Define your generation here. Generation What
الإضراب عن الطعام: حرية الموت لا موت الحرية
 
 

“تبدأ القصة من النهاية. ماذا يوجد في نهاية الأمر؟ الموت؟ انه آتٍ في كل الأحوال. هكذا يكون الأمر بسيطاً، قبل أن يأتي ليل اليوم الثاني. تبدأ مطارق في طحن أسفل خلف الرأس. ثم يصعد الطعم المعدني لفمك، هذا إن استطعت الحصول على حليب وملح، وإلا يصعد طعم عفن بقايا الطعام في معدتك، ويصبح حاضره على طرف لسانك (..)  بعد يومين آخرين، تشعر بالخفة في جسدك، ويصفو الذهن، الحالة لا تستمر طويلا، قبل أن يتسلق الخدر لأطرافك، وتخرج من العالم الواقعي لتتوه في تداخلات يصنعها خيالك، يصعب فيها التفكير في أي أمر، إلا أنك لن تنه هذه المعركة مهزوما.. إما أن تموت أو أن تنتصر”.

هكذا يقول أ.أ، أحد الأسرى السابقين في السجون الإسرائيلية، والذي عايش عدة إضرابات عن الطعام في سجن عسقلان المركزي.

فى الأسابيع الماضية بدأ عشرات المعتقلين المصريين حملة للإضراب عن الطعام داخل السجون، قبل أن يعلن آخرين خارج السجون انضمامهم للحملة (130 مضرب، 60 منهم داخل أماكن احتجاز، و70 خارجها). الأمر يشبه واحدة من تلك الحملات التاريخية التي تركت علامات لم تسقط بالتقادم ضد أنظمة سياسية أو اجتماعية اضطهدتهم.

لا يوجد تاريخ محدد يمكن إرجاع فكرة الاضراب عن الطعام إليه. لكن أقدم الحوادث التاريخية مسجلة في ملحمة «رامايانا» المكتوبة باللغة السنسكريتية وتعود لما قبل الميلاد، والتي ذكرت أن أحد الملوك الكبار صام عن الطعام احتجاجا على نفي الإله «راما» له وإبعاده عن سلطة نفوذه.

وارتبطت ثقافة الامتناع عن الطعام بالاحتجاج منذ القرون الميلادية الأولى. تحديدا في الفترة ما بين سنة 450 و460 بعد الميلاد، في أيرلندا، حيث دخل القديس برنارد في صيام عن الطعام احتجاجا على ممارسة كهنة الشعوب الكلتية «درويد» الرافضة للمسيحية، والمناهضة لتعاليم الكنيسة في روما.

وسرعان ما تحولت فكرة الصوم احتجاجاً، من المنطلقات الدينية إلى السياسية والاجتماعية. وكان السجين الهندي «جاتين داس» أحد أهم رموز الإضراب عن الطعام، فدخل في إضراب مفتوح يوم 15 يونيو 1929 في سجن لاهور، احتجاجا على المعاملة غير الآدمية للسجناء والمعتقلين الهنود. ومات داس بعد 63 يوم تأثرا بامتناعه عن الأكل، ومنع سلطات السجن دخول الماء له ورفاقه.

جاتين داس

«غاندي» أيضا شكّل عمودا في اعتماد ثقافة الاضراب عن الطعام، في سياق فلسفته «ساتيا جراها» للمقاومة السلمية. وفي فترات اعتقاله الطويلة، كان داعياً للإضراب عن الطعام، غير دعاواه المفتوحة لكل أتباعه بالإضراب عن الطعام احتجاجًا على استمرار الاحتلال البريطاني للهند. وعلى الرغم من أن أساليب غاندي السلمية كانت متعددة، إلا أن إضراب العام 1932 كان علامة أساسية في مشروعه، حين قرر الإضراب حتى الموت احتجاجاً على التمييز ضد طبقة «المنبوذين» من الهندوس، قبل أن يتحقق مطلبه وتلغى الإجراءات التمييزية ضدهم.

غاندى

«ماريون والاس دونلوب» اسم آخر اعترفت به السلطات البريطانية كمؤسسة لأسلوب جديد للاعتراض، هو الامتناع عن الطعام. كانت دونلوب، القيادية في «اتحاد الحقوق السياسية والاجتماعية للمرأة» معتقلة في السجون الإنجليزية على خلفية تنظيمها مسيرة تطالب بحق المرأة في الاقتراع في الإستحقاقات السياسية.

أفرجت السلطات الإنجليزية عن دونلوب، قبل أن تُشرِّع قانونًا جديدًا عُرف بـ«قانون اعتلال الصحة العامة» الذي أُفرج بموجبه عن العديد من المضربين عن الطعام. وكان ذلك بعد أن أطعمت السلطات المضربات عن الطعام بالقوة، ما أدى لمقتل العديد منهن.

ماريون والاس دونلوب

ما حدث في بريطانيا كان له أثر في كل أنحاء العالم على الرغم من التعتيم الذي اعتمدته السلطات حينها.. وصلت أصداء الإضراب إلى الولايات المتحدة الأمريكية، تحديداً إلى ولاية فيرجينيا، حيث كانت تقضي المناضلة النسوية «أليس بول» فترة عقوبة في السجن، لتزعمها حركة مدنية نسوية تطالب بالحقوق المدنية للنساء.

في 14 نوفمبر 1917، بدأت بول ورفيقاتها اضرابًا مفتوحًا عن الطعام في «سجن كوبون»، احتجاجًا على اعتقالهن، وعلى الرغم من أن السلطات الأمريكية تعاملت بعنف غير مسبوق مع المضربات، أدى إلى اصابات خطرة في صفوفهن، إلا أنه أُفرج عنهن بعد 13 يوم فقط. واستمرت المظاهرات المطالبة بحق المرأة في الاقتراع، إلى أن ضمنته الحكومة في التعديل التاسع عشر للدستور الأمريكي في العام 1920.

أليس بول

أثر أيرلندا في تغريز ثقافة الإضراب عن الطعام لم يقف عند القديس برنار، فالعام 1923 شهد واحدة من أكبر موجات الإضراب الجماعية، حين أعلن 8 آلاف معتقل تابعين للجمهوريين إضرابا مفتوحا عن الطعام، انتهى بإطلاق سراح جميع السجينات، والإفراج عن البقية في العام التالي.

وفي العام 1981، شهدت السجون البريطانية موت عشرة معتقلين من الحزب الجمهوري الأيرلندي بعد إضرابهم لمدد وصلت لـ 73 يوم.

مصر لم تكن بعيدة أبدًا عن ثقافة الإضراب منذ بدايات القرن الماضي. ففي العام 1924، وقف المحامي المصري من أصل لبناني أنطون مارون أمام المحكمة، معلنًا أنه عضو في الحزب الشيوعي المصري، وقال: “إنني أعترف بكل فخر بأنني شيوعي ومستشار لإتحاد نقابات العمال، وأكرس حياتي لخدمة العمال، وأدافع عنهم كلما وقع عليهم ضيم”. وبدأ إضرابًا مفتوحا عن الطعام استمر 40 يومًا قبل أن يموت داخل المعتقل.

ومن بعدها استمر أسلوب الإضراب عن الطعام أساسيا في حياة المعتقلين السياسيين المصريين، خاصة الشيوعيين، في مدة الاعتقال الطويلة بين عامي 1959 و1964، وكان أغلبها للمطالبة بتحسين الظروف المعيشية داخل المعتقل.

القضية الفلسطينية شكّلت مصدر إلهام في تنويع أساليب الاحتجاج، وكما اقتبست الحركات السياسية والاجتماعية أساليبها من الفلسطينيين، استخدموا هم أسلوب الإضراب عن الطعام في كل مناسبة. فأضرب الأسرى الفلسطينيين عن الطعام منذ اضراب عام 1969 في سجن الرملة، والذي طالب بتحسين أحوال الأسرى داخل السجون. وتواصلت الإضرابات كل عام تقريبًا في مختلف السجون الإسرائيلية. حتى جاء شهر أبريل 2012.

في يوم الأسير الفلسطيني من ذلك العام، أعلن عدد من الأسرى من بينهم هناء شلبي وثائر حلالة وخضر عدنان، أنهم بدأوا إضرابًا مفتوحًا عن الطعام منذ 75 يوما. والتحق أكثر من 1700 أسير بالإضراب تحت شعار «معركة الأمعاء الخاوية». وانتهى الإضراب في 14 مايو، بتوقيع اتفاق بين الأسرى وسلطة الاحتلال بتنفيذ مطالبهم بإلغاء قانون «شاليط» ووقف العزل الانفرادي والسماح لأهالي الأسرى بزيارتهم.

أسماء كثيرة ارتبطت بالإضراب عن الطعام، بهجت سنغ، أماراجيفي سريرامول، تيسير علوني، سامي الحاج، سمير القنطار، والآن ينضم إليهم محمد سلطان المضرب منذ 224 يوماً، وابراهيم اليماني المضرب منذ 151 يوماً ومحمد نوبي المضرب منذ 16 يوماً، وعلاء عبد الفتاح المضرب منذ 23 يوماً، والعشرات غيرهم في سجون وادي النطرون وأبو زعبل والقناطر. البعض يصف الامتناع عن تلبية غريزة تناول الطعام بأنه فعل اكتئابي أو يأس، والبعض يرى أنه فعل انتحاري، لكن تبقى كلمات المضربين هي الحقيقة الوحيدة البعيدة عن كل النظريات والتحليلات.. «جبنا آخرنا».

اعلان