Define your generation here. Generation What
الجوع فى سبيل العدالة
 
 

بعد عام متعب من الإجراءات القانونية الباطلة والحرمان من حقوقهم الأساسية، يحاول المعتقلون السياسيون كسر دائرة العجز من خلال سلطتهم الوحيدة على أنفسهم: “الإضراب عن الطعام”.

الأسبوع الماضي انضمت مجموعات متعددة من المعتقلين السياسيين إلى عشرات بدأوا إضرابا عن الطعام داخل السجون المصرية قبل أشهر، واضعين أجسادهم على خط المواجهة من أجل العدالة، فى حين تتنوع مطالبهم ما بين تحسين أوضاعهم داخل السجون وإخلاء سبيلهم.

سجن هؤلاء وما تبعه من إضراب عن الطعام يأتى ضمن موجة قوية من الاعتقالات السياسية والاتهامات المكررة التي شهدها عام ما بعد عزل الرئيس محمد مرسي. ويقدر موقع “ويكي ثورة” عدد المحبوسين منذ العام الماضي تحت هذه الذرائع بأكثر من 40 ألف شخص.

عدد من المعتقلين أطلق الأسبوع الماضي حملة بعنوان “جبنا آخرنا”، دعوا فيها السجناء السياسيين الآخرين للانضمام لهم في إضراب عن الطعام إعتراضاً على الظلم الذي تعرضوا له. ومنذ ذلك الوقت يُعلن معتقلون جدد إنضمامهم للإضراب يومياً. بسبب تعنت السلطة في التعامل مع المضربين ولتمكينهم من توثيق إضراباتهم. وبرغم عدد وجود حصر كامل لأعداد المضربين في جميع السجون إلا أن حملة «الحرية للجدعان» حصرت ٢٤ مضربًا في سجون بأنحاء الجمهورية. كما توجد أخبار غير مؤكدة عن إضرابات جماعية في سجن أبو زعبل وسجن النساء بالقناطر.

حملة “جبنا آخرنا” كانت قد انطلقت بعد دخول الناشط السياسى السجين علاء عبدالفتاح فى إضراب عن الطعام يوم الاثنين من الأسبوع الماضى، بعد التصريح له بزيارة والده المحامي أحمد سيف الإسلام الذي دخل في غيبوبة على إثر نوبة قلبية. قبل أن يتوفى مساء أمس.

علاء كان على علم  بوجود والده في المستشفى بعد جراحة قلب مفتوح، لكنه لم يكن يعلم أنه تعرض لمضاعفات. وفي طريق عودته إلى السجن بعد زيارة والده اتخذ قراره بالإضراب.

وقال علاء في بيان أصدرته عائلته لإعلان إضرابه: “لن أؤدي الدور المرسوم لي”. وفي اليوم التالي قام بحلاقة شعر رأسه إيذانا ببدء إضرابه عن الطعام.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، أعلنت الأختان هند ورشا منير إضرابا عن الطعام من زنزانتيهما في سجن القناطر بعد الحكم عليهما بالسجن المؤبد. كانت الشقيقتان قد تم اعتقالهما في أغسطس 2013 خلال مشاركتهما في مظاهرة للتنديد بالفض العنيف لاعتصامات الإخوان المسلمين، وصدر الحكم بعد عام من اعتقالهما.

بالتوازي مع ذلك بدأت شقيقتهما الثالثة هبة وشقيقة رابعة إضرابا كوسيلة للتضامن، وقالتا لـ«مدى مصر» أن اليأس هو ما قادهما لهذا القرار. “أخبرينى ماذا يمكننا أن نفعل؟ انتظرنا لعام، لم نقم بإضراب، وسلكنا الطريق القانوني ظنا أنه سيوصلنا إلى العدل. هذا ليس حكمًا بالسجن المؤبد إنه موت، موت بطيء”، تقول هبة.

وتفيد التقارير بأن أكثر من 40 معتقلة أخرى في سجن القناطر انضممن إلى الإضراب عن الطعام تضامنا مع الأختين. ورغم أن الأسرة لا تعلق أملا على نتيجة الإضراب، لكنها لا ترى أن هناك وسيلة أخرى.

رغم أن الإضراب عن الطعام ربما يشكل تعبيرا عن الإحباط والعجز لكن الناشطة الحقوقية عايدة سيف الدولة تُذكرنا أنه أيضا وسيلة بالنسبة للسجناء لاسترداد كرامتهم.

“هو تعبير عن الغضب وإعلان عن الكرامة”، تقول سيف الدولة وتضيف: “المعتقل يقول لآسره: “تضعني في السجن وتقرر متى تفتح وتغلق زنزانتي، والسلطة القضائية في جعبتك، تسيطر على الزيارات التي أتلقاها، يمكن أن تقوم بتفتيشى في أي وقت، تظن أنك تسيطر عليّ بنسبة 100 بالمائة؟ لا، هناك نسبة واحد بالمائة لا تزال لديّ سيطرة عليها وسأمارس هذا الحق وأسبب لك به صداعا في رأسك”.

توضح سيف الدولة كيف يمكن أن يكون الإضراب عن الطعام وسيلة ضغط على الدولة، كونها مسئولة عن سلامة المواطنين المحتجزين لديها. إلى جانب هذا فالإضراب طريقة للاحتجاج لدى النيابة العامة، والتي عليها أن تستمع لأسباب إضراب المعتقلين عن الطعام، فيما يعد متنفسا للمعتقلين من أجل التظلم، بحسب سيف الدولة.

ومثّل إطلاق سراح عبدلله الشامي، الصحفي في قناة «الجزيرة»، بعد خمسة أشهر من الإضراب عن الطعام علامة على إمكانية تحقيق النجاح. وكان الشامي قد اعتُقل بدون محاكمة لمدة عشرة أشهر بعد إلقاء القبض عليه خلال تغطيته فض اعتصام رابعة العدوية، وأفرج عنه في يونيو لأسباب صحية.  

ويرى المصور الصحفي مصعب الشامي، شقيق عبدالله، أن السلطات انتهت إلى أن الضجة المصاحبة لاستمرار حبس عبدالله وهو مضرب عن الطعام أكثر إزعاجا من عواقب إطلاق سراحه، ومن هنا انتصر عبدالله.

“الخياران كان أحلاهما مر، فإطلاق سراحه قد يشجّع المزيد من المسجونين للقيام بالشيء نفسه، بينما يمثل الإبقاء عليه مخاطرة بتحوله لبطل أو وفاته ومن ثم المزيد من المشاكل. وعندما حسبوا حساباتهم أدركوا أن إطلاق سراحه كان أخف الضررين”، يفسّر مصعب. لكنه يرى أن قضية عبدالله كانت استثنائية، فكونه صحفيًا جعل من قضيته حديث وسائل الإعلام. كما أن عدة محامين بارزين تولوا الدفاع عنه فضلا عن مساندة دولية.

يرى مصعب أن إضراب عبدالله عن الطعام تحول إلى معركة إعلامية بينه وبين الدولة.

بدأ عبدالله في التقاط الصور ومقاطع الفيديو لنفسه منذ بداية الإضراب لإظهار تأثيراته عليه، والتي تسربت بعد ذلك خلال الزيارات له وتم نشرها عبر وسائل الإعلام الاجتماعي. ويعتقد مصعب أن هذه الخطوة كانت مهمة في نجاح إضراب شقيقه.

يواصل مصعب: “منح هذا للحملة زخما كبيرا. كنا نُملي شروطنا، وتحكمنا في سرد الأحداث”.

بمرور الوقت عرفت الدولة أين تكمن المعركة، فحاولت هزيمة الشامي في موطن قوته، وقبل قليل من قرار إطلاق سراحه تم نشر صور يبدو فيها وكأنه يتناول الطعام، زاعمة أنه كسر إضرابه. لكن الحملة كانت في ذلك الوقت أكبر من قدرة الدولة على إفسادها.

قصة نجاح أخرى ظهرت الأربعاء قبل الماضي، عندما قررت المحكمة إطلاق سراح كريمة الصيرفي، ابنة مستشار مرسي السابق أيمن الصيرفي، بعد 72 يومًا من الإضراب عن الطعام. 

وألقت قوات الأمن القبض على الصيرفي من منزلها العام الماضي وتواجه حاليًا، هي ووالدها ومساعدين آخرين لمرسي، اتهامات بالتآمر مع جهات أجنبية لزعزعة الاستقرار الوطني لمصر. وبدأت الصيرفي إضرابها في أعقاب قيام قوات الأمن بالاعتداء عليها هي ومعتقلات أخريات داخل الزنازين.

ويوضح أحمد، شقيق كريمة، لـ«مدى مصر» الإحباط الذي أدى بكريمة للإضراب طوعيا عن الطعام على الرغم من محاولات أسرتها المتواصلة لإثنائها عن ذلك.

لعدة أشهر كانت القضية تدور في دوائر مفرغة، حيث تقوم كريمة بالذهاب إلى المحكمة والمطالبة بإخلاء سبيلها على ذمة القضية، ومن ثم يقوم القاضي بتجديد حبسها. ولا يتم التحقيق أو إحراز أى تقدم في القضية، الأمر الذي جعلها تظن أن القضية الملفقة قد تطول لأجل غير مسمى.

لكن نجاح عبد الله والصيرفي لم يكن ليتكرر تلقائيا.

أصبح محمد سلطان حاليا هو المعتقل صاحب أطول إضراب عن الطعام في السجون المصرية، بإضرابه الذي تجاوز 210 يوما. وهو يجلس الآن على كرسي متحرك بلا قدرة على تحمل وزن جسمه. ومحمد هو نجل صلاح سلطان القيادي في جماعة الإخوان المسلمين. وكان محمد، الذي يحمل الجنسيتين المصرية والأمريكية، قد اعتُقل من منزله بعد قليل من فض اعتصام رابعة العدوية.

وفيما سارت حملتا سلطان والشامي للإضراب عن الطعام بالتوازي، إلا أن الظروف المحيطة اختلفت.

بداية، لم يحصل سلطان على الدعم المؤسسي الذي قدمته «الجزيرة» للشامى، والذي ساعد في الدفاع عن قضيته. وتعتقد سيف الدولة أن تدهور صحة سلطان قد يُستخدم كأداة ضغط من جانب الدولة ضد والده.

وفي تفسيرها لندرة نجاح الإضراب تقول سيف الدولة إن الضغط المجتمعي الذي يصاحب الإضراب عن الطعام عادة غائب. وتضيف: “المجتمع الذي وقف موقف المتفرج من مذبحتي رابعة العدوية والحرس الجمهوري لن يبالي كثيرا بالإضراب عن الطعام”.

وتؤكد سيف الدولة أن كثرة عدد المضربين عن الطعام، والتي تجعل متابعته صعبة حتى بالنسبة للنشطاء، قللت من قوة تأثير الإضراب، فإضراب واحد فقط يعد مأساة أما إضراب العشرات فهو مجرد رقم، وتصبح حساسية المجتمع أقل تجاهه مثله مثل أي شيء آخر.

سيف الدولة نفسها قامت بالإضراب عن الطعام في يونيو الماضي هي وأستاذة الجامعة والناشطة ليلى سويف تضامنا مع سلطان والشامي. وتقول إن إضرابها عن الطعام استهدف بشكل أساسي جذب اهتمام المجتمع المدني وتحفيز حملة مساندة للمضربين عن الطعام خارج السجون. ومع ذلك لم يتم الوصول إلى الهدف، بحسب قولها، فحتى المجتمع المدني يتجاهل الإضراب عن الطعام إلى حد كبير. وانتهى بها الأمر إلى إنهاء إضرابها.

رد فعل الدولة تجاه الإضراب أيضا يجعل التجربة أشد خطورة بالنسبة للمحتجز. فسلطات السجن عادة ما تتجاهل الإجراءات القانونية المعمول بها في الإضراب عن الطعام، كما تهمل المتطلبات الحرجة للرعاية الصحية للمضرب. فإضراب الشامى ــ ومعظم الآخرين ــ عن الطعام لم يتم تسجيله من قبل النيابة العامة، الأمر الذي يحرم السجين من اعتراف الدولة بإضرابه.

إبراهيم اليماني، وهو طبيب اعتقل في 18 أغسطس 2013 خلال قيامه بالتظاهر، يقوم حاليا بثاني إضراب عن الطعام، ليسجل حتى الآن أكثر من 130 يوما. وقد بدأ هذه الجولة بعد قليل من إنهاء إضرابه الأول الذي دام 89 يوما.

وتقول سيف الدولة إنه عندما طالب المحامون سلطات السجن بإعلام النيابة بإضراب اليمانى، قيل لهم إن النيابة ستحضر عندما يموت السجين.

معظم الرعاية الصحية التي تلقاها الشامى كان عن طريق زميله في الزنزانة، والذي تصادف كونه طبيبا. ويقول مصعب الشامي إن زميل أخيه عبدالله في المعتقل حصل على عينات من دم عبدالله، ثم قامت عائلته بالحصول عليها خلال الزيارات وإرسالها للتحليل. وبدأت سلطات السجن في منح الشامى رعاية صحية بسيطة عندما أصبحت حالته خطيرة، في محاولة للإبقاء عليه على قيد الحياة.

ورغم المخاطرة وضعف فرص النجاح، يوضح أحمد الصيرفي لماذا لجأت شقيقته، وما زال المعتقلون الآخرون يلجأون، إلى الإضراب عن الطعام بقوله: “يصل المعتقل إلى مرحلة لا يملك فيها شيئا آخر ليفعله، ومن هنا يقرر إما أن يعيش كريما ويحصل على حقوقه أو يواصل إضرابه وليحدث ما يحدث. فقد وصلوا بالفعل إلى مرحلة التخلي عن الأمل في الحياة”.

اعلان
 
 
هبة عفيفي