولهجتها المضحكة جعلت من المستحيل نسيان أن هذا الفيلم من صُنع يوسف شاهين طوال مشاهدته، ومع ذلك القصة الميلودرامية تجذب اهتمامك حتي نهاية الفيلم. وجدت انعكاساً واضحاً لشخصية شاهين نفسه وكيف يري نفسه في مصر، وكيف يري مصر في “صّديقة”. خليط من تأثيرات وهويات متنوعة في لحظة من الجنون.

القصة المستقاة من رواية أندريه شديد هي عن فصل مظلم للغاية في تاريخ مصر. وباء الكوليرا الذي ضرب مصر في عام ١٩٤٧ وقتل آلاف الناس. تتبع القصة “صدّيقة” التي تحاول أخذ طفلها إلي الإسكندرية حيث تظن أن رؤية البحر ستشفيه. وفي طريقها تقابل “أوكا” القرداتي الذي يقع في حبها. إسم “اليوم السادس” مستوحى من القناعة السائدة وقتها أن الكوليرا تحتاج ٦ أيام لتقتل المصاب بها، إلا إذا شُفي فعندها يكون اليوم السابع هو النجاة.

يستكشف الفيلم كل هذا الظلمات بلغة سينمائية أنيقة. مدير التصوير محسن نصر في اشتراك ناجح آخر مع يوسف شاهين ينجحان في صناعة صورة حالمة، تعبر بنجاح عن حالة الحدوتة الأسطورية. نصف الفيلم الأول كانت معظم أحداثه تدور في ديكور حارة مصرية شعبية، ترك انطباعاً مسلسلاتياً زائفاً إلى حدٍ ما. ربما لميلودرامية الأحداث أراد شاهين أن يستعير هذه اللغة البصرية.

القصة مأساوية للغاية ومليئة باللحظات الحزينة التي يحاول شاهين أن يتخللها بحبه المعهود للحياة ومرحه في الفيلم كل حين وآخر. يظهر شاهين في الفيلم كمالك سينما حلبي يضطر لمغادرة البلاد. في هذا الفيلم شاهين هو رجل شامي متوسط العمر حزين في بدلة غربية فوقها عباءة عربية، كوفية فلسطينية وطربوش كلاسيكي. لا يمكن أن تترجم هوية شاهين بصرياً بشكل أدق من هذا. الرجل الحلبي يحب سرّاً “صدّيقة” التي تحب مشاهدة الأفلام والبكاء.

هناك مشهد حيث تشاهد “صدّيقة” فيلماً بالأبيض والأسود في سينما شاهين. على الشاشة مشهد نهاية كليشيه للغاية لسيدة تحتضر بعد أن تلقي خطاباً عاطفياً مفوهاً عن التضحية والأسرة وما إلى ذلك. هذا المشهد الذي نشاهده صنعه شاهين خصيصاً بنفس الطريقة الكليشيهية التي صنعت بها هذه الأفلام. بالرغم من كونه مشهداً مضحكاً بفعل التمثيل والموسيقى والحوار المبالغ فيه، تعاطفت للغاية مع “صدّيقة” بينما كانت تبكي بحرقة على هذا المشهد. كما جعلني أفكر في هذا الخط الرفيع بين الوهم والإنخراط العاطفي الصادق في السينما عموماً وفي أفلام شاهين على وجه الخصوص.

هنالك بالطبع انبعاث آخر لجانب آخر من جوانب شخصية يوسف شاهين يلعبه بالطبع محسن محي الدين، القرداتي الذي لا يتوقف عن القفز والرقص مع قردته التي يبدو أنه تربطه بها علاقة عاطفية. “أوكا” مبهور بالشقراوات، والشقر عموماً. في مرحلة مبكرة من الفيلم سيصبغ “أوكا” شعره ليصبح أشقراً تماماً، ثم يغيّر رأيه بعد ذلك ويحاول أن يعيد لشعره لونه الأسود فيفشل، وينتهي المطاف به برأس مشلفطة محلوقة عشوائياً. بدا لي في هذه الحدوتة رمزية لعلاقة شاهين بالغرب والهوية عموماً. رحلة من الشغف إلى اللعنة. “لازم أعجب، عشان الناس تحبّني” يوضّح “أوكا” وهو يتحدّث عن شعره.

هنالك ذكر متكرر للإنجليز في الفيلم، لأسباب غالباً فنّية يحب شاهين تغيير الوقائع التاريخية والعبث بالتواريخ لتتناسب مع الطريقة التي يرى بها قصته. يتظاهر الفيلم أن الوباء ضرب مصر بعد جلاء الانجليز، على عكس ما حدث في الحقيقة، بالرغم من ذلك جملة: “الانجليز مشيوا وسابوا الكوليرا وراهم” لها الكثير من المعاني التاريخية أيضاً. في الحقيقة انتقلت الكوليرا إلي مصر في جسد عسكري انجليزي قادم من الهند، طبياً هناك الكثير من الوقائع التاريخية التي ساهم فيها الإحتلال في نشر أمراض قاتلة بين سكان مستعمراتهم الذين لم تكن لديهم نفس المناعة لڤيروسات معينة. سياسياً هناك رمزية قوية في حالة الفوضى والإنهاك التي تركت انجلترا مصر فيها بعد سنوات طويلة من الاحتلال. مريضة، ضعيفة وتعاني، تماماً مثل “صدّيقة”.

سترى أيضاً في الفيلم كيف كان الناس (يفتنون) على المصابين، ويبلّغون عنهم السلطات مقابل المال. عبلة كامل تلعب دور طبيبة صارمة تحارب الوباء، بلا رحمة ولا هوادة ولا ذرة تردد مع الخطر. كان المرضى يلقون في الصحراء ليُعزلوا عن باقي الناس. أحب أن أرى في هذا عتاب من يوسف شاهين للحقبة الناصرية التي أحبها شاهين ودعّمها وصنع أفلاما تؤيدها أحياناً وتنتقدها أحيانا أخرى.

الفيلم صُنع في وقت كان فيه الكثير من الحالمون يفقدون الأمل ويوقنون أن المستقبل الذي حلموا به لم يكن ليحدث. صلاح چاهين مثلاً، الذي كتب كلمات أغنية “الطوفان” الشهيرة والتي غنّاها محمد منير في منتصف الفيلم تقريباً، كان واحداً ممن عاشوا حلم ثورة يوليو عن قرب في أيامها الأولي. في الأغنية التي كتبها قبل وفاته بشهور قليلة يقول:

“بعد الطوفان، الجو شبورة

ننده لبعض بهمسة مذعورة،…

… ونقول ده والله حرام

مانبتديش العلام

غير بالطوفان يعني؟

لازم طوفان؟

لازم طوفان؟

لازم طوفان..”

في مشهد عاطفي على القارب، البحّار العجوز الصموت الذي ظهر في مرحلة متأخرة من الفيلم والذي يبدو أنه يمثل مرحلة أخرى في حياة يوسف شاهين، يتحدث عن حياته. ويقول أن ما خرج به من رحلته في النهر والمدينة الكبيرة هي أشياء لم يكن يعرفها عن نفسه، مثل الشجاعة.

لو أن هناك كلمة واحدة سأستخدمها لوصف سينما يوسف شاهين من وسط كل هذه اللخبطة، ولوصف ما فعله بحياته هى بكل تأكيد الشجاعة.

اعلان