دروس فيرجسون لمصر

لا شك أن ما يحدث في فيرجسون بولاية ميزوري أمر بشع. حيث قامت الشرطة بإطلاق النار ست مرات على الأقل على شاب أعزل ليلقى مصرعه. ويزعم الشهود أن الطلقات الأخيرة التي تسببت في موته أصابته بينما هو رافع يديه لأعلى وواقف على مسافة بعيدة تجعله لا يشكل خطرًا. لقسم الشرطة في فيرجسون تاريخ من استخدام العنف المفرط والتنميط العنصري. وفي هذا السياق لا يعد قتل مايكل براون البالغ من العمر 18 عامًا أمرًا مفاجئًا على الإطلاق. فعلى مدار سبع سنوات قام رجال الشرطة هناك بقتل رجال من السود بمعدل متوسطه رجلين كل أسبوع. وفي بعض الحالات كان هناك مبرر للقتل، لكن هناك أيضًا العديد والعديد من الحوادث التي لم يتم التحقيق فيها بشكلٍ كاف. وكل حادثة من هذا النوع تزيد من قدر التوتر بين فئات المجتمع، كما ترسخ انعدام الثقة بالشرطة.

إن النظرة المجتمعية للشرطة في مصر لا تختلف كثيرًا عن نظيرتها في الولايات المتحدة في بعض النواحي. فهناك انقسامات عميقة فى المجتمع، حيث يرى البعض أن الشرطة هي المصدر الرئيسي للأمن، وأنها مكلفة بمهمة شاقة وتحمل بعض المخاطر أحيانًا، بينما يرى البعض الآخر أن الشرطة هي اليد الباطشة للدولة وأصحاب النفوذ. ومن الوارد أن يكون كلاهما على حق، حتى أن ذلك أمر شبه مؤكد. وفي مصر تتفاقم تلك المخاوف بسبب تكرر أعمال الشرطة الفاسدة التي شهدها الجميع تقريبًا، إن لم تكن قد أضرت بهم بشكل مباشر. وهذا الجانب أقل شيوعًا في الولايات المتحدة بكل تأكيد. وهذا لا يعني أنه لا يوجد فساد في الشرطة الأمريكية، لكنه يعني ببساطة أن الفساد ليس منتشرًا بالقدر الذي نشهده هنا.

في الآونة الأخير نظر بعض المصريين إلى فيرجسون في هلع لما يحدث هناك، مثلهم مثل باقي أنحاء العالم. وهذا رد فعل طبيعي وإنساني للمجتمع الذي يمر بحالة من الحداد ويواجه القمع. إلا أنه هناك مجموعة أخرى تنظر بشيء من الاستمتاع لأن أمريكا تورطت في أعمال قمع ضد المتظاهرين. وهذه المجموعة تسعى إلى تشبيه ما فعلته الشرطة بفيرجسون بما تفعله شرطتنا في تعاملها مع المتظاهرين، زاعمين أنه إذا كانت الشرطة الأمريكية تعامل المتظاهرين بهذه الطريقة، فلا يحق لأي أحد انتقاد تصرفات الشرطة المصرية في تعاملها مع الحشود.

وتعد هذه المقاربة على قدر كبير من الهشاشة، مثل العديد من المقاربات الأخرى التي تجرى في مجتمعنا. فما فعلته شرطة فيرجسون يستحق الإدانة، وأنا أؤيد هذه الإدانة. لكن لا يصح بأي شكل من الأشكال مقارنته بما شهدته مصر من عنف مارسته الشرطة تجاه المتظاهرين. إن المصريين هم أول من ينبغي لهم أن يغضبوا من طريقة تعامل الشرطة المصرية مع المتظاهرين ويدينوها. فهم يقتلونا نحن، ويشوهونا نحن، ويعذبونا نحن. وبعيدًا عن إدانة الأمم المتحدة وتحقيقات حقوق الإنسان، فإن الغضب ونقد الجهاز الأمنى، الذي يتعدى بشكل اعتيادي على أصوات المعارضة من الشعب، يجب أن يكون منبعه الرئيسي منا نحن.

التضامن مع المتظاهرين في فيرجسون وإدانة الشرطة في الولايات المتحدة موجود ومنتشر على نطاق واسع. ولقد وجه الإعلام بالولايات المتحدة العديد من الانتقادات الحادة لسلوك الشرطة، ولقد طغت الصورة السلبية لأعمال الشرطة على التغطية الصحفية في فيرجسون. أما في مصر فقد قام العديد من الناس بتبرير أعمال من أبشع ما يكون ضد المتظاهرين، كما ظل الإعلام صامتًا عن وحشية الشرطة، إن لم يكن مؤيدًا لها.

والحقيقة المحزنة هي أنه حتى مع مدى سوء سلوك الشرطة في فيرجسون خلال الأسابيع الماضية، إذا التزمت شرطتنا بنصف قدر ضبط النفس الذي التزمت به الشرطة هناك، سيعدُ هذا تحسنًا كبيرًا في كفاءة النظام الشرطي المصري. فما هو عدد الموتى بعد أسبوعين من المظاهرات في فيرجسون؟، والتي كان معظمها سلمي وإن تخللتها بعض أعمال تدمير ونهب الممتلكات، الشخص الوحيد الذي مات خلال الأسبوع الأول هو نفس الشخص الذي أشعل كل هذه المظاهرات في المقام الأول: مايكل براون، وتلاه فى الأسبوع الثانى شاب آخر يدعى كاجيم باول. إن موتهما ليس بالأمر الهين، لكنه في مصر لا يعتبر حدث جلل. فقد اعتدنا على قيام الشرطة بالقتل، بل ورضينا به.

إن الفارق الأهم والرئيسي بين سلوك الشرطة في فيرجسون والشرطة المصرية لا يكمن في كون الشرطة هناك أفضل أو تهتم بسلامة الناس أكثر. فسجلهم المخزي من قمع عنصري وعنف يوضح أن تلك ليست الحال على الإطلاق. بل إن الفارق الأهم والرئيسي يكمن في جودة التدريب الذي تلقوه. الشرطة في الولايات المتحدة تلجأ إلى استخدام العنف المفرط في أحيانٍ كثيرة لا يمكن أن تعتبر حالات فردية. لكنهم مدربين بشكل أفضل بكثير للتعامل مع الحشود والمظاهرات وحتى أعمال الشغب والسيطرة عليها، مع تجنب استخدام قوة قد تؤدي إلى الموت. وحتى يومنا هذا لم تقم أية حكومة باستثمار جاد في تدريب شرطتنا للتعامل مع الحشود دون سقوط عدد كبير من الضحايا. والنتيجة هي موت مجاني للعديد من المصريين.

إن المطالبة بأفراد شرطة على قدر أفضل من التدريب لا يعني أن تتهاون الشرطة، ولا يعد انتقادًا لأفرادها. فالشرطة المصرية، مثلها مثل أية فئة أخرى، سوف تستفيد من هذا التدريب العالي، بحيث يتمكن أفرادها من تأدية مهامهم بشكل أكثر فعالية وبأقل خسائر في الأرواح. كما سوف يساهم هذا التدريب في تخفيف حالة الغضب تجاه الشرطة والدولة التي تمثلها. وكما رأينا في حالة فيرجسون، فإن كل شخص يموت بلا داعٍ قد يحدث انقسامات عميقة بين فئات المجتمع والشرطة. ولقد أدت وحشية الشرطة في العديد من المجتمعات إلى تقويض الثقة كليةً بين المواطنين والأفراد الذين من المفترض أنهم يحمونهم.

إذا كنا نريد أن نستكمل محاولتنا في العبور إلى مصر جديدة، على الدولة الجديدة أن تعطي حياة مواطنيها قيمة أكبر من ذلك. والطريقة الوحيدة لفعل ذلك من خلال تدريب الشرطة بشكل جيد على التعامل مع المتظاهرين دون استخدام قوة قد تؤدي إلى الموت. فالمظاهرات لن تختفي. وإن علامة من علامات التقدم في مصر ستكون ضمان أن كل مظاهرة لن تتبعها جنازة أو سلسلة من الجنازات تزيد من التوتر واحتمالات وقوع عنف بين الطرفين.

كثيرًا ما نؤكد على أن الدم المصري ليس رخيص، ولقد حان الوقت أن نثبت أن هذا ليس مجرد كلام مرسل ونستثمر أموالنا في تدريب الشرطة على السيطرة على الحشود والتعامل مع المظاهرات. فالعديد من الأرواح معلقة على هذا الاستثمار.

اعلان
 
 
 
 

دعمك هو الطريقة الوحيدة
لضمان استمرارية الصحافة
المستقلة والتقدمية

عشان من حقك الحصول على معلومات صحيحة، ومحتوى ذكي، ودقيق، وتغطية شاملة؛ انضم الآن لـ"برنامج عضوية مدى" وكن جزءًا من مجتمعنا وساعدنا نحافظ على استقلاليتنا التحريرية واستمراريتنا. اعرف اكتر

أشترك الآن