Define your generation here. Generation What

المؤسسات الثقافية بعد يناير ويونيو

“كن مع الثورة”.. “كن مع الفن”: شعاران أو جملتان تعبران عن موقفين لرؤية مصر من قبل الفنان البصري ومصمم الجرافيك محمد جابر. يقول جابر على صفحته أنه صمم الشعار الأول ضمن مشروعه الفني “(جرافيكس) ضد النظام”  في أبريل ٢٠٠٨، تزامناً مع دعوة النشطاء المصريين لإضراب عام. كانت الدعوة للإضراب ضد الغلاء والفساد تضامناً مع إضراب عمال شركة المحلة الكبرى. أما الشعار الثاني، وهو نسخة معدلة من “كن مع الثورة”، صممه جابر ضمن مشروع “الفن في الشارع” مع مجموعة من فنانين الجرافيتي في الإسكندرية. انتشر “كن مع الثورة” إنتشاراً واسعاً مع ثورة ٢٥ يناير وأصبح يُطبع على القمصان ويرسم على الحوائط في مدن كثيرة ليس في مصر والدول العربية فقط، بل في بلدان ومدن أوروبية أيضاً.

الشعاران مكثفان ويحملان الكثير من التعميم، أي ثورة؟ وأي فن؟ كيف نرى تلك الشعارات اليوم بعد مرور ثلاث سنوات على ما سُمي بالربيع العربي وما شهده الحراك الشبابي من صعود كبير هز البنى الثقافية والإجتماعية السائدة، وأيضاً إخفاق وقمع على أكثر من مستوى. الشعاران وُلدا وانتشرا في مصر خلال الثلاث سنوات الماضية على صفحات الإنترنت وحوائط الشوارع التي شهدت حراك شبابي كبير، فهما يعبّران بخصوصية لافتة عن جيل الشباب دون العشرين وحتى الأربعين في مجتمعاتنا، وهما مدخل تساؤلنا حول المؤسسات الثقافية في مصر بعد ثورة ٢٥ يناير، هل تطورت هذه المؤسسات بالسرعة المناسبة لتطور الأحداث السياسية والإجتماعية في مصر؟ هل لبّت المؤسسات الثقافية الندائين “كن مع الثورة” و”كن مع الفن”؟ هل غيرت الثورة الفن؟، هل أنتج الحراك فناً ثورياً؟

 

 

المصدر: https://www.behance.net/gallery/1183271/Be-With-The-Revolution

 

لنرسم تصوراً حول هذا المشهد سنحتاج بداية لتعريف موجز بالبنية العامة لمؤسسات الثقافة المصرية. حيث نستطيع تقسيم مقدمي الخدمات الثقافية في مصر إلى قسمين: مؤسسات رسمية (وزارة الثقافة وهيئاتها) ومؤسسات مستقلة (غير رسمية – مستقلة التمويل عن الدولة). تشكل هذه الثنائية الجانب الأكبر من بنى مؤسسات الثقافة المصرية، وهناك أيضاً القطاع الخاص الذي يقدم خدمات ثقافية ومنتج فني يميل في توجهه أحياناً لجانب مؤسسات الدولة ويميل أحياناً أخرى للمؤسسات المستقلة.

الهيكل الإداري والتمويل يسهم إلى حد بعيد في تحديد شكل الخدمة وجودتها، فمؤسسات الثقافة الرسمية المصرية كانت دوماً، وعلى مدار عقود، مؤسسات ذات هياكل إدارية ضخمة ومعقدة تهترىء بفعل الزمن والفساد لتصبح كيانات طاردة لأي فنان أو مثقف مجدد وثوري، وغير مُرحبة بالشباب بشكل عام، وغير معنية  بتحديد الفئات المستهدفة لتقديم الخدمة. هذه رؤية عامة وإن قمنا بتقريب الصورة أكثر تبعاً لأحداث معينة أو صعود أشخاص بعينهم (أحداث سياسية – كالتعديلات الدستورية قبل ثورة يناير) سنكتشف ربط توجهات هذه المؤسسات بالترويج لأفكار سياسية بحتة وجنوحها عن هدفها الرئيسي.

بعد الثورة استجابت الدولة شكلياً لأصوات التغيير والثورة، ونقول “شكلياً” لأن الهيكل الإداري الضخم جداً والمتشابك، وطريقة إدارة التمويل الثقافي ظلت كما هي، فتبنت تلك المؤسسات خطاب يحتفي بالثورة “بتحفظ” لأن المؤسسات الثقافية المصرية هى بالطبع صدى للصوت الرسمي الذي يحكم، فمع التغيرات السياسية اللاهثة بعد الثورة والتغيرات الدرامية والنقلات الحادة، كانت مؤسسة الثقافة الرسمية “وزارة الثقافة” متخبطة بين القيام بإجراءات شكلية لمواكبة الحراك الجماهيري أو إجراءات شديدة التحفظ لكونها جزءا من الدولة المصرية.

بقى هذا التخبط إلى أن وصلنا إلى نقطتين كانتا في منتهى الوضوح والحدة: الأولى، تعيين وزير ثقافة منحاز تماماً لتيار الإسلام السياسي إبان حكم محمد مرسي وتبنيه خطابا ثوريا شعبويا كانت ركيزته الأساسية محاربة الفساد والقضاء على جماعات المصالح، وقد كان هذا الخطاب، الذي ظاهره ثوريا، لا يتماشي مع الخطوات الرجعية ـ في رأيي ـ التي مارسها وزير الثقافة. وإحتجت مجموعة من المثقفين ضد تعيينه بعد قرارته، التي تعلقت كلها “بالإحلال والتبديل”، وبالأخص تغيير مديري المؤسسات الثقافية بشكل صدامي واستبدالهم بمديرين “مخلصين” له.

حتى و إن كان صادقا في مسعاه، فالطريقة التي واجه بها إعتصاما لمثقفين وهي إلقاء كلمة في الجامع بعد صلاة الجمعة، أثارت الفزع لدى أي مهتم بالثقافة والفن، ليس لأن الجامع يهدد الثقافة ولكن الحالة والمشهد كانت استلهاما للتجمعات الإيرانية الخومينية في يوم القدس. أما بالنسبة لإنتقاداته لجماعات المصالح، كما صنفها، فكانت تقتصر علي رؤيته أن هناك فنون لا تدر ربح وتشكل عبء على ميزانية الدولة، وبالطبع منطق الربح والخسارة في وزارة خدمية من المفترض ألا تربح ما هو إلا جر لوزارة الثقافة للحالة الشعبوية التي قد تري أن الثقافة ليست أولوية في هذه الظرف، وهو منطق في منتهي الرجعية و ضد الأهداف الثورية التي تتعلق بتطوير الثقافة.

وقوبل ذلك برفض عام من جميع المتعاطين مع وزارة الثقافة، فنانون وموظفون و”فنانون موظفون”، وكان الخطاب المضاد منطلقاً من أن الوزير يكره الثقافة وجاء ليهدد الهوية الثقافية المصرية، وبالطبع انتهت هذه المرحلة برحيل الوزير بعد ٣٠ يونيو وما تبعها من استئصال للإسلام السياسي من المعادلة السياسية المصرية، المرحلة الثانية أتت بعد موجة العنف والتفجيرات ضد الدولة، وهي مرحلة ما تزال في بدايتها ولكن إرهاصاتها تشير إلى التقاط خطاب قديم حديث وهو ما يسمى الدور التنويري للثقافة.

أما المؤسسات الثقافية المستقلة فكانت متماهية مع ثورة يناير وأفكارها، وكانت هناك نقلة نوعية على مستوى النشاطات. حيث زال في أعقاب الثورة التحفظ الذي كانت تنتهجه هذه المؤسسات في إطار ربط الفن بالسياسة عند استخدامها تعبيرات وتركيبات لغوية مبهمة وغير مباشرة عند الإفصاح عن نفسها، وتمت مواكبة معظم الأحداث الثورية على الأرض، كالمظاهرات والإحتجاجات، بالتواجد والبيانات وتقديم دعم مادي للفاعليات الفنية في الميدان.

كانت حالة ميدان التحرير أثناء الإعتصام بعد ٢٨ يناير بالطبع ملهمة وباباً للكثيرين، وقد تبنت الكثير من المؤسسات المستقلة تلك توجها أكثر إنفتاحا على الشارع، وتحررت لوهلة من قيد القبضة الأمنية التي كانت تتوجس من أي نشاط  فني أو ثقافي في الشارع، كما تغيرت بالطبع أجندات التمويل الثقافي العالمية تبعاً للثورة وهي التي تحدد وتوجِّه الكثير من بوصلات المؤسسات الثقافية المستقلة، أحياناً بشكل تعسفي غير معني برأي الكيانات الأصغر المنتجة للفنون أو الأفراد والمجموعات التي تتلقي هذه الخدمات الثقافية، وأحيانا بشكل علمي متأني يدرس الإحتياجات والموارد، ولكن المؤسسات الثقافية واكبت، كماً وكيفاً، ثورة يناير والأحداث الثورية والحراك الشبابي وتبنت معظم التجارب الفنية التي خرجت من ميدان التحرير تحديداً، كما ساهمت هذه المؤسسات في خلق نجوم من خلال مِنَح الدعم التسابقية في الغناء والشعر على سبيل المثال، وأخرج ذلك أصواتاً جديدة تلبي رغبات جمهور متنوع أغلبه من الطبقة الوسطي ولكنها تقدم منتجاً فنياً مباشراً ذو رسالة بسيطة بجماليات قد تكون قديمة أحياناً ومبتذلة فى أحيان أخرى ولكن خطابها كان جديداً يحتفي بالثورة ويُمَّجد بعض القيم العامة التي روجت  لها.

ولعل تلك الموجة الفنية كانت تلائم وتسد فراغ لدى الثورة التي بدت في أولها بلا أي غطاء سياسي أيدولوجي وكان دور المؤسسات الثقافية المستقلة، التي تنتمي للأفكار الليبرلية الغربية في العمل المدني والمجتمعي،هو دعم هذه الأصوات الفنية بلا فرز أو تقييم فني، إذن، وكما سبق أن ذكرنا، كانت هناك مواكبة من حيث الكم والكيف، وتحرر الخطاب من الرقابة الأمنية والرقابة الذاتية.

أما بعد ٣٠ يونيو، فقد حدث تراجع ملحوظ لهذه المؤسسات المستقلة، فالشارع كان هو الساحة الجديدة لمعظم هذه المؤسسات، خاصة في القاهرة التي كان تقديم عمل فني في شوارعها قبل يناير يعد عملاً صعب المنال لأن الرقابة كانت مشددة، بينما كانت مناطق جغرافية أخرى كالإسكندرية تتمتع قبل الثورة بما يمكن أن نسميه تنافساً من المؤسسات الثقافية المستقلة ومجموعات ثقافية وفنانين أفراد، لتقديم منتج ثقافي وفني في الشارع، في وسط المدينة وبعض الأحياء الشعبية، ومع يونيو وتبعاً للعنف والإجراءات الإستثنائية كحظر التجوال، تحولت معظم الفاعليات السياسية في الشارع إلى صراع دموي واختفت المساحة الجديدة للفنون والثقافة المكتسبة بعد يناير، وكما كانت يناير نقطة تحول وانفتاح  في السياسات الأجنبية لدعم وتمويل الثقافة المستقلة، كانت ٣٠ يونيو وإجراءاتها السياسية تحمل الخوف والريبة للمؤسسات الغربية، التي رأت ما حدث بعد ٣٠ يونيو نكوصاً على الديموقراطية، فتوقف الدعم وسادت حالة من الترقب للعملية السياسية دون الأخذ في الاعتبار أن مواصلة الدعم للمؤسسات الثقافية المستقلة قد يخلق مساحة وفرصة جديدة لاختراق المجال العام.

وبالعودة للتساؤل الأول حول موقف المؤسسات الثقافية من شعاري “كن مع الفن” و”كن مع الثورة”، سنجد أن الثقافة الرسمية والثقافة المستقلة، كلاهما تعاطى مع التغيير كرد فعل للعملية السياسية والإجتماعية، وليس وفق إستراتيجية نابعة من دراسة وتحليل البيئة الداخلية لهذه المؤسسات أو البيئة الخارجية المحيطة بالوسط الثقافي.

حتى وإن كانت هناك بعض المحاولات من الجانبين لرسم سياسات ثقافية، تقاطعت في بعض الأحيان، وفي أحيان أخرى تعارضت، فالواقع أنه لم تظهر أي محاولات جادة لتوثيق منهجي أو تحليل نقدي للمنتج الثقافي إبان الثورة، علي سبيل المثال: هل الفن الذي قُدم وظهر نابع من رؤية جمالية جديدة؟، هل التطور الثقافي بعد الثورة مرتبط بقيم ثقافية عالمية جديدة أم هو تطور محلي فقط؟

فلنأخذ علي سبيل المثال «موسيقي المهرجانات» والتي تحولت إلي ظاهرة فنية يُحتفى بها من قبل المؤسسات المستقلة، وذلك لإرتباطها بالمزاج السائد لقطاع من الشباب الثوري والذي ينتمي للطبقة المتوسطة والعليا. تؤكد هذه الموسيقى علي تفكيك المنظومة القديمة، فالموسيقي والكلمات وكل التجربة تشكل هامشا متوحشا، شديد الأخلاقية والتحفظ أحيانا وشديد النزق والإباحية في أحيان أخري، عنيف وثوري ولكن بلا أي غطاء معرفي فني. هذا الشكل الذي إحتفت به المؤسسات الثقافية المستقلة المصرية والغربية هو مثال علي فوضوية المرحلة التي يتم  تهذبيها الآن بالخطاب التنويري لوزارة الثقافة. لكن المفارقة هي أن موسيقي المهرجانات وفنانوها ومنتجوها لن يعانوا من هذا الخطاب التنويري، ولن تؤثر الردة في المزاج العام بعد ٣٠ يونيو عليهم، لأن الحاضنة التجارية يمكن أن تستوعب كل الأشكال الفنية الجديدة التي تبيع  وتشكل تيارا عاما، أما من سيعاني هي المؤسسات المستقلة التي تسعي لتغيير الكود الثقافي والفني وطرح بديل عن الخطاب التنويري الذي يحاول أن يعمم كوده الثقافي ويقلل من أهمية المختلف، ولكن بالطبع الإنترنت بفوضويته وتعدديته لن يسمح بسهولة بفرض كود ثقافي واحد، الذي هو بطبيعة الحال ضد الثورة وضد الفن.

هذا الكود الثقافي هو خطاب سيتطور ليصبح سياسة ثقافية تتماشى مع تشكيل الدولة التي تؤمن بدور الإعلام والثقافة الرسمية الرصينة المتحفظة  وتخشي الإعلام المضاد أو البديل والثقافات الهامشية، ولذلك لن تسعى المؤسسة الثقافية الرسمية لإحتواء أي هامش، ولكن ستتحكم فيه بقوانينها لأن عصر إحتواء الهامش الثقافي لن يعود بشكله قبل يناير، لذلك فالمؤسسات الثقافية المستقلة يجب أن تعلن عن خطابها وتسعي لتحويله إلى سياسات ثقافية وممارسات قائمة على تجربة الحرية الثقافية الأهم في تاريخ مصر بعد ثورة ٢٥ يناير ولكن في إطار أكثر تنظيما وذى بعد إستراتيجي. يجب أن يتم تقوية هذا السوق الثقافي وألا نتركه يتنافس مع السوق التجاري الثقافي والفني الرأسمالي. يجب ألا نترك المشهد الثقافي والفني المستقل يخضع لظاهرة الأكثر مبيعا ولا محددات التنويرالثقافي الحكومي، يجب أن نكون مع الفن ونكون مع الثورة.

اعلان
 
 
عادل عبد الوهاب