Define your generation here. Generation What
جواهر السينما المصرية: “باب الحديد”
 
 

في ذاكرتي، أفلام يوسف شاهين هي ألوان سبعيناتية لمثقفين عرقى مهمومين يدخنون السجائر بشراهة ويتحدثون بشغف شديد عن أشياء لا أفهمها ولا أشاركهم الشغف بها، في مشاهد تنتهي فجأة بشخص يقفز. صنع شاهين الكثير من الأفلام، وكثير منها كانت عن شخصه، بشكل أو بآخر يجعل هذا من المستحيل تقريباً رؤية أىٍ من أفلامه خارج إطار المحادثة الشخصية المستفزة الدائرة بينه طوال الوقت وبين جمهوره.

لكني دائماً ما استمتعت بأفلامه التي ليست عنه ولا عن المثقفين المهمومين المدخنين (حتى ولو كانوا نفس الشخص). بشكل رئيسي لأنني أحببت شكل الأشياء في تلك الأفلام. كان شيئاً مذهلاً على سبيل المثال عندما رأيت فيلماً بالأبيض والأسود له لأول مرة: الأفلام المصرية التي سُمح لنا بمشاهدتها على التلفاز في مرحلة الأبيض والأسود كانت متشابهة للغاية وتقريباً عن نفس القصة، وفي نفس الأماكن، وأنماط الشخصيات.

الفيلم الرومانسي الموسيقي “انت حبيبي” ١٩٥٧، على سبيل المثال، بالرغم من كونه مشابهاً للكثير من الأفلام التجارية التقليدية في هذا الوقت من حيث القصة وغرض الفيلم، إلا أنه بدا مختلفاً تماماً. في لقاء تليفزيوني مع شاهين تحدث عن كيف أراد فريد الأطرش أن تتم إضاءة وجهه بطريقة معينة بحيث يبدو مربّعاً، رفض شاهين ذلك وصوّر الفيلم بطريقته. جاء الفيلم لطيفاً وممتعاً، وفريد ـ الممثل والمطرب الأكثر تربيعاً في تاريخ السينما العربية ـ كان مضحكاً فيه لأول وآخر مرة تقريباً.

في ١٩٥٨، وبعد “انت حبيبي” بعامٍ واحد، أخرج يوسف شاهين “باب الحديد”، مفاجأة كبيرة للجميع تقريباً. أفلام شاهين السابقة لم تكن علاقتها بشبّاك التذاكر سيئة، أفلام عن صراعات إما في الميناء أو في الوادي أو في الصحراء، أفلام لم تربك الكثيرين ولم تتسبب في الكثير من المشاكل. ربما كان وحده أثناء تصوير “باب الحديد” يعلم أن تغييراً كبيراً على وشك الحدوث لمشواره الفني.

مع ذلك نجح “باب الحديد” في أن يكون فيلماً آمناً إلي حد كبير. مر بسلام من فلتر التليفزيون المصري كفيلم جريمة سيكوباتي Noir مسلْي. المشهد الأخير حُفر في ذاكرة الملايين جنباً إلى جنب مع كلاسيكيات اللحظات السينمائية الشهيرة. ولكن جسد الفيلم المغطى بطبقات سينمائية متعددة تستشعر بداخله غلياناً يبحث عن شق ينفجر منه. تماماً مثل مشاعر قناوي المكبوتة، ذلك المهاجر من الجنوب الضائع وسط غابة محطة مصر.

لا عجب أن شاهين نفسه أراد أن يلعب هذا الدور، دور بائع الجرائد المحطّم الأعرج، الذي يصفه الشخص الوحيد المتعاطف معه بأنه “إنسان محروم لدرجة أنه أصبح إنسان مريض”، شخص مخيف علاقة العالم به هي مزيج من التقزز والتعاطف، زوج من العيون المحدّقة الملأى بالرغبة والأحلام السحرية، وفم متلعثم عاجز عن المحادثات الطبيعية المملة.

شاهين، كممثل في هذا الفيلم، على عكس الكثير من الممثلين في ذلك الوقت، لم يخش من تأدية هذا الدور الذي كتبه عبدالحي أديب ومحمد أبو يوسف، وغالباً طوّره شاهين نفسه. الكثير من الممثلين لا يريدون آداء أدوار تقدمهم للجمهور كأشخاص مقززين أو غير مريحين. يحب الكثيرون لعب دور الشرير لأن ثمّة احترام ينالونه مع الخوف. ولكن أحداً لا يريد أن يتذكره الجمهور كـ “إنسان محروم لدرجة أنه أصبح إنسان مريض”، أو يبني علاقته بجمهوره على الإستفزاز. لم يكن لدى شاهين مانع أن يكون الشخص الذي اشتهى هند رستم وليس الذي قبّلها.

عندما تشاهد أفلام شاهين السبعينية عن المدخنين المهمومين والناس الذين يقفزون فجأة، لابد أن تُعجب بكيف منح شاهين نفسه حرية صنع أفلام عما يريد وكيفما يريد. إنه لأمر مذهل في بلد مثل مصر حيث الصناعة بهذا التردي، والأوضاع السياسية والاجتماعية بهذا الضيق، أن يستطيع شاهين الحصول على هذا القدر من الحرية. أفلام مثل “باب الحديد” توضح كيف أن الحصول على هذه الحرية لم يكن أمراً سهلاً. أكره القاعدة التي تقول أنه كلما زادت القيود زاد الإبداع، ولكن في علاقتي بأفلام يوسف شاهين يبدو أنني أفضّل أفلامه التي أظن أنها صُنعت تحت ضغوط أكثر.

“باب الحديد” بالكامل تقريباً مصوّر في محطة القطار، في القاهرة، في ١٩٥٨، لو لديك فكرة عن محطة قطار القاهرة اليوم فيمكنك غالباً تصوّر كيف كانت وقتها، نفس الشىء! الأحداث كلها تحدث في يوم واحد، قطيع من الممثلين والممثلات يطفّون في المكان في مسارات مصممة بدقّة، حب شاهين للرقص الذي سيظهر بقوّة لاحقاً في أعماله يطل برأسه على استحياء في هذا الفيلم.

ألڤيز أورفانيللي، صانع الأفلام السكندري الإيطالي الذي قدّم شاهين لعالم السينما في بداية مشواره هو مدير التصوير في “باب الحديد”. الرجل الذي أسس ـ حرفياً ـ جماليات الصورة في فجر صناعة السينما المصرية، مخرجاً ومديراً للتصوير للعديد من أوائل الأفلام المصرية في الثلاثينات. وقع أورفانيللي في غرام ظلام محطة مصر ووحوشها الحديدية السوداء العملاقة التي تنفث بخارها ودخانها وغضبها فيتطاير حولها البشر. مثلثات تجريدية من الضباب الأبيض وسواد الظلام في الخلفيات وراء الأبطال تصنع جواً مقبضاً وأسطوري.

اشتركت موسيقي فؤاد الظاهري التوراتية المهيبة في منح المحطة إحساساً يشبه معبداً أسطورياً حيث الحجيج يتوافدون بطنينهم المتكرر وعلى المذبح أضحيات دموية واعترافاتٍ ملوثة بالخطيئة.

ينحرف الفيلم متعمّداً عن سكته ويبطء قُرب المناطق التي يحب شاهين التسكع فيها، عندما يبدأ مجموعة من الشباب الأثرياء الصامتين في عزف قيثاراتهم وأكورديوناتهم بلحن غربي مرح، ستبدأ هنومة، حوّاء الفيلم، رقصة تشتعل تدريجياً بينما تحاول بيعهم زجاجات الكولا. لحظة من المتعة والجمال تتحول بالطبع بعد ذلك إلى مفصل هام في القصة، وكأنها بذرة لما سيصبح بعد ذلك نوع من المشاهد أشبه بماركة مسجلة لسينما شاهين.

يقدّم الفيلم توجهات شاهين السياسية بشكل أوضح أيضاً. أبو سريع، الذكر القائد في المحطة، يعيش على حَمل الحقائب، يقود حملة يسارية محاولاً إقناع باقي الحمّالين بتكوين نقابة تدافع عن مصالحهم. بعد ثورة ١٩٥٢ بأعوام قليلة في عز خطاب “ارفع رأسك يا أخي”، يحاول شاهين لفت النظر إلى أنه ما زال هناك الكثير من الظلم الذي يتطلب الكثير من العمل.

أبو سريع أيضاً شديد الضخامة وتحبّه أكثر النساء إثارة على وجه الأرض. بعد مشهد يمارسان فيه حباً عنيفاً بعد مشاجرة بينما يتجسس عليهما قناوي، سنرى لقطة لقضبان القطار تغوص في الأرض تحت ثقل جسم القطار. عندما نربط بين هذا المشهد وأعمال أخرى لشاهين طرحت أسئلة واستكشفت التوجهات الجنسية وقضايا الجندرية، نجد لهذا المشهد أهمية واضحة في الرصف البطيء للطريق الذي سلكته تلك المناقشات لاحقاً.

فيلم “باب الحديد” له مكان مميز في مشوار يوسف شاهين، إنه فيلمه الحادي عشر ضمن ٤٣ فيلماً آخر، رُشّح “باب الحديد” ليمّثل مصر في مهرجان برلين السينمائي وجوائز الأكاديمية. صنعه وهو في الـ ٣٢ من عمره وفي نفس العام صنع “جميلة”، وهو فيلم آخر مهم عن المناضلة الجزائرية الشهيرة جميلة بوحريد التي كان لها دوراً كبيراً في ثورة التحرر الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي. لاقى جميلة أيضاً استقبالاً دولياً مهماً كما حكي شاهين نفسه في فيلم “حدوتة مصرية”.

(قبل كتابة الفقرة التالية أجريت العديد من المكالمات الهاتفية وقرأت العديد من صفحات الانترنت لكي أتأكد من صحة بعض المعلومات، ونظراً لطبيعة أفلام يوسف شاهين المُربكة فشلت! لذا سأكتب الفقرة كالتالي وإلا تأخرت عن موعد تسليم المقال).

في أحد أفلام يوسف شاهين التي تتناول سيرته الذاتية، تقريباً “اسكندرية كمان وكمان” هنالك مشهد حيث شاهين – الذي يقوم بدوره – يتحدث إلى سيدة أكبر في السن. السيدة هى تجسيد ما لناس مصر الفقراء البسطاء يظهر كثيراً في أفلام يوسف شاهين في شخوص وصور مختلفة. تقول السيدة، بينما تناوله كوباً من الشاي: “أحلى فيلم عملته الأرض” يحدّق شاهين فيها بنظراته الشهيرة، غير المبررة، غير الضرورية معظم الوقت، اللعوب ويسأل: “طب وباب الحديد؟” تمشي مبتعدة بينما تغمغم شيئاً عن أنه ليس سيئاً ولكن “الأرض أحلى”. أري في هذا المشهد مسرحاً للعديد من الجدليات الهامة بخصوص أعمال شاهين وكيف أشعر تجاهها.

مناقشة هذين الفيلمين بالتحديد، اللذان تواصل فيهما شاهين مع الجمهور (البسيط) وخلق قناة مميزة للغاية بينه وبينهم، هى علامة على إدراك حاد لهذه القناة. بالرغم من ذلك المناقشة تدور في فيلم صنعه شاهين عن نفسه حيث، بطريقة مستفزة، يسأل المرأة عن “باب الحديد”، الذي يظن أنه يروق لها، المرأة، وهي شخص غير حقيقي، تخبر يوسف شاهين، الذي هو شخص حقيقي، برأيها، في مشهد لا يمكن أن نصفه بالحقيقي، ولا بغير الحقيقي.

اعلان