«الأمن الفكري» في المدارس: تنظيم أم رقابة؟

«ويبقى المظلوم مظلومًا وعليه أن يصبر أو أن يتنازل عن حقه، ولنا في رسولنا أسوة حسنة». هذا ما تلقنه الإدارة العامة للأمن الفكري التابعة لوزارة الداخلية السعودية في المدارس بالمملكة، برعاية من الهيئة العامة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

البحث عن مصطلح «الأمن الفكري»، لا يُظهر نتائج كثيرة، سوى في السياق المذكور أعلاه، أو في خبر مقتضب، نُشر أمس عن موافقة وزير التربية والتعليم المصري محمود أبو النصر على توصيات «المركز القومي للبحوث التربوية والتنمية» التابع للوزارة، بتدريس مقرر دراسي جديد بعنوان «الأمن الفكري والأخلاقي» في المدارس المصرية.

الاتصالات التي أجرتها «مدى مصر» بالمسؤولين في وزارة التربية والتعليم لم توضح مدى العلاقة بين مفهوم الأمن الأخلاقي الذي أقرته وزارة التربية والتعليم، وذلك المطبّق في السعودية، فأي من المسؤولين لم يجب على الاتصالات.

غير أن ما نشر في الساعات الماضية يوضح أنه لا خلافات جذرية بين هنا وهناك، على الأقل في الهدف من المسألة. “الأمن الفكري يضمن التحصين الفكري والأخلاقي والعقائدي للمتعلمين، ويعد مطلبا ضروريا للاستقرار الاجتماعي”. هذا ما يقال عن الأمر في مصر، وهو ليس بعيدا عما يقال في السعودية عن مواجهة “التطرف والانحرافات الاجتماعية”.

بحسب دراسة المركز، الذي يرأس مجلس ادارته وزير التربية التعليم، فمسؤولية تحقيق الأمن الفكري تتوزع بين ثلاثة مستويات، المعلمين والمناهج الدراسية وما أسمته بـ«القيادات المدرسية».

وأوصت الدراسة القيادات المدرسية بالإجراءات التالية: تقويم السلوك الخاطئ المخل بالأمن (…) وتقويم أي سلوك معوج لدى الطالب. غرس حب الوطن والانتماء لهذا البلد في نفوس الطالب. تضمين المناهج التعليمية موضوعات تختص بالأمن الفكري. كما أوصت «الإشراف التعليمي» باتخاذ بعض التدابير المباشرة، من بينها، تشخيص مبكر للطلبة “الذين لديهم استعداد للعنف عن طريق إنشاء قاعدة معلومات يتم فيها تسجيل بعض الملاحظات حول الطلبة الذين يظهرون بعض السلوكيات التي تنم عن العنف”. بالإضافة لتغريم ذوي الطلاب عما ينتج عن عنف أبنائهم. والتنسيق مع المسؤولين لـ”تأمين الطرق المؤدية للمدارس (..) وتطهير المدارس من مظاهر العنف”.

أحمد راغب، عضو الجماعة الوطنية لحقوق الإنسان، قال لـ«مدى مصر»، أن هذه المسألة تعد كارثة على المستوى القانوني والحقوقي. وأضاف: “هذا ترسيخ لدور الدولة الأخلاقي، وتأكيد لما جاء في الوثيقة الدستورية الأخيرة التي قالت أن الدولة ترعى الأخلاق”.

وأضاف راغب أن مثل هذا الإجراء سيؤدي بالضرورة لاتساع دور الشرطة ليشمل صلب العملية التعليمية، وهو ما يتعارض مع أبسط مبادئ حقوق الانسان، خاصة حرية الفكر والعقيدة.

من جهته، وصف رئيس اتحاد المعلمين المستقلين عبدالناصر إسماعيل، الأمر أنه استدعاء لمسميات تقليدية مثل أمن الدولة أو الأمن الغذائي، هدفه الوحيد هو تحصين السلطة، وليس مواجهة التطرف.

وقال إسماعيل أن مواجهة التطرف تتحقق بالانفتاح الفكري لا بالأمن الفكري، مضيفا أن العنف في المدارس هو صورة من تمرد الطلاب على النظام التعليمي، ومؤشر على أن المناهج التعليمية لا تلبي الحد الأدنى من تطلعاتهم، كما أنه تعبير عن غياب الأنشطة التربوية الفاعلة والمجدية.

“هذا يمكن تطبيقه في مصحة للأمراض العقلية وليس في مدرسة”، هكذا رأى إسماعيل البند المذكور في التوصيات، والذي قرر إنشاء قاعدة ببيانات الطلاب ذوي الميول العنيفة.

واستطرد إسماعيل أن ما تفعله الدولة وتسميه «مواجهة الإرهاب» لا يفيد إلا التطرف والعنف، مفسرًا أن تقسيم التلاميذ على أساس الدين، وإضافة مادة التربية الدينية على مجموع الاختبارات، وتوفير الفرصة لمدرسي التربية الدينية لإضافة ثقافتهم الخاصة على المناهج، كلها أمور لا تصب في مصلحة المواطنة.

إلى ذلك، رأى إسماعيل أن وزارة التربية والتعليم تزايد على ما يسمى احتكار الدولة للدين، فتزداد حالة الهوس الأمني في مواجهة التطرف، والذي يفيد الجهات المتطرفة بالمقام الأول.

ربما الأمر ليس كما تصوره الأخبار الضئيلة المتوفرة عن الأمر، ربما يُدمج «الأمن الفكري» مع مواد يعتبرها المجتمع لمجرد سد الفراغ، مثل التربية الفنية أو التربية القومية والوطنية. لكن ما ذُكر عن الأمر حتى كتابة هذه السطور، لا يشير إلا إلى خطوة أخرى من خطوات رقابة الدولة على أفكار وعقائد المواطنين، تم توجيهها هذه المرة نحو طلاب المدارس، ربما كى يضمن النظام ـ أى نظام ـ سيطرته على المستقبل.

اعلان

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن