Define your generation here. Generation What
الإضراب عن الطعام في نظر القانون
 
 

أمام الزيادة المطردة في عدد السجناء السياسيين وتعميق مجموعة من القوانين القمعية فى مصر، لم يجد السجناء والمدافعون عن حقوق الإنسان أداة أخرى للاعتراض السلمي سوى الإضراب عن الطعام. ولقد شهدت هذه الحملة العامة للإضراب عن الطعام إقبالًا متزايدًا حيث انضم إليها حتى اليوم أكثر من 140 شخصًا. ونصف هذا العدد أو أكثر من المسجونين والباقي من المتضامنين معهم من خلال مبادرات مثل الحرية للجدعان، وجبنا آخرنا، واليوم العالمي للتضامن #Fast4Freedom. كان الناشط علاء عبدالفتاح هو الذي حرك مجموعة الإضرابات الأخيرة هذه، عندما أعلن إضرابه عن الطعام ردًا على الظلم المستمر الذي يتعرض له في القضية المتهم بها، وكذلك بسبب وفاة والده أحمد سيف، المحامي البارز بمجال حقوق الإنسان، والذي توفى أثناء وجود علاء في السجن. وأُخلى سبيل عبد الفتاح بكفالة في 15 سبتمبر.

حملة الإضراب عن الطعام، التى حظيت باهتمام دولي وتضامن عالمي، هى وسيلة للاعتراض على استمرار احتجاز النشطاء السلميين بأعداد كبيرة على خلفية تهم سياسية، وأيضًا على عدم دستورية قانون التظاهر المصري. ولقد صرح وزير العدالة الانتقالية بأن قانون التظاهر سوف يشهد تعديل “قريب جدًا”، كما زعم وزير الداخلية مؤخرًا أنه لا مانع لديه في تعديل القانون. ورغم ذلك فقد أكد وزير العدل على أن القانون لن يتم تعديله إلا إذا تم قبول الطعن المقدم حاليًا أمام المحكمة الدستورية العليا.

ورغم أن لجوء النشطاء، في مصر وغيرها، إلى الإضراب عن الطعام ليس أمرًا جديدًا إلا أنه حقق مؤخرًا انتصارًا محدودًا وإن كان مهمًا، عندما تم إطلاق سراح الصحفي المصري عبدالله الشامي. بعد شهور من الحملات المكثفة على شبكات التواصل الاجتماعي والدعم القانوني المقدم من قناة الجزيرة، وتم إطلاق سراح الشامي في 17 يونيو الماضي، بعد حبسه 306 يومًا دون توجيه تهمة له، قضى منها 147 يومًا مضربًا عن الطعام. كان الشامي قد قُبض عليه أثناء تغطيته أحداث فض اعتصام رابعة العدوية، وتم الإفراج عنه “لأسباب صحية” بعدما فقد أكثر من 40 كيلوجرامًا من وزنه وتعرض لتدهور خطير في الوظائف الحيوية. ومع ذلك لم يحقق كل المضربين عن الطعام نفس النجاح الذي حققه الشامي. فعلى سبيل المثال، دخل محمد سلطان، الذي يحمل الجنسيتين المصرية والأمريكية، والمتهم في قضية “غرفة عمليات رابعة، في اليوم الـ235 من إضرابه عن الطعام. ورغم دخوله العناية المركزة مرتين خلال الأسابيع الماضية، وحقنه بمواد مضادة للتخثر لتجنب تعرضه لجلطة رابعة، إلا أنه لم يتضح بعد أن الحكومة المصرية تنوي إطلاق سراحه هو الآخر بشكل استثنائي.

ومن الناحية القانونية يُنظر إلى الإضراب عن الطعام على أنه شكل من أشكال المقاومة السلمية، ويرى العديد من المدافعين عن حقوق الإنسان على المستوى الدولي أنه أحد حقوق حرية التعبير المكفولة والتي نصت عليها المادة 65 من الدستور المصري الجديد. وباعتبار الإضراب عن الطعام أحد مظاهر حرية التعبير يصبح واجبًا على الدولة احترام هذا الحق وعدم المساس به، حتى وإن تعارض مع حقوق السجناء المنصوص عليها في المادة 55.

ورغم أن القانون الدولي قد لا يكون ملزمًا للدول على نحو قاطع لعدم وجود معاهدات تذكر الإضراب عن الطعام بشكلٍ صريح، إلا أن العرف الدولي يمنع بوضوح ممارسات مثل الإطعام القسري، وهو ما نصت عليه الجمعية الطبية الدولية في إعلان مالطا عن الإضراب عن الطعام وإعلانطوكيو، وكذلك مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في عام 2006، وبيانات الأمم المتحدة التي تصف الإطعام القسري بأنه نوع من أنواع “التعذيب”. ولقد نص إعلان طوكيو بشكلٍ محدد على أنه في حالة رفض السجين الطعام وهو في كامل وعيه وقادر على اتخاذ قرارات لا يجوز أن يتم إطعامه عن طريق تعليق محاليل طبية. ويناشد الإعلان الأطباء في جميع أنحاء العالم أن يرفضوا المشاركة في التعذيب أو الإهانة أو المعاملة القاسية للسجناء أو المحتجزين، أو الموافقة على ذلك أو السماح به. ولقد أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان مؤخرًا قرارين على الأقل بعدم جواز الإطعام القسري إلا في حالات استثنائية محدودة. وبالإضافة إلى ذلك هناك عدد كبير من الدول، من بينها الولايات المتحدة الأمريكية، يتبنى قوانين تكفل للمواطنين الحق في رفض الرعاية الطبية (بما في ذلك حق رفض الطعام والشراب) لكونه يترتب منطقيًا على “الحق في الصحة”، وبهذا منحت السجناء المضربين عن الطعام حماية قانوينة.

والأمر المؤكد، من ناحية أشمل، هو أن مصر موقعة على اﻟﻌﻬﺪ اﻟﺪوﻟﻲ للحقوق اﻟﻤﺪﻧﻴﺔ واﻟﺴﻴﺎﺳﻴﺔ، وبهذا تقع عليها مسؤولية الحفاظ على حرية المواطنين في التعبير بموجب المادة رقم 19، وهي ملزمة أيضًا بالمادة 7 التي تنص على أنه لا يجوز إخضاع أي مواطن للتعذيب ولا للمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة (وهو ما نصت عليه المادة 5 من إعلان الأمم المتحدة لحقوق الإنسان والمادة الأولى من الاتفاقية المناهضة للتعذيب أيضًا)، وأن لكل سجين الحق في الكرامة والمعاملة الإنسانية بموجب المادة 10. وقد يندرج ذلك أيضًا تحت تفسير الحق في الصحة، والتي التزمت به مصر في ظل العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وفي حديثه عن المصير المتوقع للمضربين عن الطعام في مصر، يرى محمود كبيش، عميد كلية الحقوق بجامعة القاهرة، أن الإضراب عن الطعام حق من حقوق الإنسان، ومع ذلك يبدو أن ممارسات الدولة المصرية على أرض الواقع تتعارض مع هذا الحق. فهناك بنود في قانون تنظيم السجون (قانون رقم 396 لعام 1956) وفي لوائح السجون تنص في صياغة مبهمة على السماح للأطباء باتخاذ جميع الإجراءات اللازمة للحفاظ على صحة المسجون. وكثيرًا ما لجأت السجون إلى ممارسات عليها خلاف مثل الإطعام القسري لإنهاء الإضراب عن الطعام. ويشير كبيش أيضًا في حديثه إلى أنه في حالة وفاة السجين المضرب عن الطعام يسجل سبب الوفاة على أنه “انتحار”.

كما أوضح إيهاب عزت ومحمدزارع، المحاميان بمجال حقوق الإنسان، أنه طبقًا لممارسات الدولة يقوم السجين بإخطار مسؤول السجن بقراره عند البدء في الإضراب عن الطعام وبأسباب هذا القرار، لعل إدارة السجن تستطيع أن تحل الأمر، وهو احتمال ضعيف. ثم يقوم محامي السجين بإخطار النائب العام ببدء الإضراب عن الطعام والغرض منه. وبعد ذلك يؤخذ السجين إلى المستشفى أو يعرض على طبيب السجن ليسجل حالته الصحية، وبعدها يتم تحديد جدول ذهاب السجين إلى المستشفى حسب الحاجة، ثم بشكل دوري مع تدهور الحالة الصحية للسجين. ويؤكد زارع أنه لا توجد قواعد موحدة تتبعها السجون المصرية تحدد شكل استجابتها لمطالب الإضراب عن الطعام، ولا إذا كانت سوف تلجأ إلى ممارسات مثل الإطعام عن طريق تعليق محاليل طبية أو الإطعام القسري ومتى ستقوم بذلك. ومع ذلك فإن التقارير التي تصف حالات السجون المصرية تشير إلى أن المضربين عن الطعام غالبًا ما يخضعون لضغوط هائلة لإنهاء إضرابهم، حيث تعرض السجناء المضربون عن الطعام إلى الضرب المبرح والاعتداء الجنسي والحبس الإنفرادي على يد مسؤولي السجن، وتم نقلهم إلى سجون بعيدة لإجبارهم على إنهاء الإضراب.

إن حرمان المحتجزين الذين يتمتعون بوعيهم الكامل ورجاحة عقولهم من حق التعبير عن أنفسهم من خلال الإضراب السلمي عن الطعام، أو إجبارهم على إنهاء إضرابهم باستخدام وسائل عنيفة (سواء الإطعام القسري أو التعذيب الانتقامي أو الاعتداء الجنسي) يعد انتهاكًا للقانون الدولي ولالتزامات مصر الدستورية تجاه حقوق المواطنين والمسجونين. وبينما عدد المضربين عن الطعام بالسجون المصرية في ازدياد مطرد، وفي ظل الاهتمام الدولي المتزايد بقضاياهم من خلال مبادرات التضامن، لا يوجد شك أن الدولة سوف تكون مجبرة على الاستجابة. الحملة القمعية العنيفة التي تسعى إلى إسكات الأصوات المعارضة في البلد تشير إلى إصرار الدولة المصرية على المضي في طريقها الرجعي، حيث تلجأ إلى أساليب كالإطعام القسري وسائر أساليب التعذيب القديمة. إلا أن تلك ليست السبيل الوحيدة، فينبغي لمصر احترامًا لالتزاماتها المحلية والدولية في ما يخص حقوق الإنسان التحرك فورًا لتعديل قانون التظاهر القمعي والسماح بالتظاهر والإفراج عن كل معتقلي الرأي في مصر.

* ترجمة لمقال منشور على موقع معهد التحرير لدراسات الشرق الأوسط.

اعلان
 
 
مي السعدني