Define your generation here. Generation What

خمسة مشاهد للمحرقة

مشهد 1

مقابر أبو النور بمنطقة الضاهرية – الإسكندرية

علمت من أحد الأصدقاء أن (ياسر ياسين وسامية جمال) سيدفنون في تلك المقابر، وصلت لمكان المقابر بصعوبة، لم أكن أعلم المكان بالضبط. وجدت كل من اعتدت رؤيتهم طوال كل السنين السابقة من المسرحيين، الجميع يقف، ينتظر، ينظر إلى مدخل المقابر، كنت أمعن النظر في الواقفين، أحسست بذلك الثقل في منتصف قفصي الصدري، أحسست بأن كل الحاضرين يعانون من نفس الثقل، تعرفت يومها على تعبير وجه المفزوع، من قبل كنت أظنه ذهولًا، عرفت يومها أن الشهيد لا يتم تغسيله، يدفن على وضع  استشهاده. دُفنوا دون تغسيل.

مشهد 2

أمام منزل الشهيدة سامية جمال

بعد ن انتهت مراسم الدفن لم أكن أعلم بالضبط ماذا أفعل، كنت في حالة من التيه لم أحس بها من قبل.

مكالمة في الصباح تخبرني بأن اثنين من الأصدقاء، وأكثر من ستين من الزملاء، ماتوا لأن شمعة قد وقعت، في المساء دُفنوا ببقايا ملابسهم التي أكلتها النيران، والآن أقف أمام منزل أحدهم لأقوم بواجب العزاء. بدأ يتوافد عدد ممن كانوا هناك لكنهم لم يكونوا داخل قاعة العرض التي احترقت بمن فيها، بدأ الجميع يتبادل الأحاديث عما حدث، بدأت تحدث الانهيارات العصبية لكن بشكل محدود حتى الآن، سمعت من أحد الزملاء أن حجم الباب كان صغيرًا لدرجة أن هناك من ماتوا لعدم قدرتهم على الخروج من شدة التدافع والتكدس أمامه، حكى لنا صديقنا الذي ذهب مباشرة إلى المشرحة أن التعرف على الشهداء كانت عملية صعبة للغاية، فجميعهم ملامحهم غير واضحة نهائيًا، متفحمون على آخر وضع اتخذوه، فهناك من كان يحاول أن يجري، وهناك من كان يحاول أن يقف ليهرب، وهناك من كانت تصرخ، كلهم متفحمين على وضعهم الأخير. تعرف الأهالي على ذويهم من خواتم في أيديهم تبقت منها أجزاء، وأجزاء من الملابس لم تأكلها النيران.

خرج البعض هاربين من قاعة العرض بهم حروق تفاوتت نسبتها. لم يستطع صديقنا نسيان ذلك المشهد حين لجأوا لتقطيع قماش الدعاية الانتخابية لانتخابات الرئاسة وقتها ليستخدموه غطاء لمن أكلت النيران كل ملابسه. غرفة المطافىء مغلقة وموظفي الإطفاء غير موجودين، والمستشفيات رفضت استقبال المصابين وحين استقبلوهم وضعوهم في غرفة واحدة أمام بعضهم البعض. يسأل أحد الأطفال المصابين الممرضة مفزوعا: “هو انا شكلي كده؟!”، وهو يشير إلى أحد المصابين في المحرقة.

مشهد 3

نظم مجموعة من المسرحيين فاعلية احتجاجية ضخمة أمام قصر ثقافة الأنفوشي، وأعلنوا عن اعتصامهم الجزئي أمام المسرح، ودخل البعض في إضراب عن الطعام. ثم أصدروا بيانًا بعنوان (هولوكوست المسرح المصري)، لبس يومها الجميع ملابس سوداء ووضعوا شارات سوداء على رؤوسهم، مثل التي ارتديناها في الفاعليات الاحتجاجية على استشهاد خالد سعيد بعدها بخمس سنوات.. كان يومًا حزينًا. الحزن امتص كل طاقة الحاضرين، لم يكن لدينا طاقة للغضب.

مشهد 4

على مدار أسابيع كانت تعقد اجتماعات دورية يحضرها عدد كبير من الفنانيين، وبدأت تقل حتى وصل الأمر بعد أن كنا نحتل كل الأماكن في القهوة من كثرة عددنا، إلى طاولة عليها بأقصى تقدير أربعة أشخاص فقط. في أحد الاجتماعات التي حضرها عدد كبير من الفنانيين ينهض أحد الأصدقاء صائحًا في الموجودين: “انتو بتتكلموا في إيه؟، عربيات المطافي اللي بتيجي في خمس دقايق عشان تفض المظاهرات كانت فين والناس بتتحرق؟”،  كانت المظاهرات وقتها تُفض بخراطيم المياه!

مشهد 5

أكتوبر 2005، بعد أحد الاجتماعات الخاصة بفاعليات الاحتجاج على المحرقة اصطحبني فنان (مات في عام 2013  قهرًا وفقرًا) اسمه (صلاح السايح). اصطحبنى السايح إلى إحدى الفاعليات الاحتجاجية التي أقيمت تحت تمثال سعد زغلول في ميدان محطة الرمل. لم تكن تلك الفاعلية خاصة بمحرقة بني سويف، لكنها كانت ضد متهم رئيسي في المحرقة ولم يُسأل. وكان قد فاز بمدة رئاسية جديدة بعد انتخابات 2005. يومها هتفوا “يسقط يسقط حسني مبارك”. أحسست حينها، وما زال لدي ذلك الشعور، أن ذلك الهتاف هو الأمثل احتجاجاً على المحرقة.

اعلان
 
 
حكيم عبدالنعيم