Define your generation here. Generation What

التصرف، أو عدم التصرف، كدولة

كنت أمر على مجموعة من الصور على الإنترنت منذ بضعة أيام، بينما الهجوم الإسرائيلي على غزة محتدم، واستوقفتني صورتان خارجتان عن السياق. إحداهما كانت لبان كي مون، أمين عام الأمم المتحدة، وهو يؤدى التحية لحرس شرف السلطة الفلسطينية في رام الله، وتحته البساط الأحمر وكل مظاهر وظروف الأبهة التى تقتضيها بروتوكولات الدولة. والصورة الأخرى كانت للقاء مجلس وزراء السلطة الفلسطينية، حيث كان الأعضاء يجلسون إلى ثلاث طاولات كبيرة صُفت على شكل قوس. وكان كل الوزراء يرتدون ثيابًا رسمية وربطات عنق، وقد زادت المشهد فخامة السجادات الإيرانية الجميلة المعلقة في المساحة ما بين الطاولات.

للوهلة الأولى قلت لنفسي: “عجيب، كيف يصدق الناس البروباجندا التي صنعوها بأنفسهم”. كان الرئيس ياسر عرفات هو الذي دشن مثل هذه المراسم كحرس الشرف والاجتماعات الرسمية، فقد برع في مثل هذه اللفتات الرمزية. واختفت تلك المراسم أثناء انتفاضة عام 2000، حيث أصبح عرفات نفسه سجينًا في مقره في المقاطعة، وهو مبنى قديم لسجنٍ كان قد بناه البريطانيون وقت الحكم الاستعماري في فلسطين. ثم أعاد محمود عباس إحياء هذه المراسم، وسبب استمرارها حتى الآن هو أن عباس والسلطة الفلسطينية التي يرأسها حريصان على الالتزام بالتعليمات الإسرائيلية.

ثم بدأت أفكر بـ”إيجابية”: حسنًا، ماذا يحدث لو تصرف الفلسطينيون على أساس أنهم دولة بالفعل؟ فقد أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا بمنح فلسطين صفة دولة مراقب غير عضو في أكتوبر عام 2012. ولقد نقل هذا القرار الحركة الفلسطينية من القطاع غير الرسمي إلى القطاع الرسمي بعالم السياسة. كما حظى القرار بتأييد كبير، حيث صوتت 138 دولة بالموافقة عليه، بينما امتنعت 41 دولة عن التصويت، وعارضته 9 دول من بينها، ولا عجب، إسرائيل والولايات المتحدة.

 ولقد رحب أعضاء السلطة الفلسطينية بهذا القرار على أنه إنجاز عظيم حققه الكفاح الفلسطيني. والحقيقة أن الميزة الوحيدة لما اعتبروه إنجازًا كان تمكين الدولة الفلسطينية من الانضمام إلى المنظمات الحكومية المشتركة، وخاصة المحكمة الجنائية الدولية. وحسب ما قيل وقتها، فإن عضوية المحكمة الجنائية الدولية قد تمكن الفلسطينيين من تقديم الضباط والمسؤولين الإسرائيليين إلى المحاكمة لارتكابهم جرائم ضد الإنسانية. هل هذا هو المقصود بالإنجاز العظيم؟

لكي يكون هذا الوصف مستحقًا، يجب أن يكون للأمر مزايا أخرى في إدارة الصراع مع إسرائيل، أيما كان شكل تلك المزايا، بحيث تتم صياغة الشروط من جديد، والضغط من أجل تحقيق المطالب، وتشكيل الخطاب السياسي في هذا الخصوص. وهذا يعني منح الحركة الفلسطينية الوطنية الأدوات التي حرمت منها ككيان غير رسمي، والتي من شأنها أن تحدث تقدمًا في تكوين دولة فلسطينية حقيقية.

ولنأخذ الهجوم الأخير على غزة مثالًا، لنرى إذا كان التصرف كدولة يكفل مثل هذه الميزات حقًا أم لا.

لم يكف المسؤولون في الغرب عن تكرار تلك النغمة المثيرة للغثيان والتي تقول إن لدى إسرائيل حق الدفاع عن نفسها، مؤيدين بذلك أحداث القتل الجماعي والتدمير على يد الجيش الإسرائيلي في غزة. حق الدفاع عن النفس غالبًا ما يكون مكفولًا للدول. كما أن للشعوب المحتلة الحق في المقاومة، طبقًا للأمم المتحدة. لكن مع الأسف، يبدو أن لغة المقاومة قد فقدت الكثير من قيمتها في الساحة الدولية خلال فترة التحرر من الاستعمار، فأصبحت لا تندرج تلقائيًا تحت خانة الدفاع عن النفس في مخيلة الشعوب.

إذا تحدث الفلسطينيون كدولة يصبح باستطاعتهم إعلان أن دولتهم قد تم غزوها، وأن سيادة الدولة، التي اعترف بها القرار ضمنيًا، قد انتهكت، وأن حدودها التي حددها القرار أيضًا قد تم الاعتداء عليها. وسيكون لدى فلسطين الحق في الدفاع عن نفسها مثلها مثل أية دولة أخرى. وهذا الأمر يسري على المقاومة أيضًا. لكنه يتوقف على الشكل الذي تقدم به تلك المقاومة. ما هي أهمية هذا الشكل؟ أو إلى أي مدى هو مهم؟

يصف الإعلام الأمريكي المناضلين الفلسطينيين ”بالمقاتلين“، وتحمل هذه الصفة إشارة إلى ”العنف“، في حين أن هؤلاء الذين تمكنوا من الوصول إلى إسرائيل من خلال الأنفاق قد نجحوا بذكاء في تجنب الهجمات على المدنيين. ويستدعي وصف المقاتل صور العصابات غير النظامية والكيانات المشبوهة. في حين أن المقاتل الرسمي، أي ”الجندي“، يتمتع بصفة شرعية ونظامية، وهذا لا يرجع لتخلي الجنود عن العنف، فهم مدربون على القتل في حقيقة الأمر.

إلا أن شرعيتهم تستمد من الهيكل التأسيسي للنظام العالمي الذي احتكرت فيه بعض الدول أشكال العنف.

هل من الممكن أن ينضح بعض من تلك الشرعية على المناضلين الفلسطينيين إذا تمت الإشارة إليهم بكلمة الجنود؟ وعلى غرار ذلك، هل سيخبروننا أن الجنود الفلسطينيين قد ”أسروا“ جنودًا إسرائيليين، بدلًا من اسخدام مصطلح ”الخطف“، وهل ستتم معاملتهم كأسرى حرب في نظر القانون الدولى في حال وقعوا في الأسر؟

إن بقاء فلسطين في القطاع غير الرسمي قد جعلها عرضة إلى نزع الصفة الإنسانية عنها. ولننظر إلى إبراز حماس بشكل متكرر على أنها العدو ـ الكيان الإرهابي الشرير الذي يختبئ وراء “الدروع البشرية“، بغض النظر عن كون الحركة قد فازت بالانتخابات البرلمانية في وضح النهار، الأمر الذي يرفض الديمقراطيون الموقرون في أوروبا والولايات المتحدة الإقرار به. وقبل حماس كانت منظمة التحرير الفلسطينية هي المنظمة الإرهابية، إلى أن تم ترويضها واستقبال زعيمها ياسر عرفات في البيت الأبيض ليصافح رئيس الوزراء الإسرائيلي في عام 1993.

عندما يظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على  شاشات التليفزيون الأمريكي لا يتحدث مطلقًا عن الفلسطينين. وهذا ما تفعله أيضًا ميليشيات الإعلام التي تتبع اللوبي الإسرائيلي. بل إن جميعهم يتحدثون فقط عن حماس التي تمت شيطنتها بالفعل. لكن الجيش الإسرائيلي قتل وأصاب مئات الأطفال الفلسطينيين، لا من حماس. هل يمكن أن يؤدي الحديث باسم الدولة الفلسطينية إلى تقويض استخدام الآلة الإعلامية الإسرائيلية لهذا الخطاب المشؤوم الذي يجرد الفلسطنيين من صفتهم الإنسانية؟

وأخيرًا، هل من الممكن لمطالب غزة برفع الحصار ـ الذي وصف في خلفية قرار الأمم المتحدة على أنه عائق لبناء الدولة ـ وبناء مرفأ بحري ومطار وتوسيع حقوق الصيد في البحر المتوسط لتمتد إلى 12 ميل بحري، أن تُقَدم باعتبارها حق من حقوق الدولة، أو على الأقل أمر لا غنى عنه من أجل بناء الدولة، بدلًا من كونها مجرد مطالبات إنسانية؟

إن كل ما سبق ليس إلا بعض أمثلة تنطبق على حال الضفة الغربية وكل النواحي الرئيسية المتعلقة بتأسيس دولة فلسطينية حقيقة. والسؤال هنا هو إذا ما كان هذا التحول في الصفة من السلطة الفلسطينية أو حركات المقاومة إلى دولة فلسطينية، حتى وإن كانت الصفة مجتزأة لكونها مراقب فقط، قد يفتح للفسلطينيين بابًا على المفاهيم والمصطلحات الشرعية والفعالة والمفهومة لدى الجميع؟ وهل سيحقق هذا التحول تحسنًا ملموسًا في فرص الحركة الوطنية الفلسطينية لتأسيس دولة مستقلة يمكن العيش بها؟ الإجابة على هذه الأسئلة يجب أن تأتي من الأشخاص الذين يتولون زعامة الشعب الفلسطيني.

إذا كانت الإجابة بالنفي، لماذا تصر السلطة الفلسطينية في رام الله إذن على خداع نفسها بهذا الشكل الهزلي، بارتداء الزي الرسمي وفرض القوانين القمعية على الفلسطينيين. أما إذا كانت بالإيجاب، فإن المسؤولية التاريخية على عاتق المنظمة الفلسطينية ـ المكونة من فتح وحماس وآخرين ـ تحتم اتخاذ خطوات سريعة للتصرف كدولة.

اعلان
 
 
شريف الموسى