Define your generation here. Generation What
“خلية عرب شركس”: المحاكمة العسكرية شبه السرية لأنصار بيت المقدس
 
 

حتى منتصف عام 2013 كان  نادر، خريج معهد السياحة والفنادق البالغ من العمر 25 عاما، يعمل بائعا بمحل تومي هيلفيجر للملابس في مول العرب بمنطقة السادس من أكتوبر على أطراف القاهرة، بعد فترة عمل فيها مشرف وردية في مطعم كنتاكي بنفس المول.

وفي أولى جلسات التحقيق معه بعد القبض عليه في مارس الماضي طرح محقق النيابة العسكرية على نادر (قمنا بتغيير اسمه) السؤال المعتاد في هذا النوع من القضايا: “متى التزمت دينيا؟”، فأجاب: “التزمت دينيا بدءا من شهر يوليو 2013، في التوقيت ده تحديدًا بدأت أصلي وغيرت من طبيعة حياتي السابقة عن هذا التاريخ وبعدت عن بعض الأمور التي كنت أمارسها”. وأضاف أن التزامه بدأ من خلال مناقشات دارت بينه وبين صديق تعرف عليه أثناء عملهما في نفس المول ثم عرّفه على آخرين أخذوا في إغرائه بالسفر خارج مصر “علشان أقدر أعرف ديني كمسلم”، خاصة أن “الشباب مش قادرين يتجوزوا أو يفتحوا بيوت علشان الأوضاع المادية وعلشان البلد مش في حالة مستقرة”.

بعد فترة قام أصدقاء نادر الجدد بتقديمه إلى بعض الشباب من سكان نفس المنطقة الذين كانوا قد سافروا إلى سوريا والذين اقتنع نادر بالحديث معهم أن “هناك هاعرف ديني وأقدر أتجوز وأعيش عيشة مرتاحة، والكلام ده كان على أساس إن في سوريا بيت اسمه بيت أموال المسلمين، والبيت ده بيجمع تبرعات من المسلمين في العالم كله علشان مساعدة المسلمين من المحتاجين والشباب اللي عنده مشاكل مادية ومش عارف يتجوز”.

بعد عام بالضبط على تاريخ التزامه دينيا، تخللته فترة قصيرة قضاها مع المقاتلين ضد النظام السوري، تحول الشاب القاهري إلى متهم في أول محاكمة عسكرية لأعضاء جماعة أنصار بيت المقدس، التنظيم الذي أعلن مسئوليته عن أغلب الهجمات التي استهدفت قوات الجيش والشرطة على مدى العام الماضي، وأكثرها دموية. ويوم أمس، الثلاثاء الموافق 26 أغسطس، أصدرت المحكمة قرارا باستطلاع رأي مفتي الجمهورية تمهيدا للحكم بإعدام نادر وستة من المتهمين في نفس القضية، وحددت تاريخ 23 سبتمبر المقبل لإصدار حكمها النهائي، فيما قد يصبح أول حكم جنائي يصدر عن أي محكمة مصرية بشأن التنظيم الأكثر خطورة على ساحة الإرهاب المحلي في مصر اليوم.

قامت «مدى مصر» خلال الأسابيع الماضية بتحليل ملف القضية الذي جاء في قرابة ألف صفحة، كما تمكنت من حضور إحدى الجلسات المغلقة لمحاكمة المتهمين، والتي لم يُسمح بحضورها إلا لفريق محاميّ الدفاع وبعض أقارب المتهمين، فضلا عن إجراء مقابلات مع أحد المتهمين، وعدد من أفراد أسرهم ومحاميهم.

وتقدم أوراق هذه المحاكمة العسكرية ـ التي بدأت وانتهت في غياب أي تغطية إعلامية تذكر ـ نموذجا لحجم التهديد الأمني الذي يواجه النظام الحاكم اليوم، ولمحة نادرة عن الجيل الجديد من الجهاديين الذين أعلنوا حربا مفتوحة على قوات الجيش والشرطة (وفي بعض الحالات كنائس وممتلكات الأقباط) في أعقاب عزل الإخوان المسلمين عن حكم البلاد وتشكل نظام 3 يوليو.

محاكمتان متوازيتان أمام القضاء المدني والعسكري

انعقدت الجلسة التي شهدتها «مدى مصر» في أحد أيام شهر يوليو الماضي، في قاعة أشبه بدار عرض مسرحي وداخل مبنى أنيق في معسكر الهايكستب العسكري في منتصف الطريق الصحراوي المهجور بين القاهرة والإسماعيلية. جلس ثلاثة لواءات يرتدون زيهم العسكري خلف منصة على خشبة المسرح، وإلى يمينهم على مكتب صغير جلس ضابط جيش برتبة رائد يمثل النيابة العسكرية. أغلب صفوف المقاعد خالية في القاعة الضخمة، إلا من قرابة عشرين من أهالي المتهمين أغلبهم نساء يرتدين النقاب الأسود، وقرابة خمسة أطفال صغار وقلة من الذكور. في مقدمة القاعة صف من المحامين، بينما يشغل أغلب الصفوف الخلفية ضباط شرطة وجنود لتأمين هذه المحاكمة العسكرية. في يسار القاعة يجلس داخل القفص ثمانية متهمين ملتحين، من بينهم نادر، أغلبهم لم يتجاوز الثلاثين من العمر ويرتدون جميعا ملابس الحبس الاحتياطي البيضاء.

بدأ أحد القضاة الثلاثة في تلاوة الاتهامات التفصيلية الموجهة للمتهمين بتدبير عدة هجمات مسلحة على أفراد وأهداف عسكريين انتهت حصيلتها إلى مصرع تسعة من ضباط وجنود الجيش. كان القاضي يتوقف بعد كل مجموعة اتهامات وينادي من ميكروفون صغير أمامه على المتهم المعني ليسأله “حصل؟”. واحدا تلو الآخر رفع كل من المتهمين الثمانية صوته من داخل القفص بعبارة اختلفت قليلا في صياغتها: “أنا لا أحتكم لقوانين وضعية ولا أعترف إلا بمحاكم شرعية تقيم شرع الله”.

كانت هذه هي الجلسة الأخيرة من ست جلسات عقدتها المحكمة على مدى الأشهر الثلاثة الماضية في هدوء يقترب إلى السرية لمحاكمة تسعة متهمين (أحدهم هارب) تتهمهم النيابة العسكرية بقيادة وعضوية خلية تابعة لأنصار بيت المقدس.

ويواجه نادر وباقي المتهمين المحبوسين بموازاة هذه المحاكمة قائمة أطول وأخطر من الاتهامات ضمن مجموعة أكبر تشمل 200 متهم أحالهم النائب العام في شهر مايو الماضي إلى محكمة جنايات مدنية، ولم يتقرر حتى الآن تاريخ بدء محاكمتهم. وتتهم النيابة العامة المتهمين المائتين (ومن بينهم 102 موقوفا) بالمسئولية عن عدد من الهجمات البارزة التي أعلنت أنصار بيت المقدس مسئوليتها عنها، بما في ذلك تفجير مديريتي أمن القاهرة والدقهلية واغتيال عدد من قيادات وضباط الشرطة ومحاولة اغتيال وزير الداخلية وغيرها.

غير أن القضاء العسكري اختار المتهمين التسعة لإخضاعهم لهذه المحاكمة العسكرية الموازية، التي بدأت في مطلع شهر يونيو الماضي بدعوى تورطهم في ثلاث هجمات نفذها التنظيم في مارس الماضي وطالت أهدافا عسكرية. ويمنح قانون القضاء العسكري المحاكم العسكرية اختصاصا حصريا بمحاكمة المدنيين المتهمين بالاعتداء على القوات المسلحة، وهي مادة تم النص عليها في دستور البلاد الحالي الذي تم إقراره في يناير من هذا العام. وحتى بعد الحكم عليهم في هذه القضية، سيمثل جميع المتهمين مرة أخرى أمام محكمة الجنايات العادية للمحاكمة بشأن تورطهم في باقي الهجمات التي طالت الشرطة وأهدافا أخرى غير عسكرية.

تتهم النيابة العسكرية المتهمين التسعة بتخطيط وتنفيذ هجوم مسلح في 13 مارس 2014 استهدف حافلة تقل جنودا في الجيش في منطقة الأميرية بالقاهرة، وأسفر عن مصرع مساعد بالقوات المسلحة، ثم تصفية ستة مجندين بعدها بيومين في كمين للشرطة العسكرية في منطقة مسطرد بجنوب القاهرة، ثم قتل عميد وعقيد بالقوات المسلحة أثناء قيام قوة من الجيش بمحاولة إلقاء القبض عليهم في 19 مارس أثناء اختبائهم داخل مخزن مهجور بمنطقة عزبة شركس بمحافظة القليوبية، ما دعا لإطلاق اسم “خلية عرب شركس” على هذه المجموعة. وتقول النيابة العسكرية إن ستة أشخاص من المتهمين بتنفيذ هجومي الأميرية ومسطرد قد لقوا مصرعهم خلال تبادل إطلاق النار.

وتفيد أوراق القضية أن قوات الجيش عثرت داخل المخزن على قطعتي سلاح أثبت تحليل مصلحة الأدلة الجنائية فيما بعد سابقة استخدامهما في هجومي أوتوبيس الأميرية وكمين مسطرد، فضلا عن كمية هائلة من المتفجرات وأوراق تنظيمية وتدريبية تم تنزيلها من على الإنترنت. كما عثر داخل المخزن على لافتة بيضاء كتب عليها “غزوة الثأر لأبي عبيدة.. القادم أدهى وأمر.. أنصار بيت المقدس”، في إشارة إلى محمد السيد منصور الطوخي الذي كانت جماعة أنصار بيت المقدس قد أصدرت بيانا ينعي “استشهاده” على يد الشرطة في مارس الماضي، والذي قالت وزارة الداخلية وقتها أنه كان مسئولا عن تفجير مديرية أمن القاهرة في يناير من هذا العام.

ووفقا لقرار الاتهام الصادر بحق المتهمين، فإن أربعة منهم قد تواصلوا مع قيادات أنصار بيت المقدس في شمال سيناء واتفقوا معهم على تأسيس خلية تابعة للتنظيم في محافظات أخرى بالقاهرة الكبرى والدلتا وضموا إلى عضويتها باقي المتهمين. ويضيف القرار أن المتهمين استهدفوا من وراء هجماتهم على القوات المسلحة “التأثير في الروح المعنوية للقوات ومن ثم في كفاءتها القتالية بما ينتج عنه إضعاف القدرة على ضبط الأوضاع بالبلاد”.

جهاديون جدد: من مصر إلى سوريا ثم إلى مصر مجددا

لا يمكن حتى للمتخصصين والمتابعين الجيدين للشأن الجهادي التعرف على أسماء أو صور أيّ من المتهمين، وليس من بينهم إلا اثنان كانا قد تعرضا للاعتقال أثناء حكم الرئيس الأسبق مبارك، بموجب قانون الطوارئ الذي سمح باعتقالهما وآلاف آخرين دون اتهام أو محاكمة. وبينما كان أحدهما قد خضع للاعتقال الإداري في الفترة من 2006 إلى 2009 على يد مباحث أمن الدولة أثناء البحث عن أحد أصدقائه الذين عبروا إلى غزة عند فتح معبر رفح في بداية تلك الفترة، فإن الآخر تم تسليمه من السلطات اليمنية إلى المخابرات المصرية ـ حسب أقواله في النيابة العسكرية ـ التي سلمته لوزارة الداخلية المصرية لاعتقاله منذ نهاية 2007 حتى قام المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإخلاء سبيله في 25 فبراير 2011، ضمن مئات آخرين من المعتقلين الإسلاميين الذين أمر المجلس العسكري بإطلاقهمعقب تنحي مبارك عن الحكم.

بخلاف هذين المتهمين فإن باقي أفراد المجموعة، وأغلب أفراد المجموعة الأكبر المتهمين بالانخراط في عمليات أنصار بيت المقدس لم تكن لهم صلة بالأفكار الجهادية أو اهتمام بالشأن العام حتى وقت قريب، ويقول ضباط قطاع الأمن الوطني بوزارة الداخلية (الاسم الحالي لجهاز مباحث أمن الدولة) ونيابة أمن الدولة العليا والنيابة العسكرية إنهم لم يقرروا الانخراط في النشاط المسلح إلا في أعقاب 3 يوليو من العام الماضي.

كان نادر من بين هؤلاء الجهاديين الجدد، وبعد القبض عليه أدلى بإفادة مفصلة ترسم صورة ذات دلالة حول تحوله السريع من شاب عادي من سكان القاهرة إلى جهادي نشط في عمليات أنصار بيت المقدس في منطقة القاهرة الكبري. (مثل باقي المتهمين الثمانية في القضية أدلى نادر بإفادة مخالفة بعدها بشهر أنكر فيها كافة الاتهامات الموجهة إليه بعدما تم نقل المجموعة بأكملها إلى سجن طرة شديد الحراسة المعروف بالعقرب، بينما رفض جميع المتهمين الحديث أمام المحكمة العسكرية على مدار جلسات محاكمتهم بدعوى عدم اعترافهم بالقوانين “الوضعية”).

بعد فترة قصيرة من التزام نادر وتعرفه على أصدقائه الجدد قام هؤلاء بتسهيل سفره إلى سوريا عبر الحصول على تأشيرة سياحة إلى اسطنبول، وفقا لإفادته الأولية، ومنها استقل حافلة إلى أنطاكيا حيث استقبله أفراد كانوا في انتظاره ونقلوه عبر الحدود إلى منطقة غابات بشمال سوريا حيث تلقى تدريبات أولية استمرت أربعة أسابيع “أسبوعين لياقة بدنية وأسبوع تعامل بالسلاح وتفكيكه وتركيبه، واتدربت تحديدا على سلاح الكلاشينكوف، والأسبوع الأخير أسبوع شرعي صلاة وقرآن فقط”. بعد انتهاء تدريبه تم نقل نادر إلى منطقة إدلب حيث تم تنفيذ الوعد بتزويجه إلى من قال إنها “أرملة سورية عندها عشرين سنة وبدون أي مهر أو أي حاجة خالص”. خلال هذه الفترة كان نادر يحصل على مصروف شهري في حدود 600 ليرة سورية (ما يوازي أقل من خمسين دولار).

وبعد استراحة زواج استمرت خمسة أيام تم ضمه إلى مجموعة عسكرية بقيادة أمير يدعى أبو الزبير التونسي من أجل “قتال الشيعة في سوريا بسبب اللي بيعمله نظام بشار الأسد في المسلمين السُنة”، غير أنه بعد خمسة أيام أخرى قال إنه أصر على العودة إلى مصر قبل أن يتم تكليفه بأية عمليات بعد أن ادّعى لأميره أن شقيقه في مصر قد توفي، على أن يعود إلى سوريا بعد انتهاء إجراءات الجنازة. ووافق الأمير على استعادة نادر جواز سفره الذي كان قد سلمه إليهم عند وصوله إلى سوريا، على أن يعود معه أحد المقاتلين المصريين من نفس المجموعة “علشان تبقى عينه عليا”. وقام نادر قبل عودته إلى مصر بتطليق زوجته الجديدة.

 مع حلول شهر ديسمبر 2013 كان نادر الذي لم يمض على التزامه دينيا أكثر من ستة أشهر حسب إفادته الأولية للنيابة العسكرية قد عاد من سوريا مع خلفية قتالية لا تتجاوز الشهر بكثير ولا يبدو أنها قد تضمنت أي خبرة عملياتية. بعدها ببضعة أسابيع تواصل معه رفيقه الذي كان قد عاد معه من سوريا وقام بتقديمه إلى أفراد آخرين كانوا يجتمعون في مخزن عرب شركس، حيث يقول نادر إنه شهد تحضير المجموعة السيارة المفخخة التي تم استخدامها في تفجير مديرية أمن القاهرة في 24 يناير الماضي، ثم قيامهم بتجهيز ونشر الفيديو الذي أعلنت فيه المجموعة مسئولية أنصار بيت المقدس عن تنفيذ التفجير.

كما تلقى نادر من المجموعة تكليفات برصد سيارات المسيحيين أثناء مغادرتهم كنيسة قريبة من منزله في الحي العاشر في 6 أكتوبر تمهيدا لسرقتها، نظرًا لأن التنظيم كان يرى أن “سيارات المسيحيين وأموالهم حلال إن إحنا نسرقها وننفذ بيها الشغل بتاعنا اللي هوا سواء تفجيرات أو مهاجمات”. كما تضمنت التكليفات معرفة إمكانية ترك سيارة مفخخة بجوار الكنيسة لتفجيرها، فضلا عن تتبع سيارات بعض ضباط الشرطة المقيمين في المنطقة “لحد معرفة بيته أو خط سيره تحديدًا، استعدادًا لقتله”.

وأصر نادر في أقواله الأولية في تحقيقات النيابة العسكرية أنه لم يعلم بأن المجموعة التي كان يعيش بين أفرادها تنتمي إلى أنصار بيت المقدس إلا بعد تفجير مديرية أمن القاهرة، وأنه علم منهم أيضا بمسئوليتهم عن تنفيذ هجوم كمين مسطرد، غير أنه شدد على أنه لم يشارك في الهجوم. وأضاف أنه قاوم محاولات المجموعة ضمه إلى التنظيم وأبدى تململًا مشابهًا لما أبداه في سوريا من تنفيذ التكليفات الصادرة له وأصر على العودة إلى سوريا، حتى سهلت له المجموعة إجراءات الحصول على تأشيرة جديدة لتركيا مع فردين آخرين من أعضاء نفس التنظيم، وعند مغادرتهم مكتب السياحة في منطقة 6 أكتوبر وجدوا الشرطة في انتظارهم حيث تم إلقاء القبض على ثلاثتهم في 16 مارس الماضي.

لا تختلف قصة نادر ـ حسبما ترويها أوراق القضية ـ  جذريا عن خلفية المتهمين الآخرين الذين مثلوا معه للمحاكمة. فهو أحد أربعة من بين المتهمين الثمانية أقروا للنيابة العسكرية بدرجات متباينة من التفصيل أنهم سافروا إلى سوريا عن طريق تركيا في أوقات متفرقة من العامين الماضيين، للمشاركة في القتال ضد الجيش النظامي السوري. واشترك الأربعة عند توضيح دوافعهم للسفر إلى سوريا في التعبير عن مزيج من التوجهات السياسية المعادية للأنظمة العربية الحاكمة والآراء الدينية المعادية للشيعة، فضلا عن الدوافع الاقتصادية للسفر هروبا من ضيق الحال في مصر في حالة بعض المتهمين.

وإلى جانب سوريا تظهر غزة بدرجة أقل في أوراق القضية، حيث تتهم النيابة العسكرية واحدًا فقط من أفراد المجموعة بتلقي تدريبات عسكرية على يد كتائب عز الدين القسام التابعة لحركة حماس، بعد عبوره إلى غزة عبر الأنفاق ثم العودة لتخطيط وتنفيذ هجمات ضد الجيش والشرطة في مصر، في الفترة التالية لعزل الرئيس محمد مرسي عن الرئاسة في 3 يوليو 2013.

غير أنه بخلاف نادر، فإن ما يقرب من نصف المتهمين اعترفوا بالانضمام لأنصار بيت المقدس والمشاركة في عدد من عملياته، وهي الاعترافات التي قاموا بإنكارها لاحقا. وجاءت اعترافاتهم الأكثر تفصيلا في تحقيقات نيابة أمن الدولة العليا التي جرت معهم داخل سجن العقرب ـ بالتوازي مع تحقيقات النيابة العسكرية ـ ضمن إجراءات قضية التفجيرات الكبرى (التي سيجري تناولها تفصيلا في أجزاء القادمة من هذا التحقيق.)

المحطة السلفية في الطريق إلى الجهاد

لا يتجاوز عمر أكبر أفراد المجموعة سنا الخامسة والثلاثين، بينما يبلغ أصغرهم سنا التاسعة عشرة، وأغلبهم من الحاصلين على شهادات جامعية تتنوع بين دراسة الحقوق والعلوم وإدارة الأعمال، وجميعهم من سكان المدن في القاهرة والإسماعيلية على وجه التحديد.

ويتشابه أغلب المتهمين في بدء اهتمامهم بمقاومة أوضاع الحكم في مصر مع اندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير عام 2011، حيث انعدم انشغالهم قبلها بالشأن العام واقتصر نشاط أغلبهم على حضور الدروس الدينية لمشايخ التيار السلفي في المساجد أو عبر الإنترنت أو القنوات الفضائية الإسلامية. ويجمع بين إفادات المتهمين رفضهم للديمقراطية والمشاركة في الانتخابات، وهو ما أدى لدفعهم بعيدا عن كلٍ من جماعة الإخوان المسلمين وتيار الدعوة السلفية الذي يمثله حزب النور، ومعارضتهم في الوقت نفسه لعزل الإخوان عن الحكم في يوليو 2013 وما تلاه من اعتداءات على المتظاهرين اعتبروها حربا على جميع أبناء التيار الإسلامي.

ويبدو في أقوال المتهمين في التحقيقات الأولية ما يشير إلى اتخاذهم مسارًا مشابهًا يبدأ باعتناق أفكار التيار السلفي على يد مشايخ سلفيين تضم أسماؤهم كلا من محمد حسان وأبو إسحاق الحويني ومحمد عبدالمقصود وفوزي السعيد وسيد العربي ومحمد عبدالمنعم البري وآخرين. ثم يتحول أفراد المجموعة من السلفية الحركية إلى السلفية الجهادية لأسباب مختلفة يتعلق بعضها بالاعتراض على المنهج التدرجي للإخوان والسلفيين في إقامة الحكم الشرعي في مصر، بينما يرتبط البعض الآخر بالحرب على ما يعتبرونه الأنظمة الشيعية الحاكمة في سوريا والعراق أو باستمرار الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين.

وفي حالة أغلب المتهمين فإن أنصار بيت المقدس مثلت النافذة الوحيدة للانخراط في النشاط الجهادي داخل مصر، ربما بسبب انطواء صفحة جهاديي التسعينات بعد اتجاه الجماعة الإسلامية للعمل الحزبي وانضواء جماعة الجهاد المصري تحت لواء تنظيم القاعدة الذي لا ينشط فعليا في مصر. غير أن تأثير القاعدة لا يغيب كليا عن تشكيل أفكار المتهمين كما يظهر في مضبوطات القضية التي ضمت تسجيلات لكل من أسامة بن لادن وخليفته في قيادة التنظيم أيمن الظواهري.

ويُعتقد أن جماعة أنصار بيت المقدس قد نشأت في وقت ما خلال عام 2011 في شمال سيناء، وكانت عند تأسيسها تستهدف أساسًا مهاجمة إسرائيل، وهو ما يفسر اسمها المشتق من تنظيم جهادي آخر ينشط في غزة يحمل اسم أكناف بيت المقدس. غير أن الجماعة قررت بعد 3 يوليو 2013 توجيه نشاطها إلى الداخل المصري ومهاجمة أهداف للجيش والشرطة المصريين، وامتدت خلاياها خارج سيناء إلى ما يسميه أعضاؤها “الوادي”، خاصة في القاهرة الكبرى والإسماعيلية والدلتا.

أصغر المتهمين طالب بالصف الثالث الثانوي، سنسميه هنا عبدالقادر، أحيلت أوراقه للمفتي أيضا ويتوقع الحكم بإعدامه الشهر المقبل. ذكر عبدالقادر في إفادته الأولية أمام النيابة العسكرية أنه شعر بالتعاطف مع خالد سعيد، الشاب السكندري الذي مثّل قتله على يد الشرطة في الإسكندرية أحد المفجرات الأساسية لثورة يناير. نزل عبدالقادر إلى ميدان التحرير في القاهرة بدافع من هذا التعاطف في السادس والعشرين من يناير 2011، حين ألقت الشرطة القبض عليه قبل أن يتم إطلاق سراحه لصغر سنه، ليعود بعدها بأيام إلى الميدان للمشاركة في الاحتفالات التي اندلعت يوم أعلن مبارك تنحيه عن الحكم.

خلال الأشهر التالية شارك عبدالقادر في التظاهرات المتقطعة التي تجمعت في ميدان التحرير غير أنه انجذب تدريجيا إلى التيار الإسلامي مع بدء التباعد بين القوى المدنية والإسلامية منذ مارس 2011، حيث شارك في مظاهرات السلفيين أمام مجلس الوزراء للمطالبة باستعادة كاميليا شحاتة (امرأة مسيحية قيل إنها تحولت للإسلام قبل أن تجبرها الشرطة على العودة لزوجها المسيحي) وهناك تعرف على إسلاميين دعوه لحضور دروس دينية انتهت باعتناقه التدريجي والسريع في نفس الوقت للفكر السلفي الجهادي مع حلول شهر يوليو من العام نفسه، حين شارك عبد القادر في مظاهرات التحرير المطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية والتي عُرفت إعلاميا باسم “جمعة قندهار” ثم مظاهرات وزارة الدفاع بالعباسية التي شارك فيها غالبية من السلفيين في مايو 2012.

مع حلول عام 2013 كان عبدالقادر قد سافر إلى سوريا لدعم المقاتلين ضد النظام مرتين، كانت الأخيرة منهما في يوليو 2013 بعد عزل الرئيس السابق محمد مرسي عن الحكم، حيث يبدو أنه وقتها قد قرر توجيه نشاطه إلى الجيش المصري الذي بدأ، مثل باقي المتهمين، يراه في نفس الضوء الذي يرون فيه الجيش النظامي السوري الذي “يقتل المسلمين بدون وجه حق” وفقا لأقواله أمام النيابة. حين سأله المحقق العسكري عن معتقداته الدينية قال الشاب الذي لم يبلغ العشرين من العمر أنه يتبع آراء الإمام ابن تيمية، المتوفي في القرن الثالث عشر الميلادي، بشأن وجوب قتال “الطوائف الممتنعة بشوكة” والتي تشير إلى الطوائف الحاكمة الممتنعة عن تطبيق الشريعة. “وهل هناك من أفراد الشرطة والجيش بجمهورية مصر من طائفة ممتنعة بشوكة؟” سأله المحقق، فأجاب: “نعم وهم الذين يقومون بقتل الناس بدون وجه حق”. وعن سبب انجذابه لأنصار بيت المقدس قال: “لأن فكري من فكرهم وهو الفكر الجهادي”، وأهداف الجماعة هي “إعادة الخلافة الإسلامية وتطبيق شرع الله”. وفي نهاية التحقيق نفسه قالها عبدالقادر صراحة لضابط الجيش الذي يحقق معه: “فكري فكر إرهابي..لأني باحمل فكر التيار الإرهابي وهو الاعتداء على أي حد دفاعا عن نفسي أو غيري”.

سر معتقلي سجن العزولي

في أقوال جميع المتهمين في التحقيقات، وفي مرافعات كافة محاميّ الدفاع أمام المحكمة، تكرر الإصرار على أن أيًا من المتهمين لم يكن داخل مخزن عرب شركس عند اقتحامه، حسبما تتهمهم النيابة العسكرية. فثلاثة من المتهمين (من بينهم نادر وعبدالقادر) يؤكدون أنهم ألقي القبض عليهم في مارس الماضي بعد مغادرتهم شركة للسياحة في منطقة 6 أكتوبر كانوا يترددون عليها للحصول على تأشيرة لتركيا تمهيدا للسفر مجددا للقتال في سوريا. وتقول شقيقة عبدالقادر إنها ذهبت إلى الشركة بعد إحالة شقيقها للمحاكمة، وأن صاحبة الشركة أخبرتها بصدور تعليمات من الأجهزة الأمنية بإخطار الأمن الوطني مؤخرا عند تقدم أي شباب من الذكور للحصول على تأشيرة سياحية لدخول تركيا، وأن السيدة أبلغت عن المتهمين الثلاثة تنفيذا لهذه التعليمات، ولكنها رفضت المثول أمام المحكمة العسكرية للإدلاء بشهادتها حول مكان وملابسات القبض عليهم. بينما ألقي القبض على متهمين اثنين آخرين في منطقتي رمسيس وغمرة خلال بضعة أيام من القبض على متهمي شركة السياحة، أثناء توجههما لمقابلة أعضاء من التنظيم، فيما بدا أنه عملية أمنية ناجحة لاستدراجهما للقبض عليهما.

النقطة اللافتة في ملف القضية ومرافعات الدفاع كانت بشأن المتهمين الثلاثة الباقين، اللذين أكدوا في أقوالهم للنيابة العسكرية وكرر محاموهم أمام المحكمة أنهم أُلقي القبض عليهم منذ شهري نوفمبر وديسمبر من العام الماضي، قبل قرابة ثلاثة أشهر من ارتكاب الجرائم التي يحاكمون بشأنها، وأنهم ظلوا طيلة تلك الشهور محتجزين في سجن العزولي العسكري بمحافظة الإسماعيلية قبل أن تتم إحالتهم للتحقيق ونقلهم إلى سجن العقرب.

وعلى مدى الشهور الماضية تحدثت منظمات حقوقية مصريةودولية وتقارير لصحف أجنبية عن قيام القوات المسلحة باحتجاز وتعذيب أعداد تقدر بالمئات من المشتبه فيهم، المعتقلين بشكل سري وغير قانوني في سجن العزولي الملحق بمعسكر الجلاء العسكري في الإسماعيلية. وترفض الدولة الرد على الاتهامات بجرائم الاختفاء القسري والتعذيب داخل هذا السجن أو حتى الاعتراف بوجوده، ربما نظرًا لأن قانون القضاء العسكري يمنع احتجاز المدنيين في السجون الحربية حتى لو كانوا متهمين أمام محاكم عسكرية.

وبينما ذكر المتهمون الثلاثة المقبوض عليهم منذ العام الماضي أنهم تعرضوا للاحتجاز والتعذيب في العزولي قبل شهور على ارتكاب الجرائم التي تتهمهم السلطات بالتحريض عليها، فإن أوراق القضية تُظهر بوضوح كيف سار محققو النيابة العسكرية على أطراف أصابعهم حول هذه النقطة تجنبا للإشارة حتى إلى اسم السجن في أوراق التحقيقات. ففي محضر سماع أقوال ضابط الأمن الوطني كريم فاروق الذي أجرى تحريات وزارة الداخلية عن خلية عرب شركس يسأله محقق النيابة العسكرية: “ما قولك فيما قرره [المتهمون الثلاثة] من أنهم وقت ارتكاب الجرائم كانوا رهن الاحتجاز؟”، دون تسمية سجن العزولي الذي يفترض عدم وجوده أصلا من الناحية الرسمية. في حين يصر الضابط في إجاباته على الإنكار ويشدد على أن المتهمين جميعا أُلقي القبض عليهم داخل مخزن عرب شركس.

جميع محاميّ الدفاع عن هؤلاء المتهمين الثلاثة طالبوا المحكمة العسكرية في جلسة يوليو الماضي بتنحية اعترافات موكليهم الأولية جانبا وعدم الاعتداد بها نظرا لانتزاعها نتيجة التعذيب، وقالت إحدى محاميات الدفاع إن موكلها كان معتقلا داخل العزولي “الذي تحول إلى أبو غريب مصر” وقت ارتكاب الجرائم المزعومة. في حين شدد محامو الدفاع على أن الفاعلين الأصليين في الهجمات الثلاثة محل المحاكمة هم الستة الذين قتلتهم قوات الجيش خلال تبادل إطلاق النار في مخزن عرب شركس، وأن المتهمين الثمانية المحبوسين ينتمون إلى ما سماه أحد المحامين في مرافعته “المخزون الاستراتيجي لوزارة الداخلية” في إشارة إلى متهمين كانوا في السجن أصلا وقت ارتكاب الهجمات، أو ألقي القبض عليهم في مواضع أخرى بعدها من أجل تقديمهم للمحاكمة.

كما تُظهر أوراق القضية أن تعذيب المتهمين لم يقتصر على سجن العزولي. فالمتهم خالد فرج الذي يقول إنه قد ألقي القبض عليه في منطق غمرة في يوم 19 مارس الماضي، مثل أمام النيابة العسكرية على كرسي متحرك في اليوم التالي لضبطه، وأخبر المحقق بأنه تعرض للتعذيب في اليوم السابق عن طريق الضرب في رأسه وأنحاء متفرقة من جسده في مكان لم يستطع تحديده نظرا لأنه كان معصوب العينين. ودوّن المحقق العسكري في محضر التحقيق أنه “بمناظرة المتهم تبين وجود سحجات وكدمات بالوجه والفم ووجود آثار سحجات باليد اليسرى واليد اليمنى” وأنه سأل المتهم عن سبب وجوده على كرسي متحرك فأفاد “بوجود كسر بقدمه اليسرى بسبب ضربه أثناء القبض عليه”.  وقررت النيابة العسكرية في نهاية التحقيق إحالة المتهم للكشف الطبي لبيان إصاباته. وفي التقرير الطبي الموجود بملف القضية والمؤرخ في 1 أبريل الماضي ذكر طبيب سجن مستشفى ليمان طرة أن المتهم خالد فرج “يعاني من كسر في عظمة الفخذ الأيسر وكسر في ردفة الركبة اليسرى وكدمات في أماكن متفرقة بالجسم، وتم إعطاؤه علاج تحفظي وتم تحضيره لإجراء جراحة وتم إجراء جراحة تثبيت كسر الفخذ داخليا بواسطة شريحة ومسامير واستئصال لعظمة الركبة اليمنى جزئيا وتثبيت جزء منها بأسلاك”. واضطرت النيابة العسكرية للانتقال إلى مستشفى سجن طرة في 16 إبريل لاستكمال التحقيق مع المتهم الذي قال في التحقيق: “أنا كل أقوالي السابقة كانت تحت التعذيب والتهديد”. وقررت المحكمة أمس إحالة أوراق خالد إلى المفتي تمهيدًا لإعدامه.

قبل شهر ونصف على صدور قرار المحكمة أمس، لم يبدُ المتهمون مكترثين كثيرا بالحكم المتوقع أو مطمئنين إلى استقلال المحكمة. فخلال استراحة للمحكمة استغرقت قرابة نصف الساعة في جلسة 6 يوليو، في منتصف أحد أشد الأيام حرارة في شهر رمضان، تحدث أحد المتهمين من داخل القفص إلى والده الذي عاتبه على الإصرار على الاحتكام فقط إلى “شرع الله” ورفض الاعتراف بشرعية المحكمة. المتهم الشاب قال موجها حديثه إلى والديه وإلى «مدى مصر» سويًا وفي هدوء واضح: “أنا باقول اللي أنا عايزه والمحامي بيقول اللي هو عايزه وفي الآخر الحكم هييجي للقاضي داخل مظروف. دي قضية سياسية مش جنائية”.

بعض محاميّ الدفاع بدوا أكثر تفاؤلا بنتيجة المحاكمة، وهو الشعور الذي ظهر أمس أنه ربما لم يكن في محله، بعد إحالة أوراق جميع المتهمين باستثناء اثنين إلى المفتي تمهيدا للحكم بإعدامهم. المحامي البارز أحمد حلمي عضو لجنة الحريات بنقابة المحامين وصاحب الخبرة الطويلة في الدفاع عن المتهمين في قضايا الإرهاب حضر ممثلا عن أربعة من المتهمين الثمانية، واستغرقت مرافعته عنهم أغلب الجلسة التي استمرت خمس ساعات مع استراحة واحدة. في حديثه إلى «مدى مصر» في الاستراحة ثم في مقابلة لاحقة في مكتبه بوسط القاهرة كرر حلمي أن “الدائرة سمعتها جيدة” وأنها تضم ثلاثة من أكبر القضاة العسكريين في المنطقة المركزية العسكرية التي تضم القاهرة الكبرى ويحتلون مناصب رفيعة بإدارة القضاء العسكري، مضيفا أن المحكمة قد استجابت لجميع طلبات دفاع المتهمين بصورة أفضل كثيرا من محاكم الجنايات المدنية في قضايا الإرهاب المنظورة في الفترة الأخيرة.

أحد أسباب تفاؤل حلمي بنتيجة المحاكمة كان سبق ترافعه أمام نفس الدائرة في قضية شبكة «رصد»، التي واجه فيها عدد من المتهمين اتهامات “الحصول بطريقة غير مشروعة على سر من أسرار الدفاع عن البلاد، وإذاعة سر من أسرار الدفاع على شبكة الإنترنت على موقع (شبكة رصد الإخبارية)”، وذلك على خلفية تسريب فيديو لوزير الدفاع عبدالفتاح السيسي أثناء لقائه بعض الضباط قبل توليه الرئاسة. وفي شهر إبريل الماضي أصدرت الدائرة حكما مخففا ببراءة موكل حلمي وحبس متهم آخر سنة واحدة.

وقبل صدور القرار كان حلمي مطمئنا بالتحديد إلى مصير المتهمين الثلاثة الذين اعتقلوا في سجن العزولي، من ناحية بسبب اعتقالهم قبل ارتكاب الهجمات بفترة طويلة، ومن ناحية أخرى لأنه شعر أن المحكمة قد اقتنعت بوجود السجن السري و”اختفاء” المتهمين الثلاثة فيه قبل مثولهم المفاجئ أمامها بعدها بقرابة ثلاثة أشهر.

أنصار بيت المقدس بين إرهاب التسعينات وإرهاب داعش

يبدو من تحليل أوراق القضية أن الموقف من الاعتداء على المدنيين من غير قوات الجيش والشرطة هو أحد أوجه الخلاف الأساسية بين أنصار بيت المقدس من ناحية وبين جهاديي التسعينات أو حتى تنظيم دولة الإسلام في العراق والشام (داعش) المعروف حاليا باسم تنظيم الدولة الإسلامية من ناحية أخرى. فجميع المتهمين اتفقوا في أقوالهم أمام النيابة على أن حربهم المعلنة هي ضد قوات الجيش والشرطة فقط لأن “الناس اللي في الشارع دماؤهم معصومة” على حد تعبيرهم.

وبينما ذهب بعض المتهمين أبعد من ذلك وقرروا أنهم يستهدفون فقط رجال الشرطة والجيش المتورطين فعليا في الاعتداء على المسلمين، فإن واقع العمليات التي اعترف بعضهم بتنفيذها يكذب هذا الادعاء ويشير إلى مدى عشوائية الاستهداف. فأحد ركاب أوتوبيس الأميرية من جنود الجيش الناجين من الهجوم المسلح للمجموعة أقر في شهادته أمام النيابة أنه يعمل موسيقيا في فرقة الموسيقى العسكرية. وجميع الجنود الستة الذين قامت المجموعة بتصفيتهم في كمين الشرطة العسكرية بمسطرد كانوا من المدنيين الذين يقضون مؤقتا فترة الخدمة العسكرية الإجبارية على كافة الذكور في مصر، وبعضهم كانت تفصله أسابيع قليلة عن نهاية تجنيده وعودته للحياة المدنية.

كما تبدو العلاقة مع تنظيم داعش محل التباس مشابه، رغم أن تنظيم أنصار بيت المقدس لم يعلن حتى الآن “البيعة” أو الانضواء تحت لواء “خليفة” داعش كما فعلت تنظيمات جهادية أخرى في المنطقة. أحد المتهمين اعترف في إفادته الأولي فى النيابة العسكرية بالاشتراك في الهجوم على كمين مسطرد، وقال إنه انضم إلى أنصار بيت المقدس في غضون عام 2012 لأنه يرى أن نظام الحكم في مصر نظام “علماني جاهلي كافر” وإنه يرى ذلك منذ فترة طويلة “ولكن الأربع سنوات الأخيرة بلورت الرؤية بالنسبة لي حول ذلك”. سأله المحقق: “ومن الدول التي تراها من وجهك نظرك تطبق الشريعة؟”، فأجاب: “الدولة الإسلامية في العراق والشام ودي تقع في أجزاء من العراق وأجزاء من سوريا ويحكمها أبو بكر البغدادي ومافيش دول تانية تطبق الشريعة”. أدلى هذا المتهم بتلك التصريحات قبل شهور من إعلان داعش إقامة “الخلافة” في يونيو الماضي، ولم يكن من بين المتهمين العائدين من القتال في سوريا وإنما ذكر في أقواله أنه سمع عن داعش من العلماء الذين يثق فيهم وأنه قرأ عنهم على الإنترنت.

ونقلت عدة وسائل إعلامية عن مواقع جهادية الأسبوع الماضي صورا يظهر فيها شخص يقول إن اسمه عبيدة المصري وإنه “مسئول المعاهد الشرعية في داعش” وذكرت المواقع أنه لقي مصرعه في هجوم نفذه تنظيم داعش على مطار الرقة السوري منذ بضعة أيام. ويظهر الشخص ملثما في إحدى الصور يحمل رسالة من “مجاهدي أرض الكنانة في دولة الإسلام” ـ فيما يبدو أنه إشارة للمصريين المنضوين تحت لواء داعش ـ تحرض على القتال ضد النظام المصري. بينما نقلت التقارير عن حساب منسوب لنفس الشخص على موقع فيسبوك تعليقا يبدو منه أنه كان من أفراد مجموعة عرب شركس قبل سفره إلى سوريا، حيث قال: إخوة ملحمة عرب شركس كلما تذكرتهم ترجع بى الذكريات إلى الخلف فأتذكر رجال أتمنى لو أفدى أحدهم بنفسى، أبطال وليس هذا عن قريب بل والله منذ أن عرفت أحدهم ما علمت عنه إلا أنه شرس مجاهد موحد لا يستسلم للطواغيت، إما النصر أو الموت، يعمل بأقل الأمكانيات، فعل بالمرتدين أفاعيل لم يعرفوا إلى الآن من فعلها”.

***

في جميع الأحوال، وحتى مع قرار المحكمة أمس فإن محاميّ الدفاع وأقارب المتهمين الذين تحدثت إليهم «مدى مصر» لم يكونوا يتوقعون الإفراج عن أيّ من المتهمين حتى لو قضت المحكمة العسكرية ببراءتهم، نظرا لكونهم جميعا متهمين في القضية المعروفة بـ”التفجيرات الكبرى” المتهم فيها مائتان من المنتمين إلى أنصار بيت المقدس والتي لم تبدأ جلساتها بعد. هشام، شقيق المتهم هاني مصطفى عامر، حضر جلسة النطق أمس بقرار إحالة أوراق شقيقه إلى المفتي ضمن سبعة متهمين أخرين. وعند سؤاله عن رد فعله على القرار قال: “أمامنا شهور طويلة هيقضيها هاني في السجن كده أو كده فمش فارقة محبوس احتياطي ولا محكوم عليه”.

اعلان