Define your generation here. Generation What

هل يموت جوعاً ليُحيي الوطن؟

ظهرت كلمة “وطن” لأول مرة بمعناها الدارج حالياً عام 1835، حين وضع سياسي إيطالي اسمه “جويسيبي ماتزيني” تعريفاً للدولة القومية على أنها: “انتماء جماعة بشرية واحدة لوطن واحد، شرط أن يجمعها تاريخ مشترك ولغة واحدة”. كان “ماتزيني” يصف واقعًا جديدًا بدأ يتشكل في أوروبا، ويستبدل ما كان سائدًا في القرون الوسطى؛ حين كان الملوك والقساوسة والنبلاء والإقطاعيون يشكّلون طبقة متناغمة تحتكر الهيمنة السياسية والاقتصادية على مساحات شاسعة من الأرض، وعلى أعداد كبيرة غير متجانسة من السكان. إلا أن هذا الواقع بدأ في التفكك والانهيار تحت وطأة الحروب الطاحنة، والتوسع الضخم في حركة التجارة، والنمو الهائل في الصناعة.

بدت الدولة القومية بديلًا مقبولًا للدولة الإمبراطورية العاجزة عن تلبية احتياجات سكانها، فالدولة القومية تتسم بصغر حجمها النسبي، وانسجام سكانها عرقيًا ولغويًا ودينيًا إلى حد كبير، بالتالي تصبح قادرة على تحقيق العدالة بين مواطنيها. كما شهدت الدولة القومية تغيرًا نوعيًا في طبيعة الحكم وفي العلاقة بين الحاكم والمحكوم؛ حيث أصبح من حق المواطن أن يشارك في اختيار الحاكم ونواب البرلمان الذين يراقبون آداء الحكومة ويضعون التشريعات والقوانين.

كما وعد دُعاة الدولة القومية الإنسان بوطن يحميه ويوفر له احتياجاته الأساسية على أساس من المساواة في الحقوق والواجبات بينه وبين غيره من المواطنين. ووعدوه أيضاً بأن زمن الأباطرة والنبلاء قد ولى، وأنه لن يصبر على الجوع أو يُساق إلى الحروب أوالسخرة مرة أخرى، دفاعاً عن الملك الذي يُنفذ إرادة الله على الأرض.

طبقة جديدة

أثبت الواقع أن دور المواطن في العملية السياسية محدود للغاية؛ يتمثل في يوم واحد يقوم بالتصويت فيه كل عدة أعوام. كما أن خياراته السياسية محدودة، وأن صوته يضيع أمام الحشود التي يجمعها أصحاب الثروة والنفوذ.  لقد خضعت الدولة القومية لسيطرة طبقة جديدة، قوامها كبار التجار ورجال الصناعة؛ تمكنت من الهيمنة على الثروة والسلطة من خلال تكوين جماعات الضغط، والسيطرة على البرلمانات وتشكيل الحكومات. إلا أن الطبقة الجديدة افتقرت إلى ما كان يتمتع به الملوك من سطوة دينية، وكان عليها البحث عن خطاب جديد يكون بمثابة صمام أمان لها، وخط دفاع عن مصالحها. خطاب يضمن لهم قبول الشعب بالفتات دون اعتراض أو مقاومة، كما يضمن انخراط الجنود في الجيوش والأساطيل واندفاعهم بحماس إلى ساحات المعارك إذا ما تطلب الأمر ذلك.

وجدت الطبقة الحاكمة الجديدة ضالتها المنشودة في فكرة “الوطن”؛ واستخدمت كافة الوسائل المتاحة لديها في تحويلها إلى هوس في رؤوس الجماهير. كانت الخطوة الأولى في هذا السبيل هي الإعلاء من قيمة الوطن، واستخدام كافة أساليب التفضيل والمُبالغة عند الحديث عن تاريخه ولغته وسماته الجغرافية. وبمرور الوقت، تراكم رصيد ضخم من المقالات والمقولات والقصائد والأغاني لدى كافة شعوب الأرض؛ تصف جمال الوطن واعتدال مناخه، وحلاوة شمسه، وعظمة نهره وعراقة تاريخه وطيبة أهله.

وتمثلت الخطوة الثانية في البحث عن رموز تجسد عظمة الوطن، سواء كانت شخصيات تاريخية أو ملاحم أو آثار، حتى وصل الأمر في هذا السياق إلى حد الكذب والتلفيق وتزييف الحقائق التاريخية والبيولوجية.

أما الخطوة الثالثة فهي خلق عدو يتربص بهذا الوطن، ويتآمر عليه بهدف تدميره. وأخيراً، سعت الطبقة الحاكمة إلى تكرار مقولات هذا الخطاب بإلحاح طوال الوقت، واستخدام كافة الوسائل المتاحة لنشر هذا الخطاب.

المصالح العُليا للوطن

وبعد ترسيخ الخطاب الوطني في عقول الجماهير، حاولت الطبقة الحاكمة إيهام الجماهير بأن مصالحهم هي المصالح العُليا للوطن، ومن ثم يجب بذل الروح والدم لحمايتها. فإذا ما تأثرت طرق التجارة وتعطل استيراد الخامات وتوريد البضائع، أو غيرها مما يعطل مصالح كبار رجال التجارة والصناعة، يصبح الوطن في خطر. وكلما تصاعدت الأزمات الاقتصادية والصراعات على الأسواق والموارد، ارتفعت وتيرة الضغط على المشاعر الوطنية لدى الجماهير، وتصاعدت الدعوات إلى الحرب دفاعاً عن الوطن!

ولقد تجلت أبشع صور استغلال الخطاب الوطني في تبرير اندلاع مئات الحروب بين الدول بسبب الصراع على الربح بين رجال الصناعة والتجار. وأحد أبرز الأمثلة على ذلك، هو اندلاع مجموعة من الحروب بين انجلترا وهولندا، على مدار القرنين السابع عشر والثامن عشر، بسبب هجوم  الأسطول الانجليزي على سفن أحد كبار التجار الهولنديين لحساب التجار الانجليز. اعتبر كبار التجار في هولندا ما حدث بمثابة اعتداء عليهم جميعاً، وبالتالي اعتداء على الوطن، واستطاعوا تشكيل رأي عام للضغط على البرلمان من أجل بناء السفن وشن الحرب على الأسطول الانجليزي، دفاعاً عن الوطن. إلا أن هدف الحرب الحقيقي كان تأمين طريق السفن التجارية الهولندية واستمرار تدفق الأرباح.

كانت نتيجة المعارك هي موت عشرات الآلاف من الجانبين. ومع ذلك، كتب الهولنديون الأغاني والأشعار والأهازيج الوطنية وأقاموا الاحتفالات الشعبية، وصنعوا التماثيل لقادة أساطيلهم، ولم ينتبهوا إلى كل الدماء التي سالت في البحر. وعلى الجانب الآخر، صدق الشعب الانجليزي أن من ماتوا كانوا يصنعون التاريخ ويبنون الأمجاد، ويضحون بالدم من أجل الوطن ومن أجل مصالحه العليا.

الفئوي الخائن

هناك تعارض واضح بين مصالح الطبقة الحاكمة وبين مصالح القطاع الأكبر من الشعب. ولقد دأبت الطبقة الحاكمة على تشويه معارضيها في الداخل. فمثلاً، حين انفجرت موجة إضرابات عمالية في أعقاب ثورة 25 يناير، كانت مطالبات العمال هي تحسين أجورهم المتدنية، وتغيير مجالس الإدارة الفاسدة وتشغيل المصانع بالطاقة القصوى، وكان بعض العمال يطالبون بالحصول على أجورهم المُتأخرة منذ شهور. اتهم إعلام الطبقة الحاكمة حينها العمال بالجشع والطمع وتعطيل عجلة الإنتاج، وأنهم أداة في يد الفلول لضرب الثورة. وبعد أن وصل الإخوان للحكم اتهموا العمال بأنهم أداة في يد جبهة الإنقاذ. وبعد الإطاحة بمحمد مرسي وجماعته، اتهم الإعلام الإخوان بتحريض العمال. ولم يقتصر الأمر على التشويه، حيث تعرض الكثير من هذه الاحتجاجات إلى اعتداءات من قِبل قوات الشرطة أو الجيش، وفي بعض الأحيان من قِبل بلطجية يستأجرهم أصحاب المصانع، وفي حالات عديدة يتم القبض على قادة الاحتجاجات. كما استخدمت قوات الأمن في عهد محمد مرسي الكلاب في فض أحد الاعتصامات.

تخيل “مواطناً” لم يحصل على راتبه الشهري لعدة شهور، دون تقصير منه في عمله، ولم يعد قادراً على مواجهة أعباء الحياة، فقرر أن يحتج ليحصل على راتبه. لماذا يتعرض للضرب والحبس ويصبح فئوياً وانتهازياً، ولا يراعي المصالح العليا للوطن؟! هل يموت جوعاً ليُحيي الوطن؟ هل الوطن هو أرباح صاحب المصنع؟ ألم تظهر فكرة الوطن إلى الوجود بالأساس حتى يحصل هذا “المواطن” وأمثاله من المواطنين على حقوقهم؟

الوحش

قد يضعك خيارك الحر أو حظك العثر في مواجهة وحش الوطن الذي يقتل بلا رحمة. فقد يحدث أن تطالب بأحد حقوقك، أو تختلف في الرأي مع من يحكمون الوطن، أو يتصادف أن وجودك ذاته يمثل تهديداً لمصالحهم، ساعتها ستصبح في نظرهم خائناً، وعدواً للشعب، وتهديداً للأمن القومي، وأداة لمؤامرة خارجية تستهدف الوطن ومصالحه العليا. وقد تتعرض للذبح من الرقبة، أو القتل بالغاز السام، أو الموت حرقاً. وربما كان الوحش رحيماً بك فتتعرض فقط للحبس والسحل والتعذيب أو النفي.

لقد شهد التاريخ الحديث (تاريخ الدولة القومية) قتل عشرات الملايين البشر في الحروب، وقتل ملايين أخرى في نزاعات طائفية ومواجهات سياسية. لقد سالت بحور من الدماء (حرفياً) باسم الوطن في معظم دول العالم من “شيلي” إلى “رواندا” إلى “أندونيسيا”. ولا يقتصر الأمر على دول العالم الثالث أو الدول الفقيرة، فحتى أنظمة الدول الرأسمالية الكبيرة، التي استقرت أوضاعها الاقتصادية نسبياً، مارست الذبح على مدار تاريخها خاصة في الحقبة الاستعمارية. وما زالت هذه الأنظمة تشارك في المذابح لارتباطها بمصالح مشتركة مع الأنظمة الحاكمة في الدول الفقيرة. شاركت بتوفير أسلحة القتل، أو التواطوء بالصمت؛ وفي بعض الحالات شاركت بقواتها كما فعلت الولايات المتحدة في دولة “شيلي” في أوائل سبعينيات القرن الماضي.

ولقد نجحت أنظمة حاكمة كثيرة في تبرير الذبح وتحويله إلى مطلب شعبي، ويحفل التاريخ بمواجهات دموية تمت بمباركة شعبية؛ ودوت قبلها أصوات مثل هتاف الإخوان: “إضرَب يا مرسي، أو الاستعانة برجال الدين، أو نزول الجماهير إلى الشوارع للتفويض. حدث هذا باسم الوطن ومصالحه العليا. والأخطر من ذلك، أن الذبح في حالات كثيرة، كان مصدراً للمتعة والابتهاج؛ كأننا في القرون الوسطى نقف في حلقة حول ساحرة” مزعومة تأكلها النار، أو في مدرج روماني حيث تتعالى الصيحات كلما سالت الدماء في الحلبة.

اعلان
 
 
نصر عبد الرحمن